شؤون عربية

ليبيا: من ملكية السنوسي إلى ثورة شباط، ثم إلى أين؟

إلى أين تسير الأوضاع في ليبيا بعد سنوات من ثورة شباط على معمر القذافي؟

خاص كيو بوست –

فترات عصيبة يمر بها الشعب الليبي خلال السنوات الأخيرة شكلت امتحانًا عسيرًا للنخب السياسية والوجوه الفكرية والمؤسسات الصناعية، التي تعلق عليها فئات شعبية عريضة أمل الأمن الغذائي والأمان المجتمعي، وتحلم معها أيضًا بانتقال ديمقراطي حقيقي، لم يبلغ لا مع ملكية السنوسي ولا جماهيرية القذافي أو “ثورة” فبراير/شباط.

 

من ملكية السنوسي إلى جمهورية القذافي

يعد عام 1969 مفصليًا في التاريخ الليبي الحديث والمعاصر، لأنه عرف “انقلاب/ثورة” ضابط بالجيش الملكي يدعى معمر القذافي على الملك، في الوقت الذي باشر فيه نظام إدريس السنوسي مجموعة من الإصلاحات في شتى المجالات الاقتصادية والثقافية والفنية، وبدأت تتشكل ملامح دولة عصرية، مع ظهور بعض الحريات المكفولة دستوريًا لولا إجهاض هذا المسار، ودخول البلاد في مرحلة مغايرة.

اقرأ أيضًا: وثائقي “شجرة الظلام” يفضح دعم قطر وتركيا للإرهاب في ليبيا

مرحلة عنوانها “الجمهورية”، والخطابات القومية بليغة الأثر في تكوين معتقدات المواطن الليبي وتوجيه سلوكه، رغم أن أصحابها لم يستطيعوا بلورة مشروع اقتصادي بأبعاد اجتماعية وثقافية، وإن كثر حديثهم عن المخططات والبرامج والإصلاحات.

هذه الفترة تميزت حسب المحلل السياسي الليبي عبد السلام عطيوة في اتصال مع كيوبوست بـ”خطابات جمال عبد الناصر “القومجية”، وجدال الوحدة العربية، وشعار محاربة الصهيونية العالمية. ومن هنا، بدأت الكارثة في ليبيا، إذ استطاع نظامها الشمولي جعل المواطن البسيط ينتظر بلهفة هذه الخطب الحماسية على الراديو وخلف شاشات التلفاز”.

شعارات وخطابات “تحرك المشاعر وتؤجج العواطف جعلت الليبي مهيأ نفسيًا لقبول التغيير، الذي جاء على شكل انقلاب عسكري أنهى الحقبة الملكية، وأعلن بداية مرحلة جديدة سيطرت فيها قوى عسكرية وحاكم ديكتاتوري، إلى أن قتل بعد 42 سنة من الحكم”، يضيف عطيوة.

 

من قتل العقيد؟ ولمصلحة من؟

منذ بداية ما يعرف بالربيع العربي، توجس معمر القذافي من تحركات الشباب في المنطقة، ولم يقابلها بالترحاب، بل انتقد علنًا الإطاحة بالرئيسين التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك. ورغم ما جر عليه ذلك من انتقادات داخلية وخارجية، إلا أنه بعث لهما رسائل تضامن في وجه الثورة، التي سرعان ما امتد لهيبها إلى ليبيا بعد أيام قليلة من رحيل مبارك.

ومع تسارع الأحداث، انهزم النظام في ليبيا أيضًا، واستمرت المعارك بين “الثوار” والكتائب التابعة للقذافي، التي سرعان ما سقطت تباعًا، بما فيها تلك المتواجدة في مسقط رأس القذافي مدينة سرت، حيث عثر عليه مقتولًا يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول عام 2011.

وجد هذا القتل حماسًا منقطع النظير في الدوحة التي أمر شخصيًا حاكمها قائد قواته الخاصة بتصفيته بتلك الطريقة المتوحشة، حسب تقارير إعلامية عربية ودولية، نتيجة لصفقات مالية مشبوهة ومعلومات خطيرة كانت بحوزة الراحل عن حكام دولة قطر، ودورهم التخريبي، ودعمهم لتنظيمات إرهابية ومتطرفة في النيجر وتشاد وأفغانستان والصومال، ومحاولاتهم إثارة الفوضى في السعودية، ودعم المعارضة في البحرين وسوريا واليمن، كما تفيد العديد من التقارير الإعلامية والمعلومات الاستخباراتية.

وفي هذا الإطار، سبق لصحفية “التواصل” الموريتانية المستقلة أن كشفت عن تورط دولة قطر في دعم الجماعات الإرهابية شمالي مالي، عن طريق نقل وتهريب مجموعات إرهابية من مالي إلى ليبيا. 

وأضافت الصحيفة ذاتها، نقلًا عن الإعلامي الفرنسي ريشار لابيفيير -الذي رافق قوات بلاده المقاتلة ضد العناصر التخريبية في مالي- قوله: “إنه شاهد طائرة تابعة للهلال القطري تقوم بتهريب مجموعة من الإرهابيين من شمالي مالي إلى مكان آمن في ليبيا”، لضرب النسيج المجتمعي وإعاقة الاقتصاد الوطني.

 

التنمية في زمن العقيد

تصدرت ليبيا عام 2010 الدول الإفريقية، واحتلت المرتبة الخامسة عربيًا في تقرير التنمية البشرية الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وأعلن المجلس الوطني الليبي للتنمية الاقتصادية، أن البلاد احتلت الرتبة 53 عالميًا في مؤشر التنمية البشرية، إذ أحرزت تقدمًا بمركزين مقارنة مع عام 2009.  

ويعد مؤشر التنمية البشرية من المؤشرات المركبة التي وضعها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1990، من أجل قياس مستوى التقدم والتنمية داخل أكثر من 180 بلدًا في العالم، ويتم حساب هذا المؤشر سنويًا، مع نشر ترتيب البلدان وفقًا لنقاط، تعتمد أساسًا على الدخل القومي الإجمالي للفرد، إضافة إلى أمد الحياة، والمستوى التعليمي أيضًا.

اقرأ أيضًا: الصراع الإيطالي الفرنسي يصل أوجه في محاولة كسب النفوذ داخل ليبيا

وتدل هذه النتائج وفقًا للمجلس الليبي للتنمية الاقتصادية، على أن ليبيا سجلت تحسنًا هامًا في مؤشرات التنمية البشرية، بفضل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تبناها العقيد في مجالات التعليم والصحة والارتقاء بالظروف المعيشية للمواطن الليبي.

ويبرز التقرير ذاته التطورات المهمة التي حققتها ليبيا قبل (الربيع العربي)، إذ غادرت المركز 61 عام 2003، وانتقلت إلى المركز الـ58 عام 2004، وهو الترتيب الذي حافظت عليه البلاد عامي 2005 و2006، قبل أن تحرز تقدمًا بمركزين عامي 2007 و2008 بانتقالها إلى الرتبة 56. واستمرت ليبيا في النهج نفسه لتصل إلى المركزين 55 عام 2009، ثم 53 عام 2010.

ورغم أهمية هذه الأرقام، إلا أن عبد السلام عطيوة أكد أن “القذافي كان يتصرف كحاكم مستبد وديكتاتور لا يهمه إلا البقاء في أعلى سدة الحكم وبأي ثمن، وأن فترة حكمه من الناحية الاقتصادية والاجتماعية أيام سد حاجات لا غير”. ونفى عطيوة أن “تكون أيام رخاء وتنمية بسبب الإنفاق الكبير على شراء السلاح وتكديس الذخائر، فلم يكن اهتمامه بالتنمية ولا بالبنية التحتية ولا بتنوع مصادر دخل الدولة من غير النفط والغاز”. كما اعتبر أن “الأمن والأمان الذي كانت تنعم به ليبيا في تلك الفترة كان جزءًا من منظومة الدولة الشاملة، وليس ناتجًا عن إستراتيجية مدروسة”.

 

ليبيا الثورة: انهيار اقتصادي وبؤس اجتماعي

وحسب تقرير لبنك ليبيا المركزي المعنون بـ”التضخم والأرقام القياسية لأسعار المستهلك، الربع الأول من سنة 2018″، فقد ارتفعت أسعار المواد الأساسية والخدمات والسلع التي تقبل عليها أغلب الأسر الليبية بشكل ملحوظ، خلال عامي 2017-2018، بالمقارنة مع 2003.

وقد أرجع التقرير هذا التضخم الذي انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين إلى الصراع السياسي، وما رافقه من انقسام في مؤسسات الدولة السيادية، ناهيك عن أزمات الحقول النفطية، وما رافقها من توقف تام عن الإنتاج، فضلًا عن انخفاض أسعاره في السوق الدولية مع بداية النصف الثاني لعام 2014.

حتى لا تعمى العيون المتعبةأزمات معيشية مصيرية في: الماء، الكهرباء، الوقود، السيولة، الأسعار، الصحة.. تصعد فتهبط…

Posted by Ibrahim Mousa Said Grada on Saturday, 8 September 2018

 

كل تلك الأمور مجتمعة، عملت على أن يسجل الرقـم القياسي العام لأسعـار المستهلك اتجاهًا تصاعديًا مرتفعًا من 231.9 في عام 2016 إلى 297.9 في 2017، و323.4 في الربع الأول لـ2018، مسجلًا تضخمًا قدره 19.5%، ليبلغ الدين العام بنهاية الربع الأول من العام 2018 نحو 100 مليار دينار ليبي، أي 74.7 مليار دولار، حسب التقرير نفسه.

ولعل هذا ما جعل 59.22% من المشاركين فى استفتاء لـ”قناة ليبيا” حول نظام حكم الراحل معمر القذافي، يعبرون عن حنينهم لأيام العقيد، فيما أعلن 24% فقط عن عدم رضاهم عن فترة حكمه.

اقرأ أيضًا: أين تقف قطر في الصراع الأوروبي حول ليبيا؟ وما علاقة الإخوان؟

 

الاقتصاد الليبي: الواقع والآفاق

بني مجد الاقتصاد الليبي قبل سقوط القذافي على النفط بحجم إنتاج وصل حوالي 1.6 مليون برميل يوميًا، إلا أن العنف الذي رافق الثورة الليبية حتى اليوم، أثر على هذا الرقم ليتضاءل إلى نحو 200 ألف برميل في مناسبات قليلة، توحشت فيها جماعات إرهابية وقوى تخريبية، استهدفت “الهلال النفطي” مرات عدة، كما احتلت مناطق كثيرة أخرى قبل أن تحرر بفضل تضحيات الجيش.

Posted by Sanousi M Taher on Tuesday, 23 February 2016

إضافة إلى النفط، فإن الغاز الطبيعي هو الركيزة الثانية التي وقف ويقف عليها الاقتصاد الليبي، بحجم احتياطي يقدر بحوالي 1549 مليار متر مكعب، ما يعني 0.83% من احتياطي العالم تقريبًا، أما حجم المسوق منه فهو 15.9 مليار متر مكعب، وهو ما يصل إلى 0.53% من إجمالي الغاز في السوق العالمية.

ثروات هائلة ووضع سوسيو-اقتصادي مقلق للغاية، ساهمت في تكوين معادلة صعبة لم يفهمها المواطن الليبي؛ بسبب انتشار الإرهاب والفساد والاقتصاد غير المهيكل، ولأسباب أخرى يتحمل فيها النظام السابق مسؤوليته أمام التاريخ.

اقرأ أيضًا: إخوان ليبيا يطالبون بالتدخل العسكري التركي في بلدهم

المختصر المفيد أن ليبيا الآن أصبحت ساحة صراع بين دول عربية وغربية عدة، تبحث لها عن مصالح إستراتيجية هناك. ومن هنا، فعلى الدولة الليبية أيضًا أن تراعي مصالح شعبها وتسرع بانتقال ديمقراطي، ومبادرة تصالحية حقيقية، لقيام حكومة وطنية قادرة على الفوز بالتحدي الأمني، وبناء اقتصاد تنافسي متنوع، بعيدًا عن النفط والغاز.  

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة