الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربية

ليست معركة مع المخدرات فحسب.. السعودية تواجه “قات” اليمن

أسهم الصراع في اليمن وشيوع نبات القات بشكل قانوني في زيادة تهريب هذا النبات المخدر عبر الحدود

كيوبوست

أعلنت السلطات السعودية في ديسمبر 2022، إحباط تهريب 52.4 طن من نبات القات المخدر القادم من اليمن عبر الحدود السعودية- اليمنية، و(807) كيلوجرامات من مادة الحشيش المخدر شمال المملكة، خلال نفس الفترة. يأتي ذلك ضمن الجهود الدؤوبة لحرس الحدود في مكافحة أنشطة التهريب ذات التأثير المدمر على البلاد.

شهدت حركة تهريب المخدرات في المنطقة ازدهاراً كبيراً خلال العقد الماضي؛ بسبب الحرب في سوريا، والتي أدت إلى حركة تهريب نشطة عبر الحدود السورية- الأردنية، لتمتد إلى البلدان المجاورة؛ مثل السعودية. لطالما اتهم الأردن النظامَ السوري والإيراني بالوقوف خلف هذا النشاط المزعزع للاستقرار في الأردن والمنطقة برمتها.

اقرأ أيضاً: القات في اليمن.. تجارة تهدد اليمن بالجفاف

وعلى الجانب الجنوبي من السعودية، أسهم الصراع في اليمن، وشيوع نبات القات بشكل قانوني، في زيادة تهريب هذا النبات المخدر عبر الحدود. تعد المناطق السعودية الحدودية مع اليمن، نجران وعسير وجازان، الأماكن الرئيسية التي يتم من خلالها تهريب القات من اليمن، كما ينتشر تعاطي القات سراً بين أهاليها. للمخدرات والقات تأثيرات مدمرة على الشعوب، ولا أدل من ذلك ما يُلاحظ من عدم استقرار في المناطق التي ينتشر فيها؛ مثل اليمن والصومال وإثيوبيا وسوريا وأفغانستان وكولومبيا وفنزويلا.

جهود مستمرة

خلال يناير الحالي فقط، أعلنت السلطات السعودية القبض على عشرات الأشخاص بحوزتهم مئات الكيلوغرامات من نبات القات في جازان وعسير، جنوب السعودية. يفرض نشاط التهريب المستمر تحديات كبيرة على قوات حرس الحدود مع تزايد تعقيدات أساليب التهريب؛ مما يجعل زيادة التعاون الدولي، جبناً إلى جنب مع الجهود المحلية، أمراً حيوياً للقضاء على هذه الجريمة.

قوات حرس الحدود السعودية تضبط 25.4 طن من القات- SPA

إضافة إلى القات، أصبح الاتجار بالمخدرات عملاً إجرامياً متطوراً ومربحاً بشكل متزايد خلال السنوات الماضية. استفاد تجار المخدرات من التقدم التكنولوجي وعولمة الاقتصاد العالمي؛ لنقل منتجاتهم بسهولة وأمان عبر الحدود الدولية؛ مما يفرض تحديات كبيرة على وكالات إنفاذ القانون المُكلَّفة بحماية بلدانها.

يستخدم المُتجِرون عادةً مجموعة متنوعة من الأساليب للتهريب؛ بما في ذلك إخفاؤها في وسائل النقل وشحنات البضائع، وتزوير المستندات، وتهريب كميات صغيرة من خلال المسافرين. غالباً ما يستخدمون طرقاً مبتكرة لتجنب الكشف؛ مما يجعل من الصعب على حرس الحدود مواكبة أحدث الاتجاهات. على سبيل المثال لا الحصر، تناقل ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً مقطع فيديو يظهر كيف يقوم مهربو المخدرات بإخفائها في كتاب القرآن الكريم بعد تجويفه.

مصدر للإثراء والجريمة والإرهاب

تعد المخدرات صناعة عالمية مربحة للجماعات الإجرامية والمنظمات الإرهابية. كما يعتبر نبات القات، المنتشر بشكل خاص في اليمن والصومال وإثيوبيا، أحد أبرز أعمدة الاقتصاد لتلك الدول. في اليمن، مثلاً، تشير تقديرات قديمة نسبياً إلى أن اليمنيين ينفقون نحو 1.2 مليار دولار على شراء القات سنوياً. من المحتمل تضاعف هذا الرقم في الوقت الحالي.

يُنظر إلى الاتجار بالقات في اليمن كإحدى ركائز اقتصاد الحرب؛ حيث يحرص المتمردون الحوثيون على تخصيص الموارد بعناية شديدة لرفد جبهات القتال، ومن ذلك موارد القات الذي يُزرع في مناطقهم أكثر من أي مكان آخر. يفرض القانون اليمني 20% ضريبة على بيع القات؛ وهي واحدة من أعلى النسب على السلع والمنتجات والخدمات الاستهلاكية في قانون الضرائب اليمني. في عام 2019 أشارت دراسة إلى وجود روابط محتملة بين بعض الجهات الفاعلة في النزاع في اليمن والسيطرة على تجارة القات في مناطق مثل حجة وتعز وإب وصعدة. 

اقرأ أيضاً: اليمن: علاقات وولاءات مسلحة تزداد توتراً

من جانب آخر، تعمل الجماعات الإجرامية والمنظمات الإرهابية عبر الحدود في كثير من بلدان العالم في تهريب المخدرات. غالباً ما تكون لهذه الجماعات صلات بأنشطة إجرامية أخرى؛ مثل الاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة. تستخدم هذه الجماعات عائدات مبيعات المخدرات لتمويل أنشطتها، ومن المعروف أن البعض يستخدم العنف لحماية أراضيهم أو توسيع عملياتهم. 

تاجر المخدرات المكسيكي البارز خواكين “إل تشابوAFP -“

على سبيل المثال، غالباً ما يتم تهريب القنب، الذي يُستخرج منه الحشيش المخدر، إلى الولايات المتحدة من المكسيك، وتعتبر عصابات المخدرات المكسيكية من أقوى المنظمات الإجرامية في العالم. تم ربط كارتل سينالوا، مثلاً، بمنظمات إرهابية مثل “حزب الله” و”الدولة الإسلامية”. 

ومن المعروف أن جماعة طالبان في أفغانستان تستفيد من تجارة القنب غير المشروعة. غالباً ما يزرع المزارعون الحشيش لتمويل أنشطة “طالبان”، ثم تستخدم الجماعة هذه الأموال لشراء الأسلحة وتمويل عملياتها. في الوقت الحالي، تُوصف سوريا أيضاً بأنها عاصمة مخدرات الكبتاجون العالمية. كانت الجماعات السورية المسلحة المناهضة للنظام من أوائل المستغلين لتجارة الكبتاجون لتمويل عملياتهم. ثم ما لبث أن تمكن النظام وحلفاؤه من المشاركة في هذه التجارة أيضاً. 

تعد سوريا اليوم مصدراً عالمياً لمخدرات الحشيش وحبوب الكبتاجون، وتعتبر دول الخليج العربي إحدى أبرز الوجهات. تُعد تجارة المخدرات أحد القطاعات التي يلتقي فيها المجرمون والإرهابيون؛ لأن كلتا المجموعتَين غالباً ما يكون لهما أهداف متشابهة: كسب المال وزعزعة استقرار الحكومات. 

يمكن أن يكون لتهريب المخدرات تأثيرات مدمرة؛ مثل زيادة معدلات الجريمة والفساد والعنف وإجهاد موارد البلاد. أما القات، فقد ثبت تأثيره السلبي العميق على دول اليمن والصومال وإثيوبيا. على مستوى الأفراد، يمكن أن يتسبب القات في مشكلات الصحة العقلية. أما على مستوى البيئة والمجتمع، فإن له آثاراً مدمرة على المياه والازدهار والترابط الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: تنظيم الدولة في الصومال واليمن وأفغانستان.. الروابط والمخاطر

تُمضغ أوراق نبات القات في القرن الإفريقي واليمن؛ لتأثيرها المنبه، والذي يمكن أن يشمل النشوة واليقظة المتزايدة وزيادة الطاقة. لكن، يمكن أن تؤدي التأثيرات المنشطة القوية للقات إلى الأرق والقلق والعدوانية، ومرض انفصام الشخصية. كما تم ربطه بزيادة خطر الإصابة بسرطان الفم. من ناحية أخرى، تتطلب عادات مضغ القات الكثير من الوقت والمال؛ مما قد يؤثر سلباً على إنتاجية الناس واستقرارهم. كما تتسبب آثاره السلبية في العديد من المشكلات الاجتماعية؛ مثل العنف الأسري وإساءة معاملة الأطفال والبطالة. 

أصبحت الآثار المدمرة للمخدرات والقات أكثر انتشاراً في العديد من البلدان. يتزايد عدد مدمني المخدرات والقات بمعدل ينذر بالخطر، وتتضح الآثار السلبية على المجتمع أكثر فأكثر. هناك عدد من الطرق التي يمكن القيام بها للحد من تلك المخاطر؛ منها زيادة الوعي بالقضية وتقديم الدعم للمدمنين لمساعدتهم على الإقلاع عن التعاطي. بالإضافة إلى ذلك، من المهم أن تتخذ الدول إجراءات صارمة ضد التجارة غير المشروعة للمخدرات والقات. 

كما يجب تكثيف جهود إنفاذ القانون وتعطيل توريد المخدرات والقات. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن هذه التدابير وحدها لن تكون كافية لحل المشكلة. في نهاية المطاف، لا يمكن معالجة الآثار المدمرة للمخدرات والقات بشكل مناسب؛ إلا من خلال جهد مشترك بين الدول المتأثرة، وذلك يشمل دول المصدر والعبور والوجهة النهائية؛ ويتطلب ذلك وعياً والتزاماً من الجميع لحماية الناس وتفويت الفرصة على المجرمين والإرهابيين الذين يستهدفون استقرار المجتمعات.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة