الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

لماذا يصعب العمل مع عبقري مبدع؟

كيوبوست- ترجمات

ديفيد روبسون♦

يمكن أن يكون وجود العباقرة المبدعين في مكان العمل نعمة ونقمة في الوقت نفسه؛ فالحصول على أفضل ما لدى هذه العقول غير العادية يمكن أن يكون أمراً صعباً.

هل ستوظف دون درابر إذا كنت تدير وكالة إعلانات تجارية؟

في الحلقات الأولى من مسلسل “ماد مِن” (Mad Men) الذي يدور حول الشركات الأمريكية، كثيراً ما نرى شخصاً مبدعاً مستقلاً ينقذ الموقف بومضاتٍ إبداعية مذهلة لحملات إعلانية متميزة. ولا عجب في أن تسعى الشركات الأخرى لتوظيفه؛ طمعاً في الاستفادة من العبقرية التي وضعها في خدمة شركته “ستيرلينغ كوبر”.

ومع تقدُّم القصة يصبح من الواضح أن درابر غالباً ما يشكِّل عبئاً على زملائه، وأن إدمانه على الكحول وحياته العاطفية الفوضوية ليسا هما فقط سبب انزعاجهم منه؛ فقد كان درابر في معظم الأحيان يهيمن على الاجتماعات، ولا يترك فرصة للآخرين كي يظهروا إمكاناتهم، حتى مساعدته بيغي أولسِن، تركت الشركة كي تهرب من ظله.

اقرأ أيضاً: ما مخاطر التفكير المُعلَّب على البشر؟

بالطبع “ماد مِن” هو مسلسل من نسج الخيال؛ ولكن عندما قام علماء النفس بدراسة ديناميكيات إبداع الفريق، أكدوا أن وجود العباقرة المبدعين على أرض الواقع يمكن أن يكون نعمة أو نقمة في مكان العمل. وغالباً ما يتطلب الأمر إدارة ذكية -سواء من النجوم أم من الأشخاص العاديين من حولهم- لتحقيق الاستفادة القصوى من عقولهم الاستثنائية.

دون درابر في مسلسل “ماد مِن”- “بي بي سي”

النجوم المتساقطة

يعتمد البحث الأخير على النتائج غير البديهية من مختلف التخصصات التي تظهر أن فرق العمل غالباً ما تفشل في الاستفادة من المواهب الفردية.

قام الباحثون بتحليل تركيبة فرق كرة القدم، وكرة السلة، على سبيل المثال؛ لمعرفة كيف يؤدي إدخال لاعبين من أصحاب التصنيفات العالية إلى تحسين أداء الفريق بشكل عام. وعند تحليل كأس العالم، على سبيل المثال، درس الباحثون عدد لاعبي كل دولة من الذين جاءوا من أكثر النوادي شهرة؛ مثل مانشستر يونايتد وبرشلونة.

والمثير للدهشة، أنهم وجدوا أن الاستفادة من تلك المواهب الفردية الاستثنائية غالباً ما كانت مخيبة للآمال. وربما أدى غرور هؤلاء اللاعبين المشهورين إلى فشل الفرق التي ضمت أكبر عدد منهم. (ربما يفسر غياب التعاون بين النجوم الأداء السيئ لفريق إنجلترا في بطولة أوروبا 2016).

فشل فريق إنجلترا في إبهار مشجعيه في بطولة أوروبا 2016 على الرغم من احتوائه على عدد كبير من النجوم- “بي بي سي”

يمكن أن نجد الفشل أيضاً في ديناميكيات الفرق في البيئة التنافسية لمحللي الأسهم في “وول ستريت”، حيث غالباً ما يقوم محررو الصحافة الاقتصادية بتمييز الأفراد ذوي الأداء العالي، والإشارة إليهم.

وكما هو متوقع، تقوم الشركات الكبيرة بالبحث عن هؤلاء، وينتهي بهم المطاف بالعمل فيها؛ ولكن دراسة أُجريت في عام 2011 خلصت إلى أن توظيف عدد كبير من هؤلاء الموهوبين في فريقٍ واحد نادراً ما يحقق الفوائد المتوقعة. وفي العديد من الحالات، يبدو أن الفريق كان سيقوم بعملٍ أفضل لو أن المسؤول عنه قد قام بتوظيف عددٍ أكبر من المواهب المتواضعة.

من الواضح أن الفريق يمكن أن يكون أكثر بكثير أو أقل بكثير من مجموع أفراده، وأن الأفراد العباقرة على وجه الخصوص يجدون صعوبة في التواصل مع زملائهم في العمل.

اقرأ أيضاً: الإبداع في أوقات العزلة

الانهيار الإبداعي

لم تبحث أيٌّ من الدراسات السابقة في “الإبداع” على وجه التحديد، وهذا ما دفع نيغ لي، من جامعة آيوا في الولايات المتحدة، إلى التساؤل عن مدى تأثير الأعضاء المبدعين على عمل ديناميكيات الفريق ككل.

بالتعاون مع زملائه في الصين، أجرى لي مسحاً لفرق البحث والتطوير في 23 شركة تعمل في مجالاتٍ متنوعة؛ منها التصنيع والنقل والطاقة الكهرمائية، والصناعات الفضائية. وفي كل حالة طلب لي وزملاؤه من قائد الفريق أن يقيِّم درجة الإبداع عند كل فرد من فريقه، وأن يصف علاقة كل فرد مع بقية أعضاء الفريق؛ بما في ذلك مدى اعتمادهم بعضهم على بعض في الحصول على مدخلات لعملهم. كما سألوهم عن قدرات أعضاء الفرق على التعلم أثناء أداء العمل، وما إذا تمكنوا من تعلم مهارات جديدة. وأخيراً طلب لي من مديري الشركات تقييم إبداع الفريق بشكل عام كوحدة متكاملة.

وكما توقع لي، فقد واجهتِ الفرق، التي تتمحور حول أفراد مبدعين بشكلٍ خاص، بعض التحديات الفريدة. ففي حين أسهمت الأفكار الرائعة للنجوم المبدعين في تحسين إنتاجية الفريق، فقد كان ذلك على حساب زملائهم الآخرين الذين كانوا يعانون للحصول على فرص للتعلم، وتطوير مواهبهم. يقول لي: “أصبح الآخرون أقل إبداعاً، وهذا يقلل من الفوائد التي يقدمها النجم المبدع”.

اقرأ أيضاً: ما القواسم المشتركة بين الإبداع والاعتلالات النفسية؟

قد يكون الخوف أحد الأسباب. يقول لي: “لا تريد أن تطرح أفكارك أمام زميل عبقري لامع؛ لأنك لا تريد أن تبدو أحمق أو أن تقول شيئاً غبياً”. وربما يكون السبب أيضاً هو الاتكال على النجم؛ فأنت تعلم أنه سوف يأتي بشيء رائع، لذلك لا داعي لأن تبذل جهدك في سبيل ذلك.

وللتأكد من هذه التأثيرات، بحث لي أيضاً في بيانات 113 فريق مبيعات ممن تتطلب أعمالهم أنواعاً من الإبداع تختلف عن تلك المطلوبة في فرق البحث والتطوير. “إنهم بحاجة إلى ابتكار طرقٍ مختلفة لجذب العملاء”، كما يقول لي الذي نُشرت نتائج أبحاثه عام 2020.

لتحديد النجوم المبدعين في هذا السياق، طُلب من قادة الفرق أن يرشحوا ما يصل إلى 20% من موظفيهم ممن “يظهرون تفوقاً إبداعياً بالمقارنة مع الآخرين، ويتمتعون بسمعة إبداعية”، مع المزيد من الاستبيانات التي تستكشف ديناميكيات الفريق. وأيضاً وجد لي الأنماط نفسها بالضبط؛ حيث حدّ وجود النجوم من تطور أداء الزملاء المحيطين بهم.

اقرأ أيضاً: الجانب المظلم للإبداع.. قلق واكتئاب ثم انتحار!

يؤكد لي أن التأثيرات تعتمد على موقع النجم في الفريق؛ فإذا كانت مساهمات النجم مركزية في كل النقاشات، فإن تأثيراته السلبية ستكون أكثر وضوحاً، بينما كان النجوم الذين يتمتعون باستقلالية أكبر يميلون إلى أن يكونوا أقل إشكالية؛ حيث تكون هنالك فرص أقل للشعور بالخوف أو الإحباط بين زملائهم.

قد يسبب النجوم المبدعون مشكلاتٍ فريدة للشركات الناشئة؛ قامت أمريتا لاهيري، من جامعة واشنطن، مؤخراً، بتحليل بيانات من شركاتٍ جديدة تعمل في إنتاج الأجهزة الجراحية الدقيقة؛ وهي صناعة تنافسية بشكلٍ خاص وتتطلب إبداعاً مستمراً. وقد صنفت المخترعين في الصناعة، وفقاً لعدد براءات الاختراع التي سجلها كل منهم، واعتبرت أفضل 5% منهم نجوماً.

وكما هو متوقع، استفادت الشركات الناشئة من توظيف أصحاب الأداء العالي عندما لا يكون مؤسس الشركة عضواً في الفريق نفسه؛ حيث أدى وجود المؤسس في الفريق إلى تراجع إبداعيته بشكلٍ كبير. ومع أن البيانات لم توفر تفاصيل محددة حول ديناميكيات الفرق؛ فقد وجدت لاهيري أن هذا يحدث غالباً في الفرق التي تفتقر إلى التسلسل الهرمي الرسمي، الأمر الذي يؤدي إلى صدام بين عضوَين رفيعَي المستوى في الفريق حول القرارات الأكثر أهمية. (ربما لن تحدث مثل هذه الصدامات، إذا أوضح المؤسس منذ البداية كيفية اتخاذ القرارات المهمة، وحدَّد لمَن ستكون الكلمة النهائية فيها).

الأمان النفسي

في حين أن هذه النتائج قد خلقت معضلة كبيرة للمديرين؛ فقد قدَّم الباحثون بعض الاقتراحات التي ربما تساعد الفرق في الاستفادة القصوى من نجومها المبدعين، مع مساعدة أعضاء الفرق الآخرين على النجاح والازدهار.

ففي البداية، يجب على المديرين أن يعملوا على الجو العام للفريق، بحيث يشعر كل عضو فيه بالأمان النفسي؛ الشعور بإمكانية التعبير عن الأفكار والآراء بحرية ودون التعرض إلى الاستنكار أو التوبيخ. يقول لي: “بهذه الطريقة لا يخيف النجم أعضاء الفريق السلبيين”.

الأمان النفسي عامل أساسي في نجاح فرق العمل الإبداعي- صورة تعبيرية

وقد يكون من المفيد أيضاً إدارة ترتيب مساهمات الأعضاء في اجتماعات الفريق. يقول لي: “إذا كان لديك موظف جيد حقاً، ولديه الكثير من الأفكار، اطلب منه أن يتكلم أخيراً”؛ وهذا سوف يمنع النجم من الهيمنة على النقاش، قبل أن تتاح الفرصة للآخرين لتقديم مساهماتهم.

في غضون ذلك، ترى لاهيري أنه من المهم استباق النزاعات الداخلية التي لاحظت وجودها في دراستها للشركات الناشئة العاملة في إنتاج التجهيزات الطبية. ولذلك فهي تدعو إلى وضع قواعد أساسية ثابتة، وتقول: “إن وضع توقعات واضحة حول كيفية صنع القرارات، وكيفية حل الخلافات، هو أمر ضروري لتقليل الاضطرابات”. 

قد تغيِّر هذه النتائج أيضاً من مقاربتنا لموضوع التوظيف؛ ففي حين أنه من الضروري النظر في السجل الوظيفي للمرشحين، فإنه من المهم أيضاً التفكير في الطرق التي تمكن الموظف الجديد من الاندماج مع زملائه.

وبما أن ديناميكية الفرق الناتجة ستكون على القدر نفسه من الأهمية التي تحظى بها المواهب الفردية لأعضاء هذه الفرق، فإن كثيراً من فرق العمل يمكنها أن تنجح وتزدهر من غير أن يكون فيها “دون دروبر”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦مؤلف كتاب «فخ الذكاء: لماذا يرتكب الأذكياء أخطاءً غبيةً؟»، الذي يبحث في أفضل الطرق لتحسين تفكيرنا، وصنع القرار الصحيح، والتعلم في مكان العمل، وفي الحياة العامة.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات