الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةصحةمجتمعمقالات

ليس سِنًّا لليأس بل سِنًّا للسعادة.. الإياس أو سنّ الضهي

كيوبوست

د. نجاة عبد الصمد♦

الإياس، إحدى مراحل عمر المرأة، اسمها العلمي: (Menopause). جاءت اقتراحات لتغيير التسمية إلى: سن اليأس، أو على العكس: الحكمة، الأمل، السعادة. لماذا علينا أن نجتهد في التسميات أو نحرِّفها أو نزوقها ما دامت هذه المرحلة تأتي في سياق العمر، وما دام بإمكاننا أن نستثمر جميع مراحل عمرنا بشغفٍ متجددٍ في كلٍّ منها؟!

تصل الكثيرات من النساء إلى هذه المرحلة من العمر بجهلٍ تام عن خصائصها، أو متى أو كيف ستبدأ، وكم ستستمر. ولا تكون تلقَّت أية معلومات من طبيبها أو من أُمِّها أو جدتها أو أختها الأكبر سنًّا، أو من محيطها الاجتماعي. هذا ليس حال مجتمعنا فقط؛ ففي الولايات المتحدة مثلًا، هذا البلد المتحضّر والمغرم بالتثقيف والإحصاء والرصد، يبدو أن هناك ممنوعات دائمة تُخَيِّم على هذا الموضوع.

التعريف:

الإياس لغةً: فترة حرجة ضمن سياقٍ ما.

(الإياس)، (Menopause) سريريًّا: هو انقطاع الطمث كليًّا لمدة سنة كاملة (لامرأةٍ لديها رحم، وليست حاملًا ولا مرضعةً).

كيميائيًّا: هو عطلة المبيضَين؛ أي: توقفهما عن وظيفتيهما (إباضة، إفراز هرموني)، وانخفاض مستوى الإستروجين في الدم، مع ارتفاع مستوى الهرمون المنبه للجريب fsh > 40 وحدة دولية، وما يرافق ذلك من توقف القدرة على الخصوبة والإنجاب، وتغيُّرات شاملة على الجسم من الجلد إلى المخ.

تاريخيًّا: هو ثُلث العمر الثالث للمرأة، (تقسيمات من الماضي: قبل البلوغ والحيض: فتاة بكر، عذراء. في أثنائه: زوجة ومربية. بعده: مسنة، عجوز).

يجيء الإياس في وقته الطبيعي إلى النساء في عمر 43ـ 55، أي في عمر 51 سنة وسطيًّا.

نسبة النساء في هذا الطور من العمر >30% من مجموع الإناث، وهي آخذة في الارتفاع مع تطاول متوسط العمر في المجتمعات المتحضرة.

هذه المرحلة ليست مرَضية؛ إنما تتصف بتغيُّرات فيزيولوجية (طبيعية)، مبرمجة وراثيًّا، باتجاه شيخوخة الجسم. وهي عسيرة على بعض النساء، وسلسة لدى غيرهن. (للعلم: يبدأ التراجع مثلًا في بنية الرئة والجهاز التنفسي في عمر 19 سنة، وفي العظام في عمر 30 سنة).

لا يقتصر الإياس على أنثى الإنسان؛ بل يشمل بعض إناث الثدييات: القرد النسناس الريسوسي، والأفيال، وبعض الحيتانيات والأسماك والببغاوات والفئران.

اقرأ ايضًا: دراسة: هذا مقدار النشاط البدني اليومي للرجال والنساء للوصول إلى سن الـ90

لا يأتي الإياس فجائيًّا وحاسمًا؛ إنما تسبقه مرحلة ما قبل الضهي (Perimenopause)، قد تبدأ منذ سن الـ35 وتستمر من 5- 10 سنوات، ينخفض فيها مستوى الإستروجين تدريجيًّا. وهي فترة انتقالية تتجلَّى بعدم انتظام الطمث، وتبدلات جسدية ونفسية طفيفة قد يتجاهلها الطبيب أو المريضة، ويجب التمييز بين ما إذا كانت ناجمةً عن الشدة (الستريس)، أو مرضٍ ما، أو انخفاض مستوى الإستروجين التدريجي في الجسم.

ثم ينقطع الطمث حين يتوقف المبيضان تمامًا عن العمل، فتظهر آثار التغيُّرات الهرمونية التي تتراوح بين القلق الخفيف والهستيريا، ومن أعراض مؤقتة إلى أمراض مضنية؛ هي:

تبدلات المزاج: الاكتئاب هو أشيع المشكلات؛ أكثر من 20% من النساء يُصبن باكتئاب سريري قد يبدأ في مرحلة ما قبل الإياس، وقد تكون أسبابه مشكلات حياتية تخص هذه الفترة من العمر كتغيُّر العلاقة بالأطفال بعد أن كبروا وغادروا البيت (متلازمة العش الفارغ)، أو برود العلاقة الزوجية، أو مشكلات في البيت أو العمل، أو قرب الإحالة إلى التقاعد.

هبات ساخنة (هات فلاش)، ونادرًا باردة؛ وهي فترات متكررة عابرة من التوهُّج، التعرُّق، العروءات (الرجفة)، التنميل (وخز الإبر أو الدبابيس، زحف النمل)، وقد تترافق بالخفقان فتبدو كأعراض مرض القلب (عدم استقرار وعائي، واضطراب مؤقت في مركز تنظيم الحرارة في الجسم). تستمر الهبّة من 1ـ 3 دقائق، وقد تتكرر حتى 30 مرة في اليوم؛ خصوصًا عند الضهي المبكر، وتترافق مع تعب، عصبية، قلق، تهيُّج، اكتئاب، اضطراب في الذاكرة. وقد تحدث في الليل (التعرُّق الليلي) وتسبب التشوُّش في أطوار النوم الطبيعي، وبالتالي اضطراب النوم. قد تستمر 3- 5 سنوات.

انخفاض الرغبة الجنسية أو فقدانها، وكذلك نقص الإشباع الجنسي.

 تبدلات في السبيل البولي والتناسلي: جفاف المهبل، حكّة، عسرة جماع، إنتانات مهبلية وبولية متكررة، عسرة تبوُّل، زحير، سلس بول جهدي حقيقي (في أثناء السعال أو العطاس؛ بسبب تقاصر الإحليل، وترقق الطبقة المخاطية فيه).

تبدلات في الجملة العصبية المركزية: صداع نصفي، صعوبة في التركيز، تشوُّش الذاكرة وضعف الذاكرة القريبة.

جفاف في الجلد وآلام متفرقة في الظهر والأطراف، ويبوسة المفاصل، وضعف العضلات.

مشكلات صحية بعيدة الأمد: ضمور الثدي، ضمور بولي تناسلي، ترهل الشفرَين الكبيرَين، أمراض قلبية وعائية، تخلخل (أو هشاشة العظام، وهي نقص في كتلة العظم فتضعف وتصبح قابلةً للكسر). الإفريقيات الزنجيات لديهن كتلة عظم أقوى وأمتن من باقي الأعراق.

حقائق:  

  • لا يزول الإستروجين من الدم طوال الحياة. بعد توقف المبيض عن العمل يستمر إنتاجه في العضلات والنسيج الشحمي المحيطي عن طريق تعطير الإندروجينات التي ينتجها الكظر. ومن هنا فالرياضة تلعب دورًا في تقوية العضلات والوقاية من هشاشة العظم، وتبدو هنا للسمنة فائدة وحيدة في أنها تقي من هشاشة العظم فقط، ولكنها لا تقي من أعراض الضهي.
  •  الإياس المبكر (السابق لأوانه، المبتسر، القصور المبيضي الباكر)، يحدث قبل عمر 43. هنا نحن أمام حالة مرضية. أهم أسبابه: استئصال المبيضَين جراحيًّا (إياس جراحي)، أو العلاج الشعاعي والكيميائي لهما، وأمراض المناعة الذاتية، وأمراض الغدة الدرقية والنخامية، والداء السكري. وكثيرًا ما يكون مجهول السبب، ويجب فحص الغدد الصم قبل تشخيصه. وقد يسبب هشاشة العظام والأمراض القلبية الوعائية، ومشكلات بولية تناسلية.
  •  استئصال الرحم لا يسبّب الإياس، يعني فقط انقطاع الطمث والإنجاب، بينما تتواصل الإباضة والنشاط الهرموني للمبيضَين حتى السن الطبيعية لتوقفهما عن العمل.
  •  عدم الإنجاب، شراهة التدخين، جراحات الدماغ (خصوصًا الغدة النخامية)، الحوادث الكارثية: تقرّب الإياس.
  •  أي نزف ولو خفيف (تمشيح) بعد انقطاع الطمث لسنة كاملة يعتبر نزفًا شاذًّا، وهو عرض جدي يجب إخبار الطبيب به. ومع أن أهم أسبابه توقف الإباضة (التهاب بطانة رحم ضموري)؛ إلا أنه قد يشير إلى حملٍ غير متوقع أو ألياف رحمية أو سرطان عنق رحم أو رحم (نسبة وجود سرطان بطانة الرحم كأحد أسباب النزف هي 3% فقط). ويجب أن يخضع لتقييم وعلاج.
  •  حين تُصاب النساء بالأعراض القلبية في فترة ما حول الضهي، فيجب الأخذ بعين الاعتبار أن عوز الإستروجين قد يكون السبب وليس مرض القلب؛ خصوصًا في حالات القصور المبيضي الباكر. وهنا استشارة طبيب النسائية واجبة لتأكيد التشخيص.

اقرأ أيضًا: هل تختلف عقول الرجال والنساء فيما يتعلق بالجنس؟

 هموم (دواعي) قلق المريضة المتعلقة بسن الضهي:

تعكس بعض الاستطلاعات تأثير الموقع الجغرافي والعرق والسياق الثقافي المحلي على هواجس النساء في هذا العمر: نساء القوقاز مثلًا يكتفين بوصف الأعراض النفسية والجسدية الطارئة عليهن بموضوعية. وتركّز نساء شرق آسيا على الاحتفاء بهذه المرحلة كحدث سعيد يحرّرهن من مخاطر الحمل. بينما تعترف بالإياس وتخشى أعراضه نسبةٌ عالية من مختلف الأعراق في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعتبره وقت التدهور والتراجع. في حين أن نسبةً قليلةً منهنّ تنتظر هذه الفترة بوصفها فرصةً للتحرر وإشباع الرغبات الذاتية. والطريف أنّ الأمريكيات من أصلٍ إفريقي يخشين الهبّات أكثر من سواها. وفي كل الأماكن كانت العازبات وغير المنجبات أقل إحباطًا من غيرهن؛ ربما لأنهن عشن هذه الهواجس قبل سنيّ الضهي.

يتبيَّن من الاستطلاع أن ما يجعل بعض النساء سعيدات هو ذاته ما يجعل أخريات يخشين هذه المرحلة. الفرق إذن يتعلَّق بحياة المرأة قبل الضهي.

النساء عمومًا يعتبرن الإنجاب وتربية الأطفال مصدرًا لاحترام الذات؛ فإذا كانت المرأة أنجبت العدد الذي أرادته من الأطفال سيكون الضهي حدثًا مرغوبًا، وإذا كانت أجَّلت الحمل لأسباب مختلفة؛ سيسبب لها فقدان الخصوبة شدةً عالية ودليلًا ملموسًا على فشلها في ما ترغب.

تفرح ذوات الدورات الغزيرة والطويلة بتوقف النزف الدوري والخلاص من فقر الدم الناتج عنه. أما النساء اللواتي يبالغن في الاهتمام بمظهرهن الشخصي فيسيطر عليهن الرعب من فقدان الشباب وترقق الجلد وتجعده وترهله.

بعضهن يلجأن إلى إنكار الأعراض الطارئة عليهن، أو يترددن في الإعلان عنها. فالإقرار بها يعني إقرار المرأة بانتهاء دورها في الحياة، أو بأنها أصبحت عديمة النفع ولن يحتاج إليها أحد. وإذا لم يسألها طبيبها بشكل مباشر عما يقلقها بالضبط فلن تقول ولن يتضح التشخيص. من المهم أن ينتبه الطبيب دومًا إلى أن مخاوف المريضة قد تكون بعيدةً عن عقله الطبيّ المنظّم بصرامة.

لا إحصاءات أو استطلاعات منهجية في بلدنا. من ملاحظتي الشخصية لنساء مجتمعنا المحلي، والتي تحتمل الصواب أو الخطأ: يمرّ الإياس على الفلاحات بسلامٍ ورضا، معظمهن في هذا العمر جدّات قنوعات لا يخشين شيئًا أكثر من الحمل (الحمد لله عالكبر وقلة الحبل)، فقد أتممن وظيفتهن الإنجابية والتربوية بنجاح، لماذا عليهن إذن أن يخفن من الشيخوخة؟! في حين تسهم حياة المدينة وارتفاع منسوب الوعي والثقافة في مجابهة الضهي بوصفه تحديًا تبالغ المرأة في وصف نجاتها منه. لا أدري إن كان هذا التقييم موضوعيًّا، فالمسألة ليست تحديًا أو مفازةً سنعبرها بشطارةٍ وننجو من التغيير. ربما يجب النظر إليها على أنها فترة تغيير نوعي سيتكرّس في القادم من الأعوام. إنها حقًّا سن الحكمة والنضج، تغيير في جوهر العقل وطريقة التفكير ومبادلة الأولويات، والعمل الكثير والهادف، والالتفات إلى الذات مع الإقرار بأن أشياء كثيرة قد تغيَّرت، وأنه رغم ذلك لا تزال سعادات كثيرة في انتظارنا.

♦ طبيبة وكاتبة سورية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة