شؤون عربية

لهذه الأسباب لم تتفاعل الجزائر مع مبادرة الصلح المغربية، وهذا ثمن موقفها

هل تقترب أزمة الجزائر والمغرب من نهايتها؟

كيو بوست – رشيد العزوزي

لا أحد في الجزائر ولا المغرب، قيادة وشعبًا، راض عن واقع العلاقة بين البلدين بحكم الجوار والتاريخ والثقافة، وإمكانات التكامل الاقتصادي، والتحديات الكبيرة في الداخل والخارج، التي يمكن مواجهتها وربحها لو دخل الأشقة مرحلة جديدة جدية، دون التفات لقضايا تاريخية يمكن تجاوزها (مثل الحدود)، أو سياسية يمكن أن تأخذ مسارها الأممي (مثل ملف الصحراء)، لصالح التعاون المشترك، الذي لا شك سيعيد الروح لاتحاد المغرب العربي، الذي يحق فيه لتونس وليبيا وموريتانيا تحميل المغرب والجزائر معًا المسؤولية الكبرى في تجميده، منذ تأسيسه عام 1989 بمدينة مراكش.

اقرأ أيضًا: الحروب الإعلامية: المغرب والجزائر نموذجًا

 

ما الذي يميز دعوة ملك المغرب التصالحية للجزائر عن غيرها؟

دعا ملك المغرب محمد السادس في خطابه الأخير إلى إنشاء آلية سياسية للحوار والتشاور بين بلاده وجارتها الجزائر قائلًا: “يشهد الله أنني طالبت، منذ توليت العرش، بصدق وحسن نية، بفتح الحدود بين البلدين، وبتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية. وبكل وضوح ومسؤولية، أؤكد اليوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين”.

ولم تكن الدعوة الملكية عامة وتعبيرًا عن حسن نية فقط كما جرت العادة في خطابات مشابهة حضرت فيها الجزائر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وإنما كانت أيضًا، حسب مراقبين ومحللين للوضع في شمال إفريقيا، صريحة تصالحية، عملية باقتراحها آلية للشروع في حلحلة كل المشاكل بين البلدين الشقيقين.

اقرأ أيضًا: أزمة المغرب والجزائر في تصاعد: هل تصل إلى نقطة اللاعودة؟

يضيف الملك لهذه الغاية: “أقترح على أشقائنا في الجزائر إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها، وطبيعتها. وأؤكد أن المغرب منفتح على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين”.

بل حدد الخطاب الملكي مهمة هذه الآلية في “الانكباب على دراسة جميع القضايا المطروحة، بكل صراحة وموضوعية، وصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات… بخصوص مختلف القضايا الثنائية، خصوصًا فيما يتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنموية التي تزخر بها المنطقة المغاربية”.

الأكاديمي المغربي محمد لمراني علوي

هذا الموقف المغربي الذي عبرت عنه أعلى سلطة في البلاد، اعتبره الأكاديمي المغربي محمد لمراني علوي، رئيس “مركز الأبحاث والدراسات الأكاديمية حول القضايا السيادية”، “مشرف ومتميز، إذ لاقت الخطوة ترحيبًا من طرف العديد من الجهات والقوى الحية التقدمية والمحافظة في الجزائر، بحسب ما قال في اتصال هاتفي مع كيوبوست. 

 

كيف ينظر الجزائريون إلى الدعوة؟

اعتبرت الكاتبة، الباحثة الجزائرية، سهام مشرفي “مبادرة الملك مبادرة شجاعة تحسب له لا عليه”، لتستدرك قائلة: “لكن تبقى القرارات المتخذة هي الأهم، فحلم كل جزائري يكمن في لم شمل الدول المغاربية، الأمر الذي لم يتحقق بسبب الأزمات التي انتهت بقطع العلاقات بين الشقيقين المغرب والجزائر، اللذين يتشاركان ليس فقط اللغة والدين، وإنما اللهجة والثقافة والعادات والتقاليد أيضًا”.

وتضيف في اتصال مع كيوبوست: “توجد الكثير من العائلات في المغرب من أصل جزائري، كما توجد أيضًا عائلات من أصل وجذور مغربية تقطن بالجزائر. مبادرة الملك من شأنها لم الشمل وهذا أملنا وحلمنا؛ فنحن نرى نماذج عالمية تلجأ إلى التحالفات والتكتلات بدون وجود أي روابط بين شعوبها، كالاتحاد الأوربي مثلًا، أو دول BRICS التي لا تتشارك حتى في القارة الواحدة، فما بالك بالشعوب التي تتقاسم كل شيء حتى الجوار على طول شريط حدودي كبير جدًا!”.

اقرأ أيضًا: عميلة سرية جزائرية وراء قطع العلاقات الإيرانية المغربية

وعللت الأسباب وراء ذلك بالقول: “التفرقة والأزمات وغياب إستراتيجية واضحة والتعنت من جانب كلا الطرفين هو ما حال دون تحقيق هذه الوحدة التي من شأنها أن تثري كل القطاعات، خصوصًا اقتصادي البلدين الراكدين”.

 

لماذا تجاهلت الجزائر الدعوة المغربية؟

أحدثت المبادرة الملكية نقاشات عميقة في باقي العواصم المغاربية، رغم أن الجزائر هي المعنية الأولى بهذا الخطاب، الذي اعتبره الكاتب الصحفي الجزائري بيومية الشروق عبد الناصر بن عيسى “واضحًا جدًا، وفي الوقت نفسه غامضًا جدًا؛ فالملك اختار زمانًا ومكانًا ومناسبة خاطئة”. 

ويقصد بالمناسبة 6 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي الذي وجه فيه ملك المغرب خطابًا للأمة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء عام 1975؛ ذكرى استرجاع المملكة للصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني.

وليس خفيًا على أحد أن الجزائر أبرز داعم لجبهة البوليساريو الانفصالية، رغم أنها ما فتئت تؤكد أنها ليست طرفًا في الصراع، وهو ما يرفضه المغرب الذي يعتبر الجبهة صنيعة جزائرية، تقدم لها مختلف أنواع الدعم المادي والسياسي وتحتضنها على أراضيها بمنطقة تندوف.

هذا الموقف الجزائري عبر عنه بطريقة مباشرة لوسائل الإعلام هذه المرة السياسي المخضرم محي الدين عميمور قائلًا: “الملك يطالب بحوار موضوعي وبدون شروط مسبقة، في حين أن الخطاب يُلقى بمناسبة المسيرة الخضراء، التي تنظر لها الجزائر كغطاء للاحتلال المغربي للصحراء الغربية… الخطاب يؤكد على مفهوم المغرب لوحدته الترابية، وهي نقطة خلاف جوهرية مع القرارات الدولية التي لا تعترف بالصحراء الغربية كجزء من المغرب، ومعنا نحن بالطبع… إذًا تم تناسي الطرف الرئيس في الصراع الذي يعرقل بناء المغرب العربي، وهو “الشعب الصحراوي”، تم تجاهله تمامًا، أي أنه يُطلب منّا الغدر بأشقاء نحترم إرادتهم في تنفيذ القرارات الأممية، ونحن ندرك أنه لا سلام في المنطقة إذا تجاهلنا مطالبهم المشروعة”.

اقرأ أيضًا: لماذا تدعم الجزائر جبهة البوليساريو؟

الكاتب ديدي ولد السالك

في هذا السياق، قال الأكاديمي الموريتاني ديدي ولد السالك، رئيس المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية، في اتصال مع كيوبوست: “ينبغي أن نفصل بين أمرين: الأمر المتعلق بأي جهد مجتمعي أو مدني أو ثقافي أو سياسي مطلوب لبعث الروح في الاتحاد المغاربي، مبادرة فردية أو جماعية، هذا شيء مطلوب، أما الّأمر الآخر المتعلق بموقف الجزائر فإنه لن يتغير قبل تغيير بنية النظام الجزائري”.

 

جمود العلاقات المغربية الجزائرية وتكلفة اللا مغرب الكبير

حسب تقرير اللجنة الاقتصادية الإفريقية التابعة للأمم المتحدة، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدان المغاربية عام 2015 ما نسبته 4,8% من مجموع المبادلات التجارية لهذه البلدان، بقيمة مالية لا تتجاوز الملياري دولار، وبـ%1 من مجمل التصدير العالمي، لتكون السوق المغاربية الأقل حركية في العالم، رغم ما تتيحه المنطقة من فرص لتحقيق التكامل الاقتصادي، تنزيلًا فقط لمقتضيات قمة «الإستراتيجية الكبرى للتنمية المغاربية المشتركة»، عام 1991، المنعقدة بـ«راس لانوف» الليبية.

وقد أفاد سعيد مقدم، الأمين العام لمجلس الشورى لاتحاد المغرب العربي، في تصريح صحفي، بأن كلفة “اللامغرب” تقدر سنويًا بـ10 مليارات دولار سنويًا، بالإضافة إلى “الخطر الذي يواجه الدول المغاربية، إذ إن 85% من المنطقة (أي ما يعادل 6 ملايين كلم مربع) مهددة بالتصحر، وبالإضرار بأمننا الغذائي بسبب فاتورة الاستيراد، وعدم التبادل التجاري بين البلدان المغاربية”.

يعني ذلك أن البلدان الخمسة التي تعيش مشاكل اقتصادية واجتماعية متشابهة بإمكانها ربح رهان التنمية لو تكتلت، خصوصًا أن إمكانية التكامل الاقتصادي مرتفعة بين الدول الخمس الغنية بثروات طاقية ومعدنية وفلاحية كالنفط والغاز المتوفر عند الجزائر وليبيا، والخضروات والفاكهة والفوسفات المتوفرة لدى المغرب وتونس، ناهيك عن المعادن النفيسة الموجودة لدى موريتانيا.

اقرأ أيضًا: حرب وشيكة قد تندلع بين دول المغرب العربي بسبب جبهة البوليساريو!

فرص حقيقة وآفاق رحبة، حالت المشاكل السياسية -على رأسها موقف الجزائر المعادي للوحدة الترابية للمغرب- دون تحققها، ما ضيع فرصًا حقيقية على أجيال حلمت بمغرب كبير بدون حدود.

ويضيف العلوي لمراني: “أضاع الفكر الجزائري على المغرب الكبير والأمة العربية والقارة الإفريقية الكثير من الجهد والمال والوقت”.

بحسب مراقبين، يسعى الملك المغربي إلى قيادة المحادثات السلمية في المنطقة، سعيًا إلى تحقيق الوحدة المنشودة.

المحلل السياسي الليبي عبد السلام عطيوة

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الليبي عبد السلام عطيوة، في اتصال مع كيوبوست: “إن المملكة المغربية تعمل بكل ما أتيح لها من قوة على ضمان أمن واستقرار المنطقة، والدليل على ذلك مساعدتها لليبيا في حل مشاكلها بعد أحداث عام 2011؛ حيث فتح المغرب ذراعيه، واستقبل الفرقاء الليبيين بمدينة الصخيرات، ورعى المحادثات، وعمل على تقريب وجهات النظر، إلى أن نتج عن ذلك اتفاق الصخيرات الذي أدى إلى نهاية حرب فجر ليبيا، وكفى الشعب الليبي ويلات دمارها، وهذه تحسب للملك محمد السادس ولشعبه وللمملكة، وسوف لن ينساها الشعب الليبي، وعليه فلا أستغرب أن تعمل القيادة المغربية الرشيدة على حل مشكلة الحدود مع الجزائر، وفتح الباب بين الشعبين الشقيقين”.

اقرأ أيضًا: التاريخ والسياسة والأطراف: كل ما تود معرفته حول نزاع الصحراء المغربية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة