الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

لماذا يشعر مهندسو عالم ما بعد 11 سبتمبر بالارتياح؟ وهل يعترفون بأخطائهم؟ (1)

تصريحات خاصة لمجلة "بوليتيكو"

كيوبوست- ترجمات

بريان بندر ودانيال ليبمان

في هذا الصيف، ومع بدء الولايات المتحدة إنهاء عملياتها العسكرية في أفغانستان، تواصلت مجلة “بوليتيكو” مع ما يقرب من عشرين من أكثر مهندسي عالم ما بعد 11 سبتمبر أهمية، وطلبت منهم أن يتأملوا في عقود الحرب التي ساعدوا في شنها والدفاعات المحلية التي ساعدوا في تشييدها. وسألتهم عما يعتقدون أنهم كانوا محقين أو مخطئين فيه، كما تم الضغط عليهم للتحدث بصراحة عما كانوا ليفعلوه بشكل مختلف إذا عاد الزمن إلى الوراء.

اقرأ أيضاً: 20 عاماً من الحرب الأمريكية انتهت كما بدأت

وبالعودة إلى اللحظات التي تَلَت هجمات 11 سبتمبر 2001، كان الشعور بالضعف والخوف ملموساً. وكان هناك إجماع على أن المزيد من الهجمات الفتاكة يجري الإعداد لها. حيث أشار وزير الأمن الداخلي مايكل تشيرتوف، الذي كان آنذاك يُدير القسم الجنائي في وزارة العدل، إلى سيكولوجية الصدمة التي ألمت بهيكل السلطة في واشنطن، قائلاً: “بعد رؤيتك لمركز التجارة العالمي ينهار، يتبخر إدراكك لما هي حدود الأمور السيئة التي يمكن أن تحدث”؛ لكنه الآن يتمنى لو أن البلاد قد “أخذت نفساً عميقاً”.

وبعد مرور 20 عاماً بالضبط على أسوأ هجوم إرهابي في التاريخ الأمريكي، والذي أسفر عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص، يمكن لمهندسي الرد الأمريكي -الرجال والنساء داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض وفي أعلى المستويات في البنتاغون، والسلك الدبلوماسي، ووكالات التجسس، والكونغرس- أن ينظروا بارتياح إلى الوراء؛ لأنه لم يحدث قط أي هجوم آخر واسع النطاق على الأراضي الأمريكية.

أندرو كارد يهمس في أذن الرئيس ليبلغه بالهجمات بينما كان بوش في زيارة إلى إحدى المدارس.. 11 سبتمبر 2001- “رويترز”

لكن هذه الحقيقة غالباً ما تُستخدم كمبرر شامل للعديد من القرارات الأكثر إثارة للجدل؛ بل وحتى الأكثر ضرراً التي اتخذت في أعقاب الهجمات، مثل التوسع الهائل لدولة المراقبة، والعمليات السرية لقتل الإرهابيين المشتبه بهم أو القبض عليهم، وفي بعض الحالات تعذيبهم، وقبل كل ذلك غزو أفغانستان؛ حيث تم التخطيط للهجمات، ثم العراق الذي لم يكن الإرهابيون موجودين به.

وقد تكلفت هاتان الحربان تريليونات الدولارات وحياة 7064 جندياً أمريكياً؛ أي أكثر من ضعف العدد الذي لقي حتفه في هجمات 11 سبتمبر، وأدتا إلى أزمة انتحار قدامى المحاربين العسكريين، الذين بلغ عددهم أكثر من 30 ألفاً. وفي نهاية المطاف، لقي آلاف عديدة من المدنيين في العراق وأفغانستان حتفهم في صراعات اندلعت إما استجابة لأحداث سبتمبر وإما نتجت عن عواقبها.

اقرأ أيضاً: نهاية الحرب في أفغانستان وخيبة أمل المحاربين القدامى

وبينما رفض بعض أبرز اللاعبين، ومن بينهم الرئيس جورج دبليو بوش، ووزير الخارجية كولن باول، وكوندوليزا رايس، التي كانت مستشارة للأمن القومي ووزيرة للخارجية، إجراء مقابلات معهم، وافق 17 من قيادات الإدارة الأمريكية، آنذاك، على التحدث بشكل رسمي؛ حيث تقدم شهادتهم مجموعة فريدة من وجهات النظر التي لم يتم جمعها من قبل في مكان واحد، وهم كالتالي:

1- السفير جون نيغروبونتي

في 11 سبتمبر 2001، كان جون نيغروبونتي يستعد لجلسة استماع في مجلس الشيوخ للتصديق على قرار تعيينه سفيراً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. وترأس الجلسة بعد بضعة أيام جو بايدن، رئيس لجنة العلاقات الخارجية آنذاك. ويتذكر قائلاً: “لقد قاموا بإنهاء الجلسة سريعاً”.

السفير جون نيغروبونتي- “بوليتيكو”

وقد ساعد نيغروبونتي، الذي سيشغل في ما بعد منصب سفير الولايات المتحدة لدى العراق بعد غزو عام 2003، في تشكيل سياسة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في أعقاب 11 سبتمبر مباشرة، ابتداءً من خلال تأمين تمرير قرار داخل الأمم المتحدة يهدف إلى وقف تدفق الأموال إلى الجماعات الإرهابية عبر النظام المصرفي الدولي.

اقرأ أيضاً: تقرير “فرانك تايلور” الغامض كان وراء انطلاق عمليات “الحرب على الإرهاب”

كما تركزت مهمته في إبلاغ المنظمة العالمية بعد أقل من شهر من الهجمات أن الولايات المتحدة تستند إلى حقها في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة لتغزو أفغانستان من أجل الإطاحة بـ”طالبان”. وكان أيضاً سفيراً للأمم المتحدة عندما عرضت الولايات المتحدة قضيتها لغزو العراق دون موافقة الأمم المتحدة. ثم أصبح في ما بعد أول مدير للمخابرات الوطنية، والمسؤول عن إصلاح فوضى وكالات التجسس.

ويشغل نيغروبونتي، البالغ من العمر 82 عاماً، الآن، منصب نائب رئيس شركة “ماكلارتي” للاستشارات الدولية. وهو يعتقد أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر براعة في عمليات مكافحة الإرهاب على مدار الأعوام العشرين الماضية؛ لكن أهم الأخطاء التي ارتكبتها البلاد على مدى تلك الفترة جاءت من عدم القدرة على رسم خط واضح بين عمليات مكافحة الإرهاب وبناء الدولة التي تنطوي على الكثير من المخاطر.

الرئيس بوش ومجموعة عمل من كبار الموظفين في مكتبه على متن طائرة الرئاسة فور إبلاغه بالهجمات- الأرشيف الوطني

يقول: “شعرت بخيبة أمل عندما لم نمنح عمليات التفتيش التابعة للأمم المتحدة فرصة. وأنا أعتبر ذلك، على مستوى مسؤوليتي، خطأً تكتيكياً فادحاً. فلو أعطوا عملية التفتيش مزيداً من الوقت، ربما انتهى بنا الأمر إلى إثبات عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق؛ لكنهم لم يتحلوا بالصبر”.

اقرأ أيضاً: “11 سبتمبر” بداية القرن الـ21 بالنسبة للولايات المتحدة

وأضاف نيغروبونتي: “إن التاريخ لا يتوقف؛ لكن الثمن المباشر بالطبع كان أرواح قواتنا التي فُقدت في الحربَين. فقد ظننا أنها ستكون نزهة، وعندما وصلنا إلى هناك اتضح أنها معارك قذرة للغاية. وكانت تلك هي الخسارة. في حين أن الغزو في رأيي كان خطأ مكلفاً؛ لكن القصة لم تنتهِ بعد”.

2- الجنرال ريتشارد مايرز

كان الجنرال المتقاعد بالقوات الجوية، ريتشارد مايرز، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة في 11 سبتمبر. وتولى منصب الرئيس في الأول من أكتوبر، بعد 3 أسابيع من الهجمات وأسبوع واحد من غزو الولايات المتحدة أفغانستان؛ للإطاحة بـ”طالبان” ومطاردة زعيم “القاعدة” أسامة بن لادن.

الجنرال المتقاعد بالقوات الجوية ونائب رئيس هيئة الأركان المشتركة في 11 سبتمبر ريتشارد مايرز- “بوليتيكو”

كما كان رئيساً لهيئة الأركان المشتركة في عهد بوش، عندما بررت الولايات المتحدة غزو العراق بأنه جزء من “الحرب العالمية على الإرهاب” من خلال التحذير أنه كان من الضروري منع وقوع هجوم آخر يسفر عن خسائر جماعية باستخدام أسلحة الدمار الشامل. ويشغل مايرز، البالغ من العمر 79 عاماً، حالياً، منصب رئيس جامعة ولاية كانساس.

اقرأ أيضاً: لماذا نجحت الولايات المتحدة في إعادة إعمار ألمانيا واليابان وفشلت في العراق وأفغانستان؟

ويرى مايرز أن الإدارة الأمريكية قررت في نهاية المطاف استدعاء القوات المسلحة لشن معركة عالمية في أفغانستان والعراق وعدد من الجبهات الأخرى في الشرق الأوسط وإفريقيا والفلبين؛ حيث تم نشر نحو 4 ملايين جندي في جميع أنحاء العالم في حروب ما بعد 11 سبتمبر، متجاوزين بذلك الدبلوماسية والمساعدة الاقتصادية وغيرها من أدوات فن الحكم لتقويض الحركات المتطرفة.

يقول: “أعتقد أن الشيء الذي كنت سأفعله بطريقة مختلفة هو محاولة أن أكون أكثر فعالية في الترويج لفكرة تسخير جميع أدوات القوة الوطنية. ومن الواضح أنني لم أكن فعالاً على النحو المطلوب. أظن أننا لو كنا فعلنا ذلك، لما كانت القوات العسكرية تحملت العبء الأكبر من العمل”.

الرئيس بوش يخاطب الجنود في فورت كامبل- كنتاكي في نوفمبر 2001 بعد غزو الولايات المتحدة أفغانستان- “بوليتيكو”

ثم يضيف: “لقد كنا في عالم حيث كل مشكلة هي مشكلة عسكرية، ولا أعتقد أن هذا صحيح في أي من تلك الصراعات [العراق وأفغانستان]؛ فالمشكلات الحقيقية مختلفة تماماً عن ذلك. ربما يجب على الجيش أن يلعب دوراً، لكنه قد لا يكون الدور المركزي. ونحن واصلنا محاولة جعله الدور المركزي”.

3- فرانسيس تاونسند

هي رئيسة مخابرات خفر السواحل في 11 سبتمبر، وتمت ترقيتها إلى نائبة مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب، ثم مستشارة الأمن الداخلي في البيت الأبيض في عهد الرئيس بوش. وفي صباح يوم الهجمات، كانت في المنزل مع ابنها المولود حديثاً، تحاول بشكل محموم الاتصال بصديقها وزميلها السابق، جون أونيل، الذي أصبح مؤخراً مديراً للأمن في مركز التجارة العالمي؛ لكن أونيل لقي حتفه في الهجوم.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس زار العراق لطلب المغفرة عن خطايا الغزو الأمريكي

وتشغل تاونسند، البالغة من العمر 59 عاماً، حالياً، منصب نائبة الرئيس التنفيذي في شركة ألعاب الفيديو “أكتيفجن بليزارد”. تقول: “إذا سألتني، هل من الممكن أن تكون (طالبان) الهيئة الحاكمة لأفغانستان، وأنه سيكون لها مقر في كابول بعد 20 عاماً من 11 سبتمبر؟ كنت سأعتقد أنك مجنون. أعتقد أن التطورات الأخيرة مفجعة للغاية؛ بعد تريليونات الدولارات والدماء الأمريكية التي أُريقت. وإذا كنت أماً فقدت ابنها في خدمة القوات الأمريكية، فسأكون في حالة يرثى لها”.

فرانسيس تاونسند رئيسة مخابرات خفر السواحل وقت وقوع هجمات 11 سبتمبر- “بوليتيكو”

وتضيف نائبة مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب: “بالتأكيد هناك أشياء الآن أتمنى لو أننا فعلناها. فقد كان ينبغي أن نضغط على باكستان بقوة أكبر. وكان الأمر واضحاً بالنسبة إليَّ لعدد كبير من الأسباب؛ أحدها أن الباكستانيين قالوا إنهم حلفاؤنا، لكن عندما كان الأمر يتعلق بتفعيل ذلك وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لم يقدموا الكثير. وأنا ألوم الباكستانيين على استمرار قوة (طالبان)”.

اقرأ أيضاً: انتصار باكستان فادح التكاليف في أفغانستان

وتشير تاونسند إلى أن الولايات المتحدة قد أضاعت فرصة أخرى بعد الغارة التي أطاحت بأسامة بن لادن؛ حيث تقول: “في ذلك الوقت كانت لدينا أفضلية لتعزيز موقفنا ضد [باكستان] والضغط عليها؛ لكني ما زلت أعتقد أننا يجب أن نستغل الوقت الراهن لممارسة ضغط إضافي على باكستان”.

4- الأدميرال جيمس ستافريديس

قاد الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، المجموعة القتالية لحاملة الطائرات “يو إس إس إنتربرايز” بعد وقت قصير من 11 سبتمبر. وأشرف على العمليات الجوية في كل من أفغانستان والعراق، قبل أن تتم ترقيته إلى مساعد أول لوزير الدفاع. كما تولى منصب القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي بين عامَي 2009 و2013؛ حيث كان لدى الولايات المتحدة أكبر عدد من القوات في كل من أفغانستان والعراق.

الأدميرال جيمس ستافريديس المشرف على العمليات الجوية في أفغانستان والعراق- “ويكي ميديا”

ويشغل ستافريديس، البالغ من العمر 66 عاماً، حالياً منصب العضو المنتدب لشركة الأسهم الخاصة “كارلايل جروب”. يقول: “لقد فشلنا حقاً في تقدير الثقافة المميزة والتاريخ والتعقيدات اللغوية والتحديات الشاملة التي ينطوي عليها القيام بعمليات في أفغانستان كجيش أجنبي. وكان ينبغي أن تكون هذه الأمور واضحة لنا. هذا مكان صعب للغاية بالنسبة إلى الأجانب للدخول إليه وفرض إرادتهم”.

اقرأ أيضاً: معرفة العدو

ويضف المساعد العسكري الأول لوزير الدفاع الأمريكي الأسبق: “كان يجب علينا أن نتعلم من الحرب في فيتنام؛ فمن الواضح تماماً أننا كنا نشعر بالغطرسة والكبرياء، واعتقدنا أنه يمكننا تدريب جيش ثم الخروج. كان يجب أن ندرك أنهم لن يكونوا قادرين على محاكاة نوع الجيش الذي لدينا. وكان ينبغي أن ندربهم ليكونوا أكثر شبهاً بـ(طالبان)؛ أي أخف وزناً وأسرع وأكثر فتكاً، وألا يعتمدوا على المعدات، مع امتلاك مهارات القيادة والاستخبارات عالية المستوى. كان يجب أن نبني قوة على نحو مختلف”.

الكولونيل مايكل هيرمان يطلع ستافريديس على التقدم المحرز في تدريب الجيش الوطني الأفغاني 2010- الجيش الأمريكي

ويعتقد ستافريديس أن غزو العراق لم يكن خطأً فقط في الإقدام على تنفيذه؛ بل في مفهومه ذاته، حيث يقول: “هل كان يجب أن نغزو العراق؟ لا؛ لأننا ذهبنا إلى هناك بناءً على معلومات استخبارية خاطئة، والتي أخبرتنا أن صدام حسين كان لديه برنامج أسلحة نووية، وكان ذلك خطأ؛ فالدول مثل الأشخاص يصيبون في بعض الأمور ويخطئون في بعضها. ومقياس أية أمة هو ما إذا كانت تتعلم من الأخطاء والنجاحات على حد سواء”.

5- دوغلاس فيث

كان دوغلاس فيث، وكيل وزارة الدفاع للسياسة. وبصفته المسؤول الأعلى عن السياسة الدفاعية في إدارة بوش، لعب فيث دوراً رئيساً في تبني استراتيجية “محور الشر” التي اعتمدها بوش وهددت بالعمل العسكري ضد الدول التي دربت أو وفرت ملاذاً للإرهابيين؛ بما في ذلك العراق وإيران وكوريا الشمالية.

كان فيث من أشد المؤيدين لغزو العراق. وفي وقت لاحق، خلصت هيئة الرقابة الداخلية في البنتاغون إلى أن مكتب فيث نقل معلومات استخبارية مشكوكاً في صحتها حول العلاقة المزعومة بين نظام صدام حسين و”القاعدة” إلى البيت الأبيض، والتي لم تكن مدعومة من قِبل وكالات التجسس الأمريكية.

دوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للسياسة في إدارة بوش الابن- “بوليتيكو”

دوغلاس فيث، الذي يبلغ من العمر 68 عاماً، هو الآن زميل أول في معهد هدسون، مؤسسة بحثية متشددة في واشنطن، ولا يزال غير نادم على غزو العراق. يقول: “لا أعتقد أن هناك أي شك في أنه إذا كنا تركنا صدام حسين في مكانه، لكان الإيرانيون قد قاموا بضغط أكبر وأسرع من أجل امتلاك سلاح نووي، وهو ما قد يدفع كلاً من صدام والدول العربية الأخرى للتحرك بسرعة أكبر إلى امتلاك أسلحة نووية”.

اقرأ أيضاً: نشأة الفساد الاستراتيجي

ويؤكد فيث أنه يعتقد أن إدارة بوش، التي تعرضت إلى انتقادات واسعة بسبب موافقتها على أساليب الاستجواب التي أعلن تحقيق الكونغرس لاحقاً أنها تعذيب، كان ينبغي أن تشرك الكونغرس في القرارات المتعلقة بالاستجواب والاحتجاز. وكان استخدام خليج غوانتانامو في كوبا، حيث احتُجز نحو 800 رجل دون محاكمة في أوقات مختلفة خلال عقدَين، مشكلة بشكل خاص. ولا يزال 39 رجلاً رهن الاعتقال.

الشرطة العسكرية التابعة للجيش الأمريكي ترافق معتقلاً إلى زنزانته في قاعدة خليج غوانتانامو البحرية 2002- “رويترز”

يقول فيث: “أعتقد أن الإحساس العام هو أن غوانتانامو كان لا يخضع لضوابط، وأنه خالٍ من القانون، ودون إطار تشريعي، وضار جداً بالولايات المتحدة على الصعيدَين المحلي والدولي. وكان بإمكاننا التخفيف من ذلك الضرر عن طريق إشراك الكونغرس. وكان من الممكن أن يكون تحت سلطته. كان سيُنظر إليه على أنه أكثر انسجاماً مع النظام والمبادئ الأمريكية. وربما كان سيمنع ذلك بعض السلوكيات المشينة”.

6- جون ماكلولين

كان جون ماكلولين، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عام 2001. ويتذكر قائلاً: “طوال الصيف كنا نشهد زيادة كبيرة في الإبلاغ عن التهديدات، وقد ذهبنا إلى البيت الأبيض مرتَين، في مايو ويوليو، بعد إشعار مدته نصف الساعة تقريباً، لنقول إن كل صفارات الإنذار تدوي هنا، وإننا سوف نتعرض إلى هجوم، إلا أننا لم نتمكن من التنبؤ بالوقت أو الهدف أو الطريقة”.

جنود المارينز يساعدون العراقيين في إسقاط تمثال صدام حسين بعد الغزو الأمريكي للعراق.. بغداد 2003- “سي إن إن”

وبمجرد وقوع الهجمات، سرعان ما أصبح ماكلولين أحد مهندسي الحرب السرية التي شنتها وكالة الاستخبارات المركزية لتعقب وقتل أو اعتقال قادة “القاعدة”. ماكلولين البالغ من العمر 79 عاماً، يعمل الآن أستاذاً في كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة.

اقرأ أيضاً: لماذا يعتمد أمن الولايات المتحدة على حلفائها الآن أكثر من أي وقت مضى؟

يقول: “لا أعتقد أنه كان هناك العديد من الخيارات. لن أقول إن (الحرب السرية) كانت القرار الصحيح؛ لكنه كان القرار فحسب. وبعبارة أخرى، لم يكن الجيش مهتماً بالقيام بذلك. وكان من الطبيعي نوعاً ما اللجوء إلى وكالة الاستخبارات المركزية في هذه المرحلة؛ خصوصاً المرحلة الأولية للغاية. أعتقد أننا فعلنا كل ذلك بشكل صحيح؛ فقد هزمنا (طالبان) بشكل أساسي بمساعدة الجيش وقُمنا بتفريق (القاعدة)، وفي النهاية انتهينا منهم، على الأقل قيادة حقبة 11 سبتمبر”.

جون ماكلولين نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية عام 2001- “بوليتيكو”

ومع ذلك، فإن الأساليب التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية سوف تلاحقها. يقول ماكلولين: “لقد تعرضنا إلى هجمات الجمرة الخبيثة، ولم يعرف أحد من أين جاءت، وسأخبرك أنه داخل الكونغرس في شهادة مغلقة، عندما ألقي القبض على بعض هؤلاء الأشخاص، كانت التوصية التي تلقيناها: افعلوا ما يتوجب عليكم القيام به. وفي الواقع، كان الأمر صادماً؛ لأننا كنا نحاول البقاء ضمن المعايير القانونية هنا”.

اقرأ أيضاً: الإدارة الجديدة لن تجعل الديمقراطية الأمريكية تتعافى!

وحول أساليب الاستجواب، يقول نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية: “لم تفعل الوكالة ذلك بأي حماس؛ فقد كنا نعرف أنه إذا أصبح الأمر علنياً فسيكون مثيراً للجدل. وقد ناقشنا مدى أخلاقيات ذلك، وخلصنا إلى أنه إذا لم نحصل على معلومات من هؤلاء الأشخاص الذين لم يكونوا جنوداً في ساحة المعركة -بل كانوا القيادة العليا لـ(القاعدة)- فإن الأمريكيين سيموتون وستكون أيدينا ملطخة بدمائهم، وهذا ليس أخلاقياً أيضاً. وإذا لم نحصل على تلك المعلومات، فإننا سندان بالفشل”.

لكن ماكلولين أشار إلى أن توسع الحرب إلى ما وراء “القاعدة“، أي استراتيجية “محور الشر” التي استهدفت الدول الراعية للإرهاب مثل العراق- كان خطأ. وفي شهادته أمام الكونغرس في ذلك الوقت، أثار تساؤلات حول مدى التهديد الذي يشكله صدام حسين.

جنود بريطانيون يتفقدون عراقيين يغادرون مدينة البصرة جنوب العراق 2003- “راديو العالم”

يقول: “أعتقد أنه عند تأمل ما حدث مرة أخرى الآن سنجد طريقة التفكير تفتقر إلى الحكمة. ولا أرى أية علاقة لربط العراق بالحرب على الإرهاب. ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أنه لا توجد علاقة عملياتية على الإطلاق بين صدام و(القاعدة). وأنه لم تكن هناك علاقة بين العراق وهجمات سبتمبر”.

7- الجنرال ديفيد بتريوس

الجنرال المتقاعد ديفيد بتريوس، هو على الأرجح القائد الأكثر شهرة في ساحة المعركة في حقبة ما بعد 11 سبتمبر؛ حيث شغل منصب القائد الأعلى في كل من العراق وأفغانستان، وأشرف على جميع القوات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ثم شغل في وقت لاحق منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية. وفي 11 سبتمبر، كان بتريوس جنرالاً برتبة نجمة واحدة يخدم في البوسنة كجزء من قوة حفظ الاستقرار التابعة لحلف شمال الأطلسي بعد الحرب الأهلية هناك.

اقرأ أيضاً: إدارة بايدن..هل تعيد النظر في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب؟

بتريوس، البالغ من العمر الآن 68 عاماً، هو شريك في شركة “كي كي آر” الاستثمارية، (تمتلك حصة كبيرة في شركة الإعلام الألمانية “أكسل شبرينقر”، والتي وافقت على الاستحواذ على مجلة “بوليتيكو”)، ورئيس معهد “كي كي آر” العالمي.

كان الجنرال بتريوس القائد الأعلى للجيش والمشرف على جميع القوات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط- “سان دييجو تريبيون”

يقول: “هل كان هناك 11 سبتمبر آخر؟ الإجابة هي لا، في الواقع إذا أحصينا كل الأمريكيين الذين قتلوا في هجمات يمكن ربطها بالتطرف الإسلامي، فلن يكون هناك أكثر من 100 شخص تقريباً على مدى السنوات العشرين الماضية. فعلى مر السنين، أطحنا بقائد تلو الآخر، وبعض هذه الأمور التي تم تجاهلها كانت أكثر أهمية بكثير مما يدرك الناس”.

ومع ذلك، عبَّر الجنرال بتريوس عن انتقاده سياسة الاستجوابات، مؤكداً أن الوكالة وقيادة العمليات الخاصة المشتركة قد استجابوا ونفذوا عمليات لا حصر لها؛ لكن المشكلة هي أن الكثير من هذا قد توارى بسبب “استخدام أساليب الاستجواب المعززة التي كانت جزءاً لا يتجزأ من جهود وكالة الاستخبارات المركزية”.

اقرأ أيضاً: كيف يستخدم اليمين المتطرف روايات المظلومية لتبرير العنف

يقول بتريوس: “ما الذي أخطأنا فيه؟ الإجابة الحقيقية هي أساليب الاستجواب المعززة. أولاً؛ لأنها خاطئة من الناحية المعيارية والأخلاقية ومن حيث انتهاك اتفاقية جنيف، التي كنا من أبرز الموقعين عليها. وثانياً؛ لأن هذه الأساليب لا تنجح أيضاً”. ويضيف: “إنه أمر غير قابل للنسيان؛ فقد أضروا بسمعتنا بشدة وأضروا بعلاقاتنا مع البلدان التي لدينا فيها مواقع سوداء (المواقع السرية حول العالم؛ حيث تحتجز الولايات المتحدة الإرهابيين المشتبه بهم). وقد تم استخدام أساليب الاستجواب المعزز في أماكن أخرى، ثم وجدت طريقها بطريقة ما إلى (أبو غريب)؛ حيث قام الجنود الأمريكيون بتعذيب السجناء العراقيين”.

القائد العسكري الأمريكي الجنرال ديفيد بتريوس خلال مؤتمر صحفي في بغداد 2007- “رويترز”

ويرفض بتريوس القول ما إذا كان يعتقد أن حرب العراق تستحق كل هذا العناء -“هذا سؤال لن أجيب عنه أبداً”- لكنه أوضح أنها جعلت النجاح في أفغانستان أقل احتمالاً. يقول: “إنكم تركزون على العراق منذ البداية؛ ولذا لا نتطرق أبداً إلى الوضع في أفغانستان؛ حيث تم تحطيم حركة طالبان و(القاعدة). وتشتتوا في جميع أنحاء باكستان ثم بدؤوا بالتدريج في إعادة تجميع صفوفهم. وقد استغرق الأمر منهم سنوات للقيام بذلك؛ لكننا أضعنا خلالها فرصة البدء في بناء قوات أمن الدولة المضيفة وحوكمتها بطريقة جادة”.

8- مايكل تشيرتوف

في صباح يوم 11 سبتمبر، كان مايكل تشيرتوف رئيساً للقسم الجنائي في وزارة العدل لمدة 3 أشهر. وكان يتحدث عبر الهاتف مع نائبه وهو في طريقه إلى المكتب عندما علم بالهجمات. وقد شارك في صياغة قانون باتريوت الأمريكي، وفي عام 2005 أصبح ثاني وزير للأمن الداخلي. تشيرتوف، البالغ من العمر الآن 68 عاماً، هو مستشار أول في شركة المحاماة “كوفينجتون وبيرلينج” ومؤسس مجموعة تشيرتوف، وهي شركة استشارات أمنية.

اقرأ أيضاً: كيف هددت أحداث 11 سيتمبر الديمقراطية الغربية؟

يقول: “أعتقد أنه من حيث النطاق الجغرافي، كان من المنطقي أن نتريث قليلاً. وأعتقد أن الأمر كان منطقياً في أفغانستان، على الرغم من أنني أرى أننا يجب أن نكون أكثر وضوحاً في ما يتعلق بتحديد ما النجاح بالضبط. وبالتأكيد، يمكن القول إن العراق كان بعيداً أكثر مما ينبغي، أعتقد أن الفشل في تصور العواقب ربما يكون أكبر عيب في الطريقة التي تعاملنا بها مع بعض القضايا على مدار الأعوام العشرين الماضية”.

مايكل تشيرتوف رئيس القسم الجنائي في وزارة العدل في إدارة بوش وأحد أفراد غرفة عمليات هجمات سبتمبر- “بوليتيكو”

ويؤكد مايكل تشيرتوف أن هناك فشلاً آخر تمثل في صياغة نظام احتجاز مرتبط بنظام العدالة لتجنب بعض العواقب الأكثر عمقاً. يقول: “أحد الأشياء التي أعتقد أنها كانت تمثل عيباً هو التعامل مع المحتجزين، من حيث كيفية مقاضاتهم. كانت وزارة الدفاع تحمي سلطتها القضائية بشدة عبر هذه العملية وأتذكر [أنها لم تكن] مهتمة بسماع ما تقوله وزارة العدل حول كيفية تقديم القضايا”.

اقرأ أيضاً: أكثر 7 حروب دموية بعد الحرب العالمية الثانية!

ويتساءل تشيرتوف عن جدوى اعتقال الإرهابيين دون محاكمة منظمة، قائلاً: “إنه لأمر عظيم أن تتم إعاقة الإرهابي واعتقاله؛ لكن ماذا بعد؟ وحقيقة أننا ما زلنا لم نحصل على محاكمة مكتملة منذ 20 عاماً، و[العقل المدبر لأحداث 11 سبتمبر] خالد شيخ محمد لا يزال معتقلاً ولم يصدر بعد حكم نهائي ضده، تشير إلى أنه لم يكن هناك تفكير مسبق كاف حول كيفية حدوث ذلك”.

بريان بندر، مراسل رفيع المستوى لمجلة “بوليتيكو”.

دانيال ليبمان، مراسل يغطي شؤون البيت الأبيض وواشنطن لمجلة “بوليتيكو”.

لقراء الجزء الثاني: لماذا يشعر مهندسو عالم ما بعد 11 سبتمبر بالارتياح؟ وهل يعترفون بأخطائهم؟ (2)

المصدر: بوليتيكو

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة