الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

لماذا يصعب أن نكون عقلانيين؟

التحدي الحقيقي هو ليس في أن تكون على صواب.. بل في أن تعرف كم يمكن أن تكون مخطئاً

كيوبوست- ترجمات

جوشوا روثمان♦

في مقالة له نشرتها صحيفة “ذا نيويوركر”، يروي جوشوا روثمان قصته مع العقلانية، وكيف غيَّرت حياته؛ جاء فيه:

 التقيت أكثر شخص عقلاني عرفته في حياتي أثناء دراستي الجامعية. كان غريغ يعم، في قسم الدعم الفني في نفس مصنع الكمبيوتر الذي كنت أعمل فيه، وأصبحنا صديقَين. كنت أنوي التخصص في الكتابة الإبداعية بينما كان غريغ يخطط للاختيار بين الفيزياء والاقتصاد. قال لي إنه سيختار الفيزياء إذا كان ذكياً بما فيه الكفاية، والاقتصاد إذا لم يكن كذلك، وإنه سيعرف خلال بضعة أشهر بناء على درجاته. وفي النهاية تخصص غريغ في الاقتصاد.

اقرأ أيضاً: العلماء الفائزون بـ”نوبل” ما بين العقلانية والغرائبية وتحفيز المجتمع

كنا نسكن معاً، وكانت لنا اختلافات في وجهات النظر. أثناء دراستي أخذت فصلاً عن السياسة الصحية وأُصبت بالذهول من فكرة أن إدارة المشفى يجب أن تأخذ التكاليف بعين الاعتبار عند تقديم الرعاية الطبية للمريض. رأيت أن الأطباء هم مَن يجب أن يقرروا ما هو الأفضل بالنسبة إلى مرضاهم، فكرت في الأمر ملياً، وطورت العديد من الحجج التي تثبت وجهة نظري. كنت أشعر أنني على صواب من الناحية العملية والأخلاقية.  هز غريغ رأسه وأشار إلى أن والدي كان طبيباً، وقال إنني منخرط في “التفكير المدفوع”. كان حدسي يخبرني بما يجب أن أفكر فيه، وعقلي يحب الطريقة التي أفكر بها. كان ذلك يبدو كأنه تفكير ولكنه لم يكن تفكيراً.

في العام التالي اشترينا جهازَي ستيريو، كانت الخيارات واسعة ومعقدة. غريغ أجرى دراسة شاملة ثم قرر أن يجمع جهازه بنفسه، وأنا اشتريت جهازاً رأيت أنه رائع ويحتوي على كل المواصفات التي أريد. لم تعجبني طريقة تفكير غريغ؛ ولكنني اكتشفت لاحقاً أن جهازه كان أفضل بكثير.

اقبل التحديات لتطور تفكيرك العقلاني- “ويكيهاو”

في سنتي الأخيرة، وعلى الرغم من تحذيرات زملائي من أن فرص العمل لأساتذة اللغة الإنجليزية كانت ضئيلة، قررت إكمال دراستي والحصول على الدكتوراه، واستمر غريغ في دراسة التمويل. بقينا صديقَين، وكثيراً ما كنا نناقش أوضاع العالم وموضوع كيف تتأكد من أنك تأخذ أفضل القرارات. أرشدني غريغ إلى أعماق عالم العقلانية وقرأت الكثير من الكتب والأبحاث حول التحيزات المعرفية التي تؤثر على تفكيرنا، وتعلمت صيغة بسيطة لتقييم قراراتي الأكثر أهمية. ولأني شخص عاطفي ومندفع بطبيعتي، وجدت صعوبة في أن أفكر بعقلانية، حتى غريغ يعترف بصعوبة الأمر؛ فقد كان عليه أن يفحص عمليات تفكيره باستمرار، بحثاً عن الأخطاء.

كثيراً ما سألت نفسي كيف كان غريغ سيفكر في هذا الأمر، وتبنيت طريقته في تتبع ما أعرفه ومدى دقة معرفتي كي أتمكن من فصل آرائي الراسخة عن آرائي الآنية المؤقتة. بمرور الوقت تخليت عن دراستي العليا لأعمل في الصحافة، وغريغ أصبح مديراً في صندوق استثماري، واليوم أصبحت ثروته ألف ضعف ثروتي.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. خطورة نظريات المؤامرة في ظل انتشار “كورونا”

وجاء في المقالة: اليوم يرفض نصف الأمريكيين تلقي لقاح “كوفيد-19″، ويؤمن الكثير منهم بنظريات المؤامرة.  وذلك ليس لأننا لا نفكر، فنحن نقرأ باستمرار، ونفكر، ونتناقش؛ لكن يبدو أننا نفعل ذلك بسرعة بينما نتصفح هواتفنا الذكية. في الأوقات الصعبة يمكن للعقلانية أن تكون نوعاً من تطهير الآراء أو طريقة لغسل الآراء الخاطئة. وفي عالم يتغير بسرعة نحن بحاجة إلى استراتيجيات لفهمه. ونأمل في أن يكون الأشخاص العقلانيون أكثر حرصاً وصدقاً وإخلاصاً وإنصافاً وصواباً من غير العقلانيين.

ومع ذلك فللعقلانية جوانبها الصعبة، التي تجعل تبنيها أمراً صعباً أحياناً. فربما تكون عقلانياً إلى درجة تصبح فيها معزولاً عن دفء الحياة، وقد تكون حسن النية وعقلانياً ومخطئاً، لأن تفكيرنا يمكن أن يخطئ. وربما تكون عقلانياً ومخادعاً لنفسك، لأن مجرد قناعتك بأنك عقلاني يمكن أن يصبح مصدراً للتحيز. ويمكن أن تكون أكثر عقلانية بشأن بعض الأشياء (عملك مثلاً) وأقل عقلانية بشأن بعضها الآخر (أطفالك مثلاً). ويمكن لعقلانيتك أيضاً أن تفسح المجال للغضب عندما يتم تحدي أفكارك.

لتكون مفكراً عقلانياً واجه تحيزاتك المعرفية- “ويكيهاو”

ويمكن للمجتمعات أيضاً، وليس الأفراد فقط، أن تقع فريسة العقلانية الزائفة أو المنقوصة. ويرى المفكر الاجتماعي مارتن غوري، أن المؤسسات العقلانية المزعومة أصبحت مشكلة كبيرة في عصرنا، إذ اكتشف الناس في مختلف أنحاء العالم أن الشخصيات المرموقة في الجامعات وغرف تحرير وسائل الإعلام والهيئات التشريعية كانت تبدو عقلانية أكثر مما هي عليه في الواقع، ولذلك تحول كثيرون إلى العدمية الشعبوية التي ترى أن جميع أشكال العقلانية مشبوهة. إن منكري لقاح “كوفيد-19” ونشطاء المناخ هم أنواع مختلفة من الناس؛ لكنهم يتفقون في إحباطهم من الأنظمة التي وضعها الخبراء بالنيابة عنا. ولذلك فإن السبب الرئيسي وراء اللا عقلانية المجتمعية هو فشل العقلانيين؛ فالناس سوف يؤمنون بالنظام إذا كان منطقياً بالفعل. ومع ذلك فإن الحياة الحديثة مستحيلة دون تلك الأنظمة العقلانية، ويجب علينا العمل على تحسينها وليس رفضها.

اقرأ أيضاً: صراع القلب والعقل: هل نتبع العاطفة أم العقلانية عند اتخاذ القرارات؟

وجاء في المقال أن تعريف العقلانية ليس محدداً بشكل دقيق ونهائي؛ فقد عرفها علماء النفس، كيث ستانوفيتش وريتشارد ويست وماغي توبلاك، على أنها: “مصطلح معذَّب ومعذِّب”. ويرجع ذلك إلى أن الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والاقتصاديين قد عرفوها بتعريفات مختلفة؛ فأرسطو قال إنها ما يميز البشر عن الحيوانات. أما بالنسبة إلى مؤلفي كتاب “حاصل العقلانية” فهي كلية عقلية موازية للذكاء ولكنها متميزة عنه، وهي تتضمن قدرة الفرد على التوفيق بين العديد من السيناريوهات في رأسه في الوقت نفسه من دون السماح لأي منها باحتكار انتباهه أو دفعه للتحيز ضد البقية.

جوليا غاليف، مؤلفة كتاب “عقلية الكشافة: لماذا يرى البعض الأشياء بوضوح بينما لا يقدر الآخرون؟”، نادراً ما تستخدم مصطلح العقلانية في كتابها، بل تتحدث عن عقلية الكشافة التي تساعدك على معرفة متى تكون مخطئاً، وعلى البحث عن النقاط العمياء في تفكيرك واختبار افتراضاتك وتغيير مسارك. (على العكس من عقلية الجندي التي تدفعك إلى الدفاع عن آرائك بأي ثمن)، وترى غاليف أن العقلانية هي الوسيلة للوصول إلى آراء أكثر دقة. بينما يرى عالم النفس المعرفي والتطوري أنها القدرة على استخدام المعرفة لتحقيق الأهداف.

طور مقاربتك ومنهجك الخاصَّين لتحسن تفكيرك العقلاني- “ويكيهاو”

التعمق وسبر الأغوار هو المفتاح للعقلانية. وعلى الشخص العقلاني أن يمارس ما يسميه الخبير في علم الأعصاب ستيفن فليمينغ، “ما وراء المعرفة” أو القدرة على التفكير في تفكيرنا.  أو بعبارة أخرى أن تراقب أجزاء من دماغنا أجزاء أخرى. وفي حياتنا اليومية غالباً ما تكون العقبة الكبرى أمام ممارسة “ما وراء المعرفة” هي ما يسميه علماء النفس “وهم الطلاقة”. فعندما نؤدي مهام مألوفة تماماً (مثل قيادة السيارة أو طي الملابس)، فإننا نميل إلى مراقبة أدائنا بشكل أقل صرامة، وهذا يحدث أيضاً عندما نفكر في الأفكار التي سبق أن فكرنا بها مرات عديدة من قبل. ويقول فيلمينغ “علينا أن نكسر وهم الطلاقة ونشجع إدراك الجهل”.

ويعتبر فيلمينع القدرة على الوصول إلى “ما وراء المعرفة” مهارة يمتلكها البعض أكثر من غيرهم. وتعتقد غاليف أننا من خلال معايرة إدراكنا يمكننا أن نحسن أداءنا وأن نصبح أكثر عقلانية. وهنالك العديد من طرق المعايرة؛ ومنها طريقة “الرهان المكافئ” التي تنسبها غاليف إلى خبير صناعة القرار دوغلاس هوبارد. وتشرح المقالة الطريقة كما يلي:

تخيل أنه عُرض عليك طريقتان لتكسب عشرة آلاف دولار؛ الأولى في أن تراهن على صحة عبارة ما (مثل: إن السيارات ذاتية القيادة ستكون موجودة على الطرقات في غضون عام)، أو أن تتقدم معصوب العينين إلى صندوق مليء بالكرات على أمل أن تختار كرة تحتوي الجائزة. فلو افترضنا أن الصندوق يحتوي على أربع كرات فهل تفضل الرهان على صحة العبارة أم ستتوجه إلى الصندوق؟ وإذا كان الصندوق يحتوي على 24 كرة، فهل سيتغير اختيارك؟ ومن خلال تخيلك لصناديق تحتوي على أعداد مختلفة من الكرات يمكنك التأكد من مدى إيمانك حقاً بآرائك.

اقرأ أيضاً: ما مخاطر التفكير المُعلَّب على البشر؟

إن إدراك ما تعرفه هو العقلانية 101؛ الدورات الدراسية المتقدمة ترتبط بتغيير معرفتك. فمعظمنا يبقى على اطلاع مباشر من خلال تلقي معلومات جديدة، ويفعل العقلانيون الشيء نفسه، ولكن بوعي ذاتي، مع مراعاة إعادة رسم خرائطهم الذهنية؛ فالمعلومات الجديدة ليست كلها على القدر نفسه من الأهمية، وقد اعتمد العقلانيون في السنوات الأخيرة على نظرية عالم الرياضيات توماس بايز، من القرن الثامن عشر، التي أصبحت تعرف بالاستدلال البايزي؛ وهي أسلوب تفكير محدد له مصطلحاته المميزة. والفكرة الأساسية فيه هي أنه عندما تصلك معلومات جديدة فأنت لا تريدها أن تحل محل المعلومات القديمة بشكل تلقائي؛ بل تريد أن تعدل ما تعرفه بالدرجة المناسبة، وتعتمد درجة التعديل على مدى ثقتك بمعرفتك الحالية وقيمة البيانات الجديدة. ويبدأ أصحاب نظرية الاستدلال البايزي بما يسمونه الاحتمال “المسبق” لصحة شيء ما، وبعد ذلك ينظرون في الحاجة إلى تعديله.

اجعل التفكير العقلاني عادة من عاداتك- “ويكيهاو”

الاستدلال البايزي هو منهج إحصائي؛ ولكن يمكنك استخدامه لتفسير كل أنواع المعلومات الجديدة. في الساعات الأولى من يوم 26 سبتمبر 1983، اكتشفت منظومة الإنذار المبكر السوفييتية إطلاق صواريخ بالستية عابرة للقارات من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لكنَّ الضابط المناوب ستانيسلاف بيتروف، ذا الأربعة والأربعين عاماً، لم يبلغ رؤساءه الذين ربما كانوا سيشنون هجوماً نووياً مضاداً؛ بل إن الضابط الذي من المرجح أنه لم يسمع بتوماس بايز، استخدم الاستدلال البايزي تلك الليلة، فهو لم يسمح لتلك المعلومات الجديدة بتحديد رد فعله وحدها، بل استنتج أن احتمال وقوع هجوم كان منخفضاً ويمكن مقارنته باحتمال وقوع خلل في التجهيزات. وفي الوقت نفسه لاحظ أن التنبيه غير مقنع في بعض النواحي؛ حيث تمت ملاحظة خمسة صواريخ فقط، بينما يفترض أن تكون الضربة الأولى شاملة، لذلك قرر عدم الإبلاغ عن الإنذار، وأنقذ العالم.

اقرأ أيضاً: عبارات فلسفية رائجة- 4 “لكي يوجد الشيء لا بد من إدراكه”.. جورج باركلي

وبعبارة أخرى، فإن القوة الحقيقية للاستدلال البايزي ليست إجرائية؛ فهو يستعيض عن الحقائق في أذهاننا بالاحتمالات. ففي حين يكون الآخرون مقتنعين تماماً بأن الأغذية المعدلة وراثياً سيئة مثلاً أو أن فلاناً من الناس جدير بالثقة، أو أن العدو هو أوراسيا، يقوم مستخدم الاستدلال البايزي بتخصيص احتمالات لهذه الفرضيات. فهو لا يبني وجهة نظر ثابتة تجاه العالم؛ بل بدلاً من ذلك ومن خلال تحديث بياناته بشكل مستمر يقترب بشكل أكبر من توصيف أكثر فائدة للواقع.

وبتطبيقها على مسائل محددة -هل يجب أن أستثمر في شركة “تسلا”؟ أو ما مدى خطورة متحور دلتا؟- فإن التقنيات التي يطرحها دعاة العقلانية أثبتت أنها واضحة وقوية. ولكن الحركة الواقعية هي حركة اجتماعية أيضاً، ويشكل العقلانيون اليوم ما يُعرف أحياناً بـ”مجتمع العقلانية”، وهم يأملون في توسع هذا المجتمع؛ وهو مجتمع له لغته الخاصة. فإذا أراد أحد العقلانيين أن يثني عليك فهو يقول لك إنك جعلته “يعيد النظر في أساسياته”، أي إنك جعلته يغير بعض افتراضاته السابقة الراسخة. وقد يقول لك العقلاني إنه تبنى وجهة نظرك “على الهامش”، وهي طريقة للقول إن فكرتك ستؤخذ بعين الاعتبار عندما تظهر معلومات جديدة.

عبّر عن آرائك بطريقة عقلانية- “ويكيهاو”

يرتدي الناس في سيليكون فالي قمصاناً كُتب عليها عبارة “راجع أساسياتك”؛ لكن التظاهر بأنك عقلاني لا يجعلك كذلك. يمكن للمرء أن يحوم حول أسس معرفية لا يعرفها إلا معرفة سطحية، أو أن يقول إنه يراجع أساسياته، بينما هو في الواقع يمتلك أفكاراً عادية مستقرة. يمكن للعقلاني أن يعطي الآخرين ونفسه الانطباع بأنه قد قرأ واستوعب تخصصاً أكاديمياً كاملاً وكأنه حصل على درجة الدكتوراه في أسبوع؛ ولكنه لن يكون قادراً على أن يَعرِف أياً مِن الباحثين هو موضع ثقة بين زملائه وأياً منهم يتجاهله زملاؤه. هنالك فرق كبير بين القراءة عن الجراحة وكونك جراحاً فعلياً. وأساسيات الجراح هي ما يهمنا بالفعل.

وأشارت المقالة إلى مقابلة حديثة قال فيها المدون كوين -الذي تعتبر مدونته “الثورة الهامشية” وجهة يومية للعقلانيين المتعطشين إلى المعلومات- لعزرا كلين: إن الحركة العقلانية قد “تبنت طريقة ثقافية محددة للغاية للنظر إلى العالم”؛ إنها بطريقة أو بأخرى ثقافة الفوز في النقاشات على منتديات الإنترنت. ويرى كوين أنه لفهم الواقع لا بد من عدم الاكتفاء بالقراءة عنه، بل يجب رؤيته أيضاً، وقال إنه قد عزز أساسياته من خلال زيارة نحو مئة دولة.

اقرأ أيضاً: أيا تكن وسائل الإقناع.. الطبيعة الشخصية تبقى عاملاً مهماً

من الطبيعي أننا نرجو ممن هم في السلطة أن يكونوا عقلانيين؛ ولكن الشعور بأن العقلانيين لا يتمتعون بطريقة أو بأخرى بالتجربة المباشرة يمكن أن يجعل من فكرة وجود عقلانيين في السلطة أمراً مثيراً للقلق. فربما يكون القائد الغارق في مصفوفات البيانات أكثر اهتماماً برعاية خريطته لواقع أكثر من اهتمامه بالأشخاص الموجودين في هذا الواقع. في أحد الرسوم الكاريكاتيرية للثنائي الكوميدي البريطاني ميتشيل وويب، يظهر وزير أوكلت إليه مهمة محاربة الركود الاقتصادي وهو يسأل محلليه إذا ما كانوا قد فكروا في “قتل كل الفقراء”، ويقول لهم “أنا لا أقترح فعل ذلك، ولكن أقول لِمَ لا نجرب الأمر على الكمبيوتر لنعرف النتيجة؟”. وبعد أن قالوا له إن ذلك لن يفيد، اقترح بديلاً أكثر حماقة، فقال “لنرفع ضريبة القيمة المضافة ثم نقتل كل الفقراء”.

وعندما كان قانون الرعاية الطبية الميسرة يشق طريقه عبر الكونغرس، خشي المحافظون من ظهور مقترحات مماثلة حول “لجان الموت”؛ حيث تقترح لجان من الخبراء العقلانيين قتل المسنين لخفض تكاليف الرعاية الصحية، وقد تعززت هذه المخاوف بسبب حقيقة أننا ننفق أموالاً طائلة على الرعاية الصحية خلال السنوات الأخيرة من حياة الأفراد. إن الأمر متروك للعقلانيين للقيام بالعمل غير المريح المتمثل في الإشارة إلى الحقائق غير المريحة، وهم في بعض الأحيان يبدون مرتاحين للغاية عند القيام بذلك.

ادخل في نقاشات لتحسِّن تفكيرك العقلاني- “ويكيهاو”

تختلف الديناميكيات في حياتنا الشخصية، حيث لا يملك أصدقاؤنا سلطة علينا، وأكثر ما يمكنهم فعله هو دفعنا نحو الطريق الأفضل. إليزابيت بينيت، بطلة رواية “كبرياء وتحامل”، هي فتاة ذكية واسعة الخيال والتفكير؛ ولكن صديقتها المقربة شارلوت لوكاس، هي الشخصية العقلانية التي تستخدم الاستدلال البايزي. وعندما أظهر صديقهما السيد دارسي، سلوكاً متعجرفاً وغير مبالٍ في إحدى الحفلات، تقوم شارلوت بإسداء النصح لصديقتها إليزابيت بأن تنظر إلى الصورة الكبيرة؛ فالسيد دارسي هو “شاب رائع، ومن عائلة غنية وكل شيء في صالحه”، وتقول له إن هذا ما يجب أن تبحث عنه الفتاة في الحفلات. وعندما تزوجت شارلوت من السيد كولينز، وهو رجل دين مقيت، تفاجأت إليزابيت من اختيارها، ولكن شارلوت قالت لها إن نجاح الزواج يعتمد على عدد من العوامل؛ بما فيها العوامل المالية، وقالت إن فرصتها في السعادة “تعادل فرص معظم الذين يتباهون بدخولهم قفص الزوجية”.

وفي الواقع، كما هي الحال مع شارلوت، يمكن للعقلاني اللطيف أن يتميز باللباقة التي تشير إلى صفات أعمق. تشير غاليف إلى حوار مهذب جرى على الإنترنت عبر موقع “ChangeAView”، عندما قيل لأحد المدونين إن إحدى مشاركاته كانت متحيزة جنسياً؛ ففي البداية دافع عن نفسه بقوة، ولكنه في منشور لاحق بعنوان “لماذا من المحتمل أن أكون مخطئاً؟” لخَّص بدقة أفضل الانتقادات والحجج التي قدمت ضده، واعترف في نهاية المطاف أنه اقتنع بأن أسلوبه كان خاطئاً، واعتذر ليس فقط ممن أساء إليهم؛ بل ممن وقفوا إلى جانبه لأسباب أصبح الآن يعتقد أنها خاطئة.

اقرأ أيضاً: صراع القلب والعقل: هل نتبع العاطفة أم العقلانية عند اتخاذ القرارات؟

في كتب مثل “العقلانية” و”عقلية الكشافة” وغيرهما، غالباً ما يتم تصوير اللا عقلانية على أنها شكل من أشكال السلوك السيئ الذي يمكن إصلاحه من خلال التعليم أو التواصل والتنشئة الاجتماعية. هذا أمر صحيح بالتأكيد في بعض الحالات؛ ولكن ليس دائماً. ذات ربيع عندما كنت في المرحلة الثانوية دخل عصفور ملون عبر نافذة غرفة الجلوس في منزلنا، ويومها اعتقدت والدتي -التي كانت واسعة الإدراك ومرحة وذكية؛ ولكنها لم تكن عقلانية بشكل خاص- أن ذلك الطائر كان نذير شؤم. وظلت لأيام تجلس على أريكتها تنتظره بيقظة وتوتر. وكثيراً ما كانت أحداث مشابهة -كقطعة نقود ممزقة على الأرض أو إطار مثقوب على الجانب الأيسر من السيارة- تلقي بظلالها على مزاجها لعدة أيام، وأحياناً لأسابيع. وكانت بوصفها أماً وعاملة وناخبة وصديقة، مدفوعة بالعواطف، كما كانت تتمتع بشخصية عاصفة وشاعرية وغير مستقرة. لذلك أنا لا أعتقد أن كتاباً عن العقلانية سيكون مفيداً بالنسبة إليها. فمثل هذه الكتب كُتبت من أجل العقلانيين أصلاً.

وعلى النقيض منها، كان والدي طبيباً وعالماً من حيث المهنة والسلوك. وفي طفولتي المبكرة أخبرني أن بابا نويل لم يكن حقيقياً قبل أن أكتشف ذلك بوقت طويل. تحدثنا عن الفيزياء والكمبيوتر وعلم الأحياء ومسلسل “ستار تريك”، واتفقنا على أننا سبوك وليس كيرك. افترق والداي منذ عقود؛ ولكن في الآونة الأخيرة عندما خرجت والدتي من المستشفى إلى مركز إعادة التأهيل كنت أشعر بالشلل والارتباك الشديد حول ما يجب عليَّ فعله بشأن المكان الذي ستذهب إليه، تمكن والدي من إرشادي عبر الهاتف بصبر ومنهجية وحكمة حول مختلف السيناريوهات المحتملة، وميَّز بين الحتميات والاحتمالات في تفكيره، وتعامل معها وأوصلها دون عاطفة. كل هذا كان منسجماً مع شخصيته.

استمع باهتمام لتبني تفكيراً عقلانياً- “ويكيهاو”

لقد أمضيت عقوداً وأنا أحاول أن أكون عقلانياً؛ فلماذا أصابني الشلل عندما كنت أحاول ترتيب أمور رعاية والدتي؟ أخبرني غريغ أنه في مجال عمله لا يكفي أن تكون لديك أفكار عقلانية؛ فالشخص الذي اعتاد التفكير في الأسئلة في أوقات الفراغ قد يجد صعوبة في التعلم والفهم عندما يكون تحت ضغط الزمن، والشخص الذي قد يكون جيداً في التوصل إلى استنتاجات عقلانية ربما لا يكون مستعداً لأن يضع توقعه عندما يحين الوقت. الشخص العقلاني الفعال يجب أن يكون قادراً على اتخاذ قرار بشأن سوق الرهن العقاري اليوم، أو على الالتزام بمركز تأهيل معين الآن. أنا أعلم بشكل عقلاني أن فيروس كورونا لا يشكل خطراً على ابني الصغير؛ ولكنني مع ذلك ترددت في إرساله إلى دار الحضانة هذا الخريف. يمكنك أن تعرف ما الشيء الصحيح، ولكنك تعاني من أجل القيام به.

إن متابعة استنتاجاتك هي أحد التحديات؛ ولكن الشخص العقلاني يجب أن يتحلى بالموضوعية؛ بحيث يسلم مفاتيح التفكير عندما يواجه شخصاً آخر أكثر معرفة أو تدريباً، وهذا أمر أصعب مما يبدو عليه. من الناحية النظرية نحن ندرك أن مجتمعنا المعقد يتطلب تقسيم العمل إلى عمل فكري وعمل جسدي. ونحن نعترف أن خرائط المعرفة لدينا محدودة؛ ليس فقط بدرجة ذكائنا بل بوقتنا واهتمامنا. ومع ذلك فإن العقلانيين، مثلهم مثل الشعبويين، قد يقومون بثوراتهم المتناقضة ويرون أنه لا آراء يمكن الدفاع عنها إلا آراؤهم.

اقرأ أيضاً: شياطين العلم.. من ديكارت إلى داروين وما بعدهما

وفي التخلي كما في المتابعة، تلعب شخصية المرء دورها، وقد تمكنت من التعامل بموضوعية مع والدي؛ ليس فقط لأني أحترم عقله، بل لأني أعرف أنه شخص طيب وحريص ويهتم بمصلحتي ومصلحة أُمي من كل قلبه. الاهتمام وحده لا يكفي؛ لكن بيني وبين والدي كانت هنالك الثقة المتبادلة والاهتمام المتبادل والالتزام المشترك بالتفكير وبالفعل.

إن حقائق العقلانية بسيطة؛ فأنت تعرف أشياء وترغب في أشياء، فاستخدم ما تعرفه للحصول على ما ترغب فيه. قد يبدو ذلك على أنه معادلة بسيطة؛ ولكنها في الواقع ترسم سلسلة من التحديات المتصاعدة. ففي البحث عن الحقائق يجب أن نتعامل مع الاحتمالات، ومع عدم قدرتنا على معرفة كل شيء بأنفسنا، علينا أن نعتمد على الآخرين. ويجب علينا أن نتصرف بينما لا نزال غير متأكدين، ويجب علينا أن نتصرف في الوقت المناسب، أحياناً بشكل فردي ولكن غالباً مع بعضنا. والعقلانية ضرورية لكي يحدث كل ذلك؛ ولكنها غير كافية. فالتفكير المستقيم هو مجرد جزء من العمل.

♦محرر الأفكار في صحيفة “ذا نيويوركر”، عمل في الصحيفة منذ 2012.

المصدر: ذا نيويوركر

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة