الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

لورنزو فيدينو يكشف لـ”كيوبوست” عن تاريخ تغلغل الإخوان في النمسا

تحدث لورنزو فيدينو مدير برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن -في مقابلةٍ خاصة مع "كيوبوست"- عن الدعم التركي الذي سهّل تمدد جماعة الإخوان المسلمين في النمسا.. وسعي الحكومة لمواجهة هذا المد

كيوبوست

أكد الدكتور لورنزو فيدينو؛ مدير برنامج مكافحة التطرف في جامعة جورج واشنطن، أن جماعة الإخوان المسلمين سعَت للتغلغل في المجتمع النمساوي منذ ستينيات القرن الماضي، عبر مصريين وسوريين عملوا على تأسيس قاعدة للجماعة في النمسا، والتي لم ترَ في وجودهم أي خطر إلا قبل سنوات قليلة، متطرقاً إلى تفاصيل ترسيخ عمل الجماعة -المصنفة إرهابية بعدة دول عربية- في المدن النمساوية.

وأضاف فيدينو، في مقابلةٍ خاصة مع “كيوبوست”، أن دعم الدول الإسلامية المعتدلة لأوروبا في مكافحة التطرف، سيساعد على دعم موقف أوروبي موحد لمواجهة التحركات التركية الرامية إلى تصوير ما يحدث باعتباره هجوماً على الإسلام، وليس على الجماعات الإسلامية المتطرفة، وإلى نص الحوار:

* كيف استطاعت جماعة الإخوان المسلمين التغلغل في المجتمع النمساوي على مدار سنوات؟

– بدأ الأمر في الستينيات؛ حيث استقر هناك بعض المصريين، وكان من بينهم يوسف ندا، الذي أمضى بعض الوقت في النمسا قبل أن يستقر في سويسرا، ثم تبع ذلك وصولُ بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصريين للإقامة في فيينا وغراتس في السبعينيات والثمانينيات؛ حيث أسسوا لوجود الجماعة في هاتين المدينتَين، وقاموا ببناء أول المساجد وأولى الشبكات، ولم تعِر السلطات النمساوية أية أهمية للأمر، ولم ترَ فيه أية مشكلة في البداية؛ خصوصاً أن بعض هؤلاء كانوا من رجال الأعمال الذين لم يشكلوا أي تهديد للسلطات النمساوية.

كان هناك شخصيات مهمة جداً من الجماعة؛ في مقدمتها أيمن علي الذي عمل في البوسنة أثناء فترة الحرب في التسعينيات، قبل أن ينتقل للعيش في غراتس؛ ليصبح إمام مسجد الجماعة فيها، ويبرز بوصفه أحد أهم أعضاء الجماعة في النمسا، وكذلك في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا. واكتسبت جماعة الإخوان المسلمين المصرية في النمسا تحت قيادته أهمية كبيرة، وأصبحت مركزاً يزوره كبار قياديي الجماعة، ثم ذهب أيمن علي إلى مصر ليعمل مستشاراً للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، والمثير للضحك أنه لطالما أنكر انتماءه إلى الجماعة، لدرجة دفعته لمقاضاة صحيفة في النمسا؛ لأنها ذكرت عضويته في الجماعة.

 اقرأ أيضًا: “الإسلام السياسي” جريمة جنائية في النمسا

أصبجت جماعة الإخوان تشكل تهديداً على الأمن في النمسا – وكالات

* لكن الأمر لم يكن يقتصر على المصريين فقط، أليس كذلك؟

– بالتأكيد، فهناك السوريون، والذين كانت لهم الديناميكية نفسها؛ حيث وصلوا إلى فيينا وقاموا بتأسيس شبكات مشابهة، وكان الأمر مشابهاً من حيث عدم اكتراث الحكومة النمساوية بهم، وكانت تعتبر أن معظم نشاطاتهم قانونية؛ فقد بنوا المساجد وأرسلوا الأموال إلى سوريا ومصر دون أن تبدي الحكومة أي اهتمام بهذه النشاطات.

اقرأ أيضًا: يوسف القرضاوي.. فقيه “الإسلام السياسي” النافذ

* وكيف تطور الأمر بعد ذلك؟

– تمكن الإخوان من خلال المساجد التي أنشأوها من استقطاب أفراد غير المصريين والسوريين؛ خصوصاً من أبناء الجيل الثاني لأبناء المهاجرين من دول البلقان، وبذلك أصبحت ترى الكثير من الشباب الناشطين بجماعة الإخوان المسلمين ينتمون إلى أصولٍ بوسنية ومقدونية وألبانية وكوسوفية، ممن ولدوا في النمسا وترعرعوا في هذه الشبكات التي أنشأتها الجماعة، وبالطبع هؤلاء الشباب من الجيل الثاني كانوا على درجةٍ عالية من الذكاء واتصفوا بالأداء العالي؛ فـ”الألمانية” كانت لغتهم الأولى، وكانوا يعرفون كيف يتحدثون إلى السياسيين ووسائل الإعلام، ويعرفون تماماً كيف يخفون تطرفهم بشكل أفضل كثيراً من أبناء الجيل الأول من المصريين والسوريين، وتمكنوا من بناء شبكة قوية جداً في النمسا، كما هي الحال في سائر الدول الأوروبية.

المستشار النمساوي سيباستيان كورتس

* لماذا أصبحوا أكثر خطورة الآن من أي وقت مضى على النمسا؟

– منذ عامَي 2015 و2016 عندما كان المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، لا يزال وزيراً، بدأ يفهم بشكل كامل مشكلة الإسلاموية؛ فهو لم يكن قلقاً من الإرهاب فحسب، بل عمل أيضاً على موضوع الإسلام السياسي لفترةٍ طويلة، وكانت نظرته إلى الأمر متوافقة مع تلك القائمة في مصر والإمارات والسعودية، والتي تعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين أكثر خطراً من المجموعات الجهادية، ولذلك جرى اتخاذ الكثير من الإجراءات، والجميع انتبهوا الآن فقط إلى النمسا، ومنذ سنوات كان يقول ذلك ويتصرف بناء على هذه الحقيقة، والآن الجميع ينظرون إلى ماكرون؛ لأنه تحدث عن الأمر خلال الأشهر الأخيرة، ولكن كورتس كان قد قال الكثير حول هذا الموضوع منذ 4 أو 5 سنوات، وبدأ بمعالجة هذه المشكلة بالفعل.

اقرأ أيضًا: موسوعة الجماعات والتنظيمات والحركات والفرق “الإسلامية”

* كيف تحرك المستشار النمساوي لمعالجة هذا الأمر؟

– على سبيل المثال، صدر في عهده قانون يمنع التمويل الأجنبي للمؤسسات الإسلامية، وهناك قوانين وضعت لوقف تدفق الأموال من قطر وتركيا إلى هذه المؤسسات في النمسا، وقبل عامَين صدر قانون يمنع تداول شعارات الإخوان المسلمين، وليس الجماعة نفسها؛ فلا يمكنك الآن استخدام شعار الأصابع الأربعة “رابعة” في النمسا، ثم بدأوا بإغلاق المساجد المرتبطة بالجماعة، سواء التركية منها أو العربية.. إلى جانب هذه السياسات الحكومية هناك أيضاً عمل المؤسسات الأمنية والقضائية؛ لأنه بالتوازي مع إجراءات كورتس على المستوى السياسي هناك القضية الكبيرة، وأظن أنها أكبر قضية ضد الإخوان المسلمين في الغرب على الإطلاق؛ وهي الحملة التي جرَت الأسبوع الماضي، حيث اعتقلت السلطات النمساوية نحو 60 شخصاً، واقتحمت مقرات في مختلف أنحاء النمسا، وهذه الإجراءات لا علاقة لها بالهجمات الإرهابية التي حدثت في فيينا؛ بل هي نتيجة تحقيقات وتحريات مستقلة تماماً تصادف حدوثها في الوقت نفسه.

تشهد النمسا حالة من الاستنفار الأمني – رويترز

* لكنها وقعت بعد ساعات من الهجمات الإرهابية؟

– تزامن هذه التحركات مع هجمات فيينا هو مجرد مصادفة، وأنا متأكد تماماً من ذلك، وقد كانت فعلاً تحقيقات معقدة للغاية طالت شبكة الإخوان المسلمين في النمسا، وقامت على حقيقة أن الإخوان المسلمين هم جماعة إرهابية دولية، وأن هؤلاء الأفراد في النمسا هم جزء من هذه الجماعة وداعمون للإرهاب؛ فحتى لو لم يتورطوا بشكل مباشر في أعمالٍ إرهابية، فهم جزء من آلة أو حركة أو آلية إرهابية، ويقدمون لها الدعم الأيديولوجي على الأقل من النمسا بمجرد انتمائهم إلى الجماعة، وهذا يُعتبر تدبيراً غير مسبوق في الغرب؛ فلا توجد أية حكومة أوروبية اتخذت إجراءات مثل هذه من قبل، وهذا عمل طموح بالطبع، وسوف نرى كيف ستسير هذه القضية؛ ولكنها، في كل الأحوال، تثبت أن الحكومة النمساوية هي الآن أكثر الحكومات عداء للإخوان المسلمين، وأن الوضع هنا مختلف تماماً عن بقية الدول الأوروبية.

اقرأ أيضًا: كيف أصبحت النمسا حاضنة العمليات المالية للإخوان المسلمين في أوروبا؟

* هل يمكن أن يتعرض المسلمون غير المنتمين إلى الجماعة؛ سواء أكانوا حاملين للجنسية النمساوية أم المقيمين، إلى مضايقات؟

– بالطبع هنالك خشية من أن هذه السياسة الهجومية التي تتبناها النمسا قد تسبِّب المشكلات، ومن الواضح أن شبكات الإخوان المسلمين سوف تحاول تصوير هذا الأمر على أنه معادٍ للإسلام وللمسلمين، ويجب على كورتس والنمساويين بشكل عام أن يكونوا في غاية الحذر في ما يتعلق باللغة التي يستخدمونها؛ لأنهم لا يريدون أن يشعر النمساويون المسلمون بالاستهداف، فما تفعله الحكومة النمساوية موجه ضد جماعة إسلامية صغيرة، وليس ضد المسلمين النمساويين؛ ولكن كما تعلم يمكن للأمور أن تتعقد في ظل التكتيك الذي تستعمله الجماعة في تصوير الأمر على أنه هجوم يستهدف الإسلام والمسلمين. لذلك، يجب أن يتحلى النمساويون بالذكاء الشديد تجاه هذا الأمر، وبالطبع فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في هذا الموضع هو في غابة الأهمية؛ فقد رأينا كيف حشد أردوغان وحكومته ضد فرنسا عندما أظهر ماكرون بعض السلوك الهجومي تجاه الجماعة، لقد هاجم أردوغان كورتس والنمسا في الماضي عندما أمر بإغلاق بعض مساجد حزب العدالة والتنمية في النمسا، وأنا أتوقع أن يطالعنا أردوغان بخطابٍ قاس تجاه النمسا قريباً، وسوف نرى ما الذي سيحدث، وهناك خشية من ردود الأفعال التي يصعب توقعها، سواء أكانت هجمات إرهابية أم مزيداً من التوتر.

حملة مداهمات واسعة نفذتها الشرطة النمساوية – وكالات

* كيف ترى دور الرئيس التركي في زيادة التوتر وتهديد الأمن الأوروبي بشكل عام؟

– الدور الذي يلعبه أردوغان في غاية الخطورة؛ فعلى مدى سنوات عديدة، قدمتِ الحكومة التركية الدعم إلى المجموعات الإسلامية في أوروبا؛ بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، وقدمت لها الكثير من المال والدعم السياسي، وهذا كان سبباً لتوترات متزايدة بين العديد من الحكومات الأوروبية من جانب، وبين الحكومة التركية من جانب آخر، والخطاب الذي استعمله أردوغان في الأسابيع الأخيرة؛ خصوصاً ضد فرنسا، اعتبره الجميع في أوروبا خطاباً غير مقبول، وأنا أعتقد أن التوتر مع تركيا بسبب دعمها هذه المجموعات الإسلامية، إلى جانب أسبابٍ أخرى عديدة، قد وصل إلى مستويات عالية للغاية، والسؤال المهم الآن هو ما إذا كانت أوروبا سوف تشكل جبهة موحدة ضد الإسلامويين وتركيا، وهذا ما لست متأكداً منه حتى الآن.

اقرأ أيضًا: مخابرات أردوغان تهدد الأمن القومي النمساوي

المستشار النمساوي والرئيس الفرنسي في لقاء سابق – أرشيف

* لكن هل ترى أن أوروبا تصدت للتحركات التركية بشكل جاد؟

– انعقد هذا الأسبوع اجتماع في غاية الأهمية، ضم كلاً من كورتس من النمسا، وماكرون وميركل والاتحاد الأوروبي، وكانت لغته قوية جداً، وكان من الواضح أن النمسا وفرنسا متوافقتان تماماً؛ إلا أنني لا أستطيع أن أقول الشيء نفسه حول بقية الدول الأوروبية، حيث يختلف الأمر من دولةٍ إلى أخرى ومن حكومة إلى أخرى، وليست هناك جبهة موحدة، ومن غير الواضح ما إذا كان كورتس وماكرون سيستطيعان إقناع حكومات أخرى بدعمهما على الرغم من أنهما يتمتعان بدعم داخلي كبير جداً، أم أن العكس قد يحدث، وتنكفئ الدول الأوروبية الأخرى عن المواجهة. في الواقع من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، ومن هنا تأتي أهمية دعم حكومات من الشرق الأوسط.

* كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

– التصريح الذي أدلى به وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، دعماً لماكرون، كان في غاية الأهمية، أظن أن هناك فهماً خاطئاً لدى بعض الحكومات الأوروبية بأن هذا صدام بين الحضارات، وأن المسلمين يكنون العداء لأوروبا، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فمَن يُكن العداء لأوروبا هو التنظيمات الإسلامية وتركيا، وأعتقد أن إظهار المزيد من الدول الإسلامية المعتدلة دعمها لأوروبا في مواجهتها مع الإسلاميين سيمنحها المزيد من القوة في هذه المواجهة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة