الواجهة الرئيسيةترجمات

لماذا يُعد الهجوم الأخير على السعودية فرصة إيران المنتظرة؟

ترجمات – كيوبوست

لم يكن الهجوم الذي شهدته المملكة العربية السعودية، يوم السبت 14 سبتمبر الجاري، حدثًا عابرًا؛ فالهجوم الذي نفذته طائرات متطورة من دون طيار وشارك فيه إطلاق صاروخي موجه استهدف أكبر تجمع للبنية التحتية النفطية بالمملكة، قد تسبب في قلق عام في أسواق النفط؛ لتجد الولايات المتحدة نفسها عقب هذه الهجمة المدمرة في مفترق طرق مع حلفائها في الشرق الأوسط؛ وعلى رأسهم المملكة.

من هنا بدأ التساؤل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة راغبة في حماية حلفائها من خطر إيران ووكلائها في المنطقة، ويبدو أن هذه هي الأزمة التي كانت تنتظرها طهران منذ فترة طويلة، ويتجلى ذلك في الإعلام الموالي لإيران الذي لم يتوقف عن نشر تغريدات تتحدث عن الهجمة الشرسة وغير المسبوقة، وعن تهديدات المتمردين الحوثيين للبنية التحتية للنفط السعودي.

بينما أكد وزير خارجية الولايات المتحدة مسؤولية إيران عن الحادث، كما أذاع عدة مسؤولين أمريكيين صورًا تم التقاطها بالأقمار الصناعية، وتحدثوا إلى وسائل الإعلام عما سموه بتفاصيل الاعتداء المتطور على السعودية؛ حيث يثبت هذا الاعتداء مدى تطور ودقة السلاح الإيراني، وهو ما يمثل تهديدًا كبيرًا هو الأول من نوعه؛ فالتحذيرات كانت تتوالى منذ سنوات للتنبيه إلى سعي إيران لامتلاك أسلحة شديدة الدقة.

أساليب ملتوية

 كان تقرير قانون تفعيل الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2019 قد حذَّر الكونجرس الأمريكي من تطور برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وكذلك الطائرات من دون طيار، كما سبق أن حذرت إسرائيل من أمر مماثل في أوائل سبتمبر الجاري؛ حيث أكدت قيام إيران بتغذية حزب الله ببرنامج صواريخ عالية الدقة، ومن المؤكد أن إيران عملت على تطوير منظومة الصواريخ الموجهة والطائرات من دون طيار، إضافة إلى الذخيرة عالية الدقة منذ التدريبات التي أعلنت عنها في مارس 2019.

بقايا الصواريخ التي استخدمت لمهاجمة منشآت “أرامكو” خلال عرضها في مؤتمر صحفي في الرياض في 18 سبتمبر 2019

لقد تم وضع عديد من العقبات في طريق استفادة إيران من ترسانتها العسكرية؛ بدأت بانسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة في مايو 2018، وهو التاريخ الذي بدأت إيران من عنده في استخدام كل الأساليب الطيبة والملتوية للتغلب على الأمر؛ منها القيام بتهديد أوروبا بعدم الالتزام بالاتفاق في حالة عدم نجاح الأخيرة في إقناع أمريكا برفع العقوبات الاقتصادية، لكن ما حدث في مايو الماضي هو أن طهران بدأت في اتباع استراتيجية جديدة للتعامل مع الأمر.

اقرأ أيضًا: طُرق تسلكها طهران لتهريب الأسلحة إلى الحوثيين

فبمجرد رفع أمريكا من حدة العقوبات الاقتصادية، كانت طهران تهدد بهدم المعبد على رؤوس الجميع.. بمعنى آخر: إذا لم تتمكن إيران من تصدير نفطها إلى الخارج؛ فإنها ستتدخل لمنع كل الأطراف من تصدير النفط، كما اتهمت واشنطن إيران بقيامها بإسقاط طائرة أمريكية من دون طيار في يونيو الماضي، بالإضافة إلى تخريب 6 سفن في مايو ويونيو 2019. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث قامت إيران بقصف عدة صواريخ بالقرب من قواعد عسكرية أمريكية في العراق، فضلًا عن دعمها للمتمردين الحوثيين باليمن بطائرات من دون طيار مزودة بتقنيات ذكاء اصطناعي، وأيضًا أنظمة دفاع جوي متطورة، كما أكد بومبيو مسؤولية إيران عن إطلاق ما لا يقل عن 100 هجمة عسكرية في اليمن.

وكانت كل هذه الأمور مجرد تمهيد للهجمة الشرسة التي حدثت الأسبوع الماضي، حين قامت إيران بتوجيه ضربتَين إلى البنية التحتية للنفط السعودي؛ الأولى شرق الرياض والأخرى بالقرب من الحدود الإماراتية، وقد زعم بعدها التليفزيون الإيراني مسؤولية الميليشيات اليمنية عن الحادث؛ حيث أشار إلى قيام 10 طائرات من دون طيار بتنفيذ الهجمات. كما شهدت الساعات الأولى من يوم 14 سبتمبر تفجير 20 مبنى، بالإضافة إلى خزانات مخصصة للغاز الطبيعي المسال في بقيق، ولا يمكن وصف الحادث باعتباره ناتجًا عن الصدفة؛ حيث أشارت الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية إلى انفجار 4 خزانات للغاز في المكان ذاته، لكن كل خزان على حدة، وهو ما يوحي بأن التفجيرات تم تنفيذها باستخدام تقنيات عالية الدقة، فضلًا عن قيام جهة ما بتوجيه الضربات.

مأزق إدارة ترامب

إذن لا يمكن الاستهانة بهذا المستوى من الدقة في توجيه الهجمات؛ فضرب الأهداف بتلك الدقة يفترض قيام عدد كبير من الطائرات من دون طيار والصواريخ الموجهة باختراق أنظمة الدفاع الجوي في شرق السعودية بالقرب من البحرين، وإذا وضعنا في الاعتبار أن تلك المنطقة تقع بالقرب من القاعدة البحرية الأمريكية بالبحرين وقاعدة عديد العسكرية في قطر، بالإضافة إلى القواعد العسكرية الإماراتية والكويتية، وتمكنت إيران من اختراق المجال المحيط بكل تلك القواعد العسكرية المؤمّنة جيدًا؛ فإن هذا يعني امتلاكها تقنيات عسكرية مرعبة.

وسواء أكانت إيران هي المسؤول المباشر عن الحادث أم أنها قامت بتنفيذ الهجمات من خلال وكلائها الحوثيين باليمن؛ فإن هذا الأمر لا يعني سوى بلوغ إيران وحلفائها مستوًى عاليًا من الكفاءة العسكرية؛ خصوصًا إذا كنا نتحدث عن الطائرات من دون طيار والصواريخ الموجهة، وهو ما يضمن امتلاك طهران برنامج تسليح متطورًا تتفوق به على كل جيرانها باستثناء إسرائيل، وبالتالي سيتطلب الأمر في المستقبل تدخل سلاح الدفاع الجوي الأمريكي وأجهزة التعقب بالرادار في مواجهات من هذا القبيل. وهناك سؤال مطروح على الطاولة الآن، وعلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الإجابة عنه؛ حيث لا يتوقف الأمر عند التساؤل عن مقدرة إدارته السياسية على حماية حلفائها، بل يخرج عن ذلك للتساؤل عن رغبة إدارة ترامب في ردع إيران أصلًا.

اقرأ أيضًا: متى يدرك ترامب أن استقرار الخليج يعني استقرار الداخل الأمريكي؟

وعلى الرغم من توالي التحذيرات من تفاقم ردود الفعل الانتقامية الإيرانية، لم تكن واشنطن على درجة من الوعي تجعلها تخطط بهدوء لانتقام متبادل أو حتى تفادي رد الفعل الإيراني؛ حيث فضلت إدارة ترامب ممارسة أقصى حد من الضغط على إيران. أما على الجانب الآخر، فمن الصعب تجاهل التصريحات التي أطلقها النظام الإيراني في 10 سبتمبر الماضي، والتي نصَّت بالحرف على فشل الولايات المتحدة في ممارسة الضغوط على إيران، وهي التصريحات التي تبعها تنفيذ الهجمات بأربعة أيام لا أكثر، ومن الصعب تصديق أن طهران دبَّرت لهجوم متطور مثل هذا خلال 4 أيام فقط.

ولا يمكن تصديق أن طهران لم تكن تفهم منذ البداية أن أصابع الاتهام ستتوجه أولًا إلى المتمردين الحوثيين في اليمن، على اعتبار أن ميليشيا فقيرة الموارد مثل ميليشيا الحوثي بإمكانها تدبير هذه الهجمة غير المسبوقة على أهم خطوط البنية التحتية للنفط السعودية، وبالتالي هناك رسالة واضحة وراء تلك الهجمات نجحت إيران في توصيلها إلى الجميع؛ وهي: “من الممكن أن يتفاقم الوضع أكثر من ذلك، عليكم فك العقوبات الاقتصادية لإنقاذ أسواق النفط العالمية من الانهيار”.

اقرأ أيضًا: معامل “أرامكو” في بقيق بين حادثتَين

 من جانب آخر، هناك ثقة لا بأس بها لدى الجانب الإيراني تجعله يستبعد دخول دول الخليج في مواجهة مباشرة معه، كما أنه (الجانب الإيراني) يتباهى بقدرته على خداع إدارة ترامب في يونيو الماضي، ولا شك أن قيام إيران بالشروع في تلك الهجمات هو نوع من المقامرة، لكنها على كل حال نجحت في إجبار منطقة الشرق الأوسط على الاستماع إليها، وقد نجح النظام الإيراني في توصيل رسالة محددة مغزاها أن عصر الطائرات الإيرانية من دون الطيار والصواريخ الإيرانية الموجهة أتى، وعليكم أن تحسبوا له ألف حساب.

المصدر: ناشيونال ريفيو

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة