الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

لينين الرملي والرقابة.. قصص وحكايات لكاتب مصري

كيوبوست

“إن أحدًا في هذا البلد لم يفرض علىَّ ما أكتبه، ولكن في هذا البلد فُرض علىَّ أحيانًا أن لا يُسمح بنشر أو ظهور بعض ما أكتبه أو حاولوا ذلك”، هكذا كان يرى الكاتب الراحل لينين الرملي، طريقه في التعامل مع الرقابة على أعماله المختلفة التي قدمها إلى المسرح والسينما والتليفزيون.

عن عمر يناهز 75 عامًا، رحل الرملي بعد صراع مع المرض؛ لكن بقيت أعماله التي قدمها مع مختلف نجوم الكوميديا؛ لتحفظ اسمه باعتباره أحد أهم الكتاب في تاريخ الفن المصري، فهو الكاتب الوحيد الذي لم يسمح للممثلين بالارتجال في أعماله المختلفة؛ لكن تبقى علاقته بالرقابة أحد أسباب قدرته على الإبداع.

صورة آخر تكريم للكاتب الراحل

نظرة مختلفة

في المذكرات التي كتبها عبر سلسلة مقالات نُشرت قبل عدة سنوات، يقول لينين الرملي إن الإحساس بالرقابة لم يكن شيئًا إيجابيًّا؛ لكنه مثَّل تحديًا وربما جعل كتاباته أفضل في ما أظن، وعلى الأقل لم تؤثر في مسيرته الدرامية بقوة، بل لعل كان لها بعض الفوائد أحيانًا.

نظرة لينين الرملي إلى الرقابة لم تكن تصادمية على الإطلاق؛ فالكاتب الذي تطرق في أعماله إلى قضايا سياسية واجتماعية بشكل كوميدي، اعتبر أن الرقابة في أي مكان أو زمان لا يمكن أن تمنع عملًا؛ ولكنها فقط تؤجل ظهوره بعض الوقت، وأحيانًا ما يظهر في نفس الوقت لكن في مكان آخر.

 اقرأ أيضًا: على حركرك.. ولا يزال المسرح في اليمن ممكنًا (فيديو)

خطورة الرقابة

لكن الأخطر في وجهة نظره هو تشويه الأعمال الفنية بالحذف منها أو اشتراط بعض التغييرات عليها، وكانت رقابة المسرح تطلب منه أحيانًا حذف بعض السطور في أعماله؛ وهو ما جعله يتسم بالحرص ليكون رقيب نفسه في أعماله، لأنه لا معنى في بذل جهد بالتفكير والكتابة في عمل قد يمتد إلى سنوات لتمنعه الرقابة أو تشوهه بالحذف.

رقابة بالاسم

يقول لينين الرملي: “كانت الرقابة خلفي قبل أن أمارس فعل الكتابة نفسه! بما فيه كتابة اسمي على كراستي! فقد كان يجعل الرقباء يحددون موقفًا تجاهي، وكانوا جميعًا من مدرِّسي اللغة العربية، ومن أول يوم لي في الدراسة الابتدائية، يسألونني: هل أنت مسلم؟ أم مسيحي أم شيوعي؟ أم كافر لا ملة له؟! واستمر ذلك طيلة حياتي”.

فقد ظل اسمه يدهش مدرِّسي اللغة العربية ويدهشه أيضًا دهشتهم؛ ففي بداية كل سنة يقرؤون الاسم فيحققون معه: هل أنت مصري أم أجنبي؟ ثم: مسلم أم مسيحي؟ وعندما يقول مسلمًا يرد المدرس: “إذن قِف واقرأ الفاتحة”، وهو ما كان يحدث مع كل مدرس جديد.

اقرأ أيضًا: فرقة نسائية إسرائيلية من أصول يمنية تبهر العالم بموسيقى اليمن وتراثه

أول معرفة بالرقابة

سمع لينين الرملي كلمة الرقابة من أُمِّه التي كانت تعمل بالصحافة بمجلة “روزاليوسف”، لأول مرة وهو في السادسة عندما لاحظ مساحات بيضاء في بعض صفحات الصحف، فسألها عن السبب؛ فقالت له إنها كتابات حُذفت بواسطة الرقيب في آخر لحظة قبل الطباعة.

من بين مشكلات الرقابة مع لينين في طفولته هو حجب وزارة التربية والتعليم جائزة أفضل مقال عن الأم التي فاز بها بسبب اسمه؛ فالوزارة رفضت أن يكون الفائز اسمه لينين.

مسرحية لم تخرج إلى النور

المسرح القومي بالقاهرة

من بين الأعمال التي لم تخرج إلى النور على خشبة المسرح مسرحية “الكلمة الآن للدفاع”، والتي قدَّمها إلى المسرح القومي، ورفضتها الفنانة نادية رشاد، التي شغلت منصب مديرة لجنة النصوص في المسرح بالانتخاب، ووجدتها مسرحية حزينة لا تناسب المسرح القومي.

يقول عن هذه المسرحية لينين الرملي: “وكأن المسرح القومي مخصص للكوميديا فقط! وكأن هاملت وعطيل وباقي تراجيديات شكسبير وغيره لا تناسب المسرح القومي!”.

لم تخرج المسرحية إلى النور ولم يقدمها ويطلب عليها موافقة الرقابة مرة أخرى؛ لكنه اكتفى بنشرها فقط، معتبرًا أن هذا النص سيأتي يوم ويتم تقديمه حتى لو كان هذا اليوم بعد رحيله.

فيلم الثلاثة عقود

انتهى لينين الرملي من فيلم “مدرسة الجنس” كسيناريو عام 1972؛ لكن الفيلم لم يعرض إلا عام 2002، وتحول مخرجه من صلاح أبو سيف إلى نجله محمد أبو سيف؛ فالفيلم يناقش المفاهيم الخاطئة حول الجنس وسبب التعاسة للأزواج والزوجات.

يقول لينين الرملي عن فترة تحضيرات الفيلم: “رأيت صلاح أبو سيف يشتري مراجع للموضوع ويستشير الأطباء ويأتي بالفتاوى الدينية من الشيوخ، وكأنه يعد لرسالة دكتوراه؛ لكن عندما همّ بدخول الاستوديو اصطدم بحائط الرقابة على المصنفات الفنية التي رفضت الفيلم بأكمله، لكنه أصر على أن يُعيد المحاولة معهم، وبدأ بتغيير اسم الفيلم بعيدًا عن كلمة الجنس، ربما كانت هي سبب المنع؛ لكن ظلت الرقابة ترفض”.

صلاح أبو سيف
الأفيش الدعائي للفيلم

رغم أن الفيلم لم يضم أي مشاهد جنسية مخلة أو مثيرة على الإطلاق؛ فإن احتواءه على مناقشة مشكلة الجنس من ناحية علمية تمامًا أثار القلق، خصوصًا أن التركيز كان على مناقشة المشكلة من وجهة نظر علمية.

وظل صلاح أبو سيف يُعيد تقديم الفيلم؛ مغيرًا اسمه عدة مرات كلما جاء رقيب جديد، وكان في كل مرة يرفض، وبعد سنوات كثيرة وافق رئيس خامس أو سادس للرقابة وسمح به أخيرًا، لكن الفيلم لم يخرج إلى النور أيضًا.

والسبب أن المشهد الذي رغب صلاح أبو سيف في إضافته لشيخ يتحدث في المسجد عن الموضوع، جعل رئيس الرقابة يرفضه بعدما أرسل النص إلى الأزهر لأخذ الموافقة عليه، وتم رفض الفيلم من الأزهر إلى أن خرج  إلى النور باسم “النعامة والطاووس”، وهو الاسم الذي لم يرضِ لينين الرملي باعتباره لم يكن معبرًا عن مضمون الفيلم.

انتهى الدرس يا غبي

محمد صبحي

لم يكن خروج المسرحية إلى النور سهلًا، ليس فقط بسبب الدفع بمحمد صبحي تجاه البطولة؛ لكن لكثرة الاعتذارات التي أحاطت بالمسرحية في البداية، ورفض الفنانات الوقوف أمام صبحي، إلى أن وافقت خيرية أحمد قبل أن تنسحب بسبب كثرة خروج صبحي عن النص الذي كان يُربكها.

أعدّ لينين الرملي مع صبحي هناء الشوربجي التي لم تكن لها خبرة بالمسرح سوى بتجربة واحدة استمرت لمدة شهر فقط، وتدرَّبت خارج المسرح حتى حاولت خيرية فرض شروطها؛ فانسحبت من العمل وأسند الدور إلى هناء الشوربجي، بينما اشتكت خيرية في الصحف من صبحي وتدخلاته.

تجارب عادل إمام

عادل إمام

أما تجاربه مع الفنان عادل إمام فكانت مختلفة؛ فالتعاون الأول في فيلم “الإرهابي” جاء بناءً على طلب الزعيم الذي علم بالفيلم فطلبه، وكان يفترض أن يقوم ببطولته أحمد زكي؛ لكن زكي تأخر في الرد عن المهلة التي حددها لينين الرملي، فذهب الدور إلى عادل إمام الذي قدَّم معه أيضًا “بخيت وعديلة”.

تجربة أجزاء “بخيت وعديلة” التي جمعت بين عادل إمام ولينين الرملي، تختلف عن باقي تجارب عادل، آنذاك؛ فالفيلم يقوم على طرفَين، يكتمل الأول بوجود الثاني، وهو التجربة التي أعادت شيرين إلى السينما.

رقابة محمد صبحي

رشَّح لينين الرملي عبلة كامل لبطولة مسرحية “وجهة نظر”، فكانت الوحيدة التي أسعدها الدور دون أن تعقِّب بأي شيء بما فيه أجرها؛ فتألقت في الأداء من دون أن تضيف حرفًا إلى النص، ولم تخرج عبلة حرفًا عن دورها؛ لكن صبحي لم يكن مستريحًا لها، ووصل الأمر إلى أن راح يعاملها بجفاء ويخصم من أجرها مرات عدة؛ لأنها “تقزقز اللب” أو تعمل بـ”التريكو” داخل غرفتها دون أن تتأخر لحظة عن دورها، وراح يحرِّض الكل ضدها، فلم تعقِّب على أي شيء.

عبلة كامل

يقول لينين الرملي عن هذه المرحلة: “أصبح في ذهن محمد صبحي أنه مسرحه لوحده، وكانت هذه نهاية مسرحنا سويًّا، ولم أغضب؛ لكن ما أراده لم يحصل عليه، وبعد مرات كثيرة عرض علىَّ أن آخذ المسرح وحدي، فقُلت أوافق. وتقاسمنا الأمور المادية بيننا”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات