الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

لماذا يكذب الأطفال؟ وهل هو أمر عادي؟

ليس عليك القلق إن كذب أطفالك عليك!

ترجمة كيو بوست – 

بقلم: بيني فان بيرجين وكارول نيوال

يبدأ الأطفال بالكذب فعليًا في مرحلة ما قبل المدرسة – عامين الى أربعة أعوام. وهذه المحاولات المتعمدة في الخداع قد تثير قلق الأهل الذين يخشون من أن يصبح طفلهم منحرفًا اجتماعيًا صغيرًا.

ولكن من المنظور التطوري، نادرًا ما يستدعي كذب الأطفال الصغار القلق. في الحقيقة، غالبًا ما يكون الكذب أحد العلامات الأولى التي تشير إلى أن الطفل قد طوّر “نظرية العقل” لديه، التي يدرك خلالها أن الآخرين لديهم رغبات ومشاعر ومعتقدات مختلفة. فحين يقول طفلٌ بشكل مخادع: والدي قال إنني أستطيع الحصول على البوظة، فهو بذلك يستغل إدراكه لعقول الآخرين من أجل غرس معلومات خاطئة فيها.

اقرأ أيضًا: هل يكذب عليك طفلك؟ هذا أمرٌ جيدٌ

وبينما يكون الكذب غير مرغوب اجتماعيًا، إلا أن القدرة على معرفة ما يفكر ويشعر به الآخرون تعدّ مهارةً اجتماعية، ويتعلق ذلك بالعاطفة والتعاون والحرص على الآخرين حين يشعرون بالسوء.

 

كيف يتغير الكذب مع التقدم في السن؟

غالبًا ما تكون أكاذيب الأطفال الصغار مضحكةً أكثر منها فعّالة. تخيل أن يقول لك طفلٌ إنه لم يتناول أية قطعة كعك بينما ترى فمه مليئًا به، أو أن يدعي طفلٌ أن كلب العائلة هو من رسم على الحائط. قد يعرف الأطفال الصغار كيف يخدعون الآخرين، إلا أنهم لا يمتلكون الحنكة لفعل ذلك بشكل جيد.

يكشف الأطفال ممن يبلغون أقل من 8 أعوام أنفسهم باستمرار عندما يقولون كذبة. وفي إحدى الدراسات، أجريت تجربة على أطفال من عمر ثلاثة إلى سبعة أعوام، إذ طلب منهم أن لا يسترقوا النظر إلى دمية “الديناصور بارني”، التي أخفيت وراءهم، وكانت النتيجة أن جميع الأطفال تقريبًا نظروا وراءهم، وتقريبًا كذبوا جميعًا حول ذلك لاحقًا (بنسبة أكبر مع زيادة العمر).

وبالتعقيب على تلك المجموعة، نجد أنهم واجهوا صعوبة في الحفاظ على الكذبة. ومن المفاجئ أن الكاذبين الصغار ممن يبلغون سن الخامسة برعوا في إبقاء نظراتهم مباشرة، إلا أنهم كشفوا أمرهم عند ذكرهم لاسم لعبة “بارني”، وأظهر الكاذبون ممن يبلغون سن السادسة والسابعة نتائج متباينة، نصفهم من تظاهر بالجهل بما وراءهم، والنصف الآخر ذكر اسم “بارني” بالخطأ.

ومع نمو الأطفال وتطور قدراتهم الإدراكية، يزداد فهمهم لأنواع الكذب التي يمكن أن ينخدع بها الآخرون، بل وتزداد قدرتهم على المحافظة على الكذبة لوقت أطول.

وتلعب التربية الأخلاقية دورًا مهمًا، فقد يكذب الأطفال الصغار لأهداف شخصية بينما قد يشعر الأطفال الأكبر بالتأنيب.

كما أن الأطفال الكبار والمراهقين أكثر قدرة على رسم فروقات ما بين الأنواع المختلفة للكذب، فتعتبر الكذبة البيضاء، بالنسبة لهم، ملائمة أكثر من الكذبات الجارحة أو المعادية للمجتمع.

اقرأ أيضًا: توقف عن مقارنة أطفالك بالآخرين، لا سلبًا ولا إيجابًا!

وحسب الدراسات التي تشير إلى أن تكرار الكذب بين الأطفال والمراهقين أمر نادر الحدوث، فإن المراهقين أكثر توجهًا نحو الكذب على أهاليهم وأساتذتهم بشكل خاص في أمور يعتبروها شخصية.

وأظهرت دراسة أن 82% من المراهقين الأمريكيين كذبوا على أهاليهم حول أمور المال والكحول والمخدرات والأصدقاء والمواعدة والحفلات أو ممارسة الجنس خلال العام الماضي، وكذبوا على الأرجح حول أصدقائهم بنسبة (67%) وتعاطي المخدرات وإدمان الكحول بنسبة (65%)، ومن المفاجئ ربما ان أقل نسبة كذب كانت حول ممارسة الجنس بنسبة (32%).

وعند قراءة سيناريوهات قصيرة حول كذب بطل أو بطلة السيناريو على أهاليهم، نجد أن المراهقين يعتبرون هذا أمرًا مقبولًا إن كان بهدف مساعدة شخصٍ ما أو الإبقاء على سر معين، لا عندما يكون بهدف إلحاق الضرر بشخص ما.

 

هل الكذب مدعاة للقلق؟

رغم انتشاره الواسع، نادرًا ما يستدعي كذب الأطفال القلق، وإنه لضروري الأخذ بعين الاعتبار أن الكبار يكذبون أيضًا أحيانًا لأجل عمل خير كما هو الحال في الكذبات البيضاء التي تحمي مشاعر شخص ما، وأحيانًا الكذب حول وجود مرض. إلا أن التقديرات تختلف، فقد أظهرت دراسة حول انتشار الكذب أن 40% من السكان الأمريكيين كذبوا في الـ24 ساعة الماضية.

وفي بعض الحالات، يكون الكذب المتكرر مدعاة للقلق إن تزامن حدوثه مع تصرفات مفرطة تظهر سوء التكيف مع المجتمع. على سبيل المثال، يحدث الخداع من خلال الكذب غالبًا في حالات الأطفال المصابين بمرض اضطراب التحدي المعارض.

يتسبب الصغار المصابون باضطراب السلوك أو التحدي المعارض بإزعاجات كبيرة في المنزل أو المدرسة من خلال التنمر وإيذاء الآخرين أو تخريب الملكية. وعند تشخيص تلك الحالات، يرتبط حدوث الكذب بسلسلة من الأعراض الأخرى مثل: رفض الانصياع للبالغين أصحاب السلطة عليهم، والخرق المستمر للقواعد، والفشل بتحمل مسؤولية أفعالهم.

سبب آخر يستدعي اهتمام الأهل هو عندما يكون الغرض من الكذب إخفاء مشاكل عقلية وصحية بسبب الخوف أو الخجل. على سبيل المثال،  قد يكذب طفل أو مراهق ممن يعانون من اضطرابات القلق الشديد لتجنب التعرض لمواقف تخيفهم كالتعامل، مثلًا، مع المدرسة أو الحفلات أو الجراثيم.

قد يكذبون أيضًا لتجنب حرج العلم بإصابتهم باضطرابات الصحة العقلية. ففي هذه الحالات، أخذ الاستشارة من طبيبك الخاص أو من مختص بالصحة العقلية كالمعالج النفسي سيساعد على أن تحدد ما إن كان الكذب يدل على وجود مشكلة عقلية من عدمه.

 

الأهل والمعلمون قادرون على إحداث الفرق

بينما يكون الكذب طبيعيًا في مرحلة النمو، يستطيع الأهل والمعلمون أن يشجعوا الأطفال على قول الحقيقة بـ3 طرق:

أولًا: تجنب العقوبات الصارمة والزائدة عن حدها؛ فقد أظهرت دراسة تقارن ما بين مدارس غرب إفريقيا التي تستخدم أسلوب القصاص التأديبي (كالضرب بالعصا أو الصفع أو القرص)، والمدارس التي تلجأ للتوبيخ (كإعطائه الوقت للتفكير بخطئه أو تأنيبه) أن الطلاب الذين تعرضوا لعقوبات قصاصية أو تأديبية أكثر عرضة لاحتراف الكذب.

وسجل أطفال العائلات المحافظة جدًا والصارمة بشأن اتباع القواعد والحوارات ذاتها غير المفتوحة كذبات بشكل متكرر أكثر من غيرهم.

ثانيًا: محاورة الأطفال حول الأمور العاطفية والأخلاقية؛ إذ تدعم سياسة “التدريب على التحكم بالعاطفة” فَهم الأطفال للوقت الذي يكون فيه الكذب مؤذيًا، وكيف يؤثرون على الآخرين، وكيف سيشعرون بالتأنيب عندما يكذبون. ويشعر الأطفال بالفخر بازدياد حين يقولون الحقيقة، والأهل يستطيعون أن يؤكدوا هذه السمات الإيجابية لقول الحقيقة.

ثالثًا: التأكد من أن الكذبة فعلًا كذبة، فالأطفال الصغار جدًا أكثر عرضة لمزج الخيال بالواقع، بينما الأطفال الأكبر سنًا والمراهقون غالبًا ما يتذكرون الأشياء بشكل مختلف عن بعضهم البعض. إن نقل طفل حادثة اعتداء جسدي أو جنسي يجب أن يجري التحقق من ذلك دائمًا. وبالتمييز ما بين كون الادعاء صحيحًا أم لا، على الأهل والمعلمين أن يستنبطوا الإجابة بفعالية من حديث أبنائهم.

 

كذب الأطفال في مرحلة النمو أمر طبيعي

الكذب في مرحلة النمو أمر طبيعي، بل هو إشارة مهمة إلى أن باقي المهارات الإدراكية في طور النمو.

وفي حالة استمرار الكذب بالشكل الذي يعيق قدرة الطفل على التفاعل في حياته اليومية، يستحق الأمر حينها الاستعانة بخبير الصحة العقلية أو طبيبك الخاص.

إلا أنه في حالات أخرى، عليك أن تتذكر أن الكذب هو فقط وسيلة ليتعلم الأطفال التعامل مع العالم الاجتماعي، وأن المحادثات المفتوحة والدافئة عن قول الحقيقة يجب أن تساعد في النهاية على تقليل نسبة الكذب لدى الأطفال في طور نموهم.

 

بيني فان بيرجين: محاضر أول في علم النفس التربوي، جامعة ماكوراي.

كارول نيوال: محاضرة أولى في مساق الطفولة المبكرة، جامعة ماكوراي.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة