الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

لماذا يستمر العنف الجنسي من قِبل العاملين في المجال الإنساني؟

كيوبوست- ترجمات

موكيش كابيلا♦

فتح البروفيسور موكيش كابيلا، أستاذ الصحة العالمية والشؤون الإنسانية في جامعة مانشستر، النارَ على منظمة الأمم المتحدة، متهماً إياها بالصمت وربما التواطؤ البيروقراطي تجاه الانتهاكات الجنسية التي قام بها عناصر تنتمي إلى منظمات إغاثة تابعة لها، وكذلك عناصر قوات حفظ السلام، وذلك خلال القيام بتنفيذ برامجها ضمن أنشطة ملف الإيبولا.

وقال كابيلا، الذي عمل كمدير أول في منظمة الصحة العالمية، كما شغل منصب وكيل الأمين العام في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، في مقالة نشرها موقع “ذا كونفرزيشن“، إنه زار منطقة شمال كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية لأول مرة عام 1994، أثناء الإبادة الجماعية في رواندا المجاورة. وفي مستشفى الطوارئ في غوما، شاهد صفوفاً وصفوفاً من ضحايا الاغتصاب اللواتي فررن عبر الحدود.

اقرأ أيضاً: “وعود كاذبة”.. الاتجار بالجنس يتوسع في إفريقيا وحالات الاستغلال تتفشى

وبعد ربع قرن، يحدث الأمر المؤلم نفسه مرة أخرى وفي المكان نفسه؛ بل والسبب نفسه، وهو العنف الجنسي. لكن المختلف هذه المرة هو أن الجناة المزعومين هم العاملون في المجال الإنساني، وقد تم إرسالهم لإنقاذ المجتمع من تفشي فيروس إيبولا المميت.

جنود الأمم المتحدة يراقبون توزيع المواد الغذائية في هايتي 2019- “سكاي نيوز” الدولية

وأشار الكاتب إلى التقرير الصادر عن التحقيقات بشأن تلك الانتهاكات، والذي يقول إن العاملين في المجال الإنساني طلبوا خدمات جنسية من نساء وفتيات يحاولن جني بضعة دولارات من عمل منخفض المستوى في الوكالات الدولية، وإن نساء كثيرات أُجبرن على ممارسة الجنس دون واقيات ذكرية، وأنجب العديد منهن أطفالاً، بينما أُرغمت أُخريات على إجراء عمليات إجهاض.

اقرأ أيضاً: صنداي تايمز تكشف: صور جنسية مقابل المساعدات الإنسانية في سوريا

وقد أدت الآثار النفسية والاجتماعية والوصم الذي تتعرض إليه النساء المتضررات إلى تدمير الأُسر. كما يرسم التقرير صورة مروعة أوسع نطاقاً للاستغلال والاعتداء الجنسي السائد؛ فالاستغلال الجنسي هو “إساءة استخدام السلطة والثقة للاستفادة الجنسية من شخص أكثر ضعفاً أو اعتماداً على الغير”، حسب كابيلا، الذي أكد أنه عندما يؤدي ذلك إلى الاعتداء الجسدي الفعلي أو التهديد به، فإنه يشكل اعتداءً جنسياً فعلياً (بما في ذلك الاغتصاب).

ويعتبر كابيلا تكرار تلك الجرائم “فشلاً مروعاً”، وقد كان سبباً في إعادة تركيز الاهتمام بشكل أوسع على سوء السلوك الجنسي الذي يظهر بانتظام مخزٍ في عمليات المساعدة الإنسانية والإنمائية وعمليات حفظ السلام في جميع أنحاء العالم.

تحاول تريزا (يسار) التعافي من الوصم بعد تعرضها إلى الاغتصاب منذ 3 سنوات بواسطة أحد الجنود.. الكونغو- الصليب الأحمر الدولي

وقال أستاذ الصحة العالمية والشؤون الإنسانية في جامعة مانشستر، إنهم يفلتون من العقاب؛ لأن الضحايا “يتم تجاهلهن بشكل روتيني، ولا توجد مساءلة تُذكر للجناة، والتكاليف التي تتحملها المؤسسات التي تحميهم قليلة للغاية”. وبالتالي فلن نبالغ حين نؤكد أن الاستغلال والاعتداء الجنسي منتشران على نطاق واسع.

اقرأ أيضاً: النساء المنسيات: كيف تُجر الفتيات إلى العمل في مجال صناعة الجنس؟

ومن الأمثلة الصارخة على ذلك الاعتداء الإجرامي من جانب موظفي منظمة أوكسفام في هايتي، الذين انتقل بعضهم من دولة إلى أخرى؛ بما في ذلك تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وكان هناك أيضاً سوء سلوك جنسي على مستوى كبار الموظفين في منظمة إنقاذ الطفولة.

ولفت كابيلا إلى أن مؤسسات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ليست بمنأى عن الادعاءات المتعلقة بسوء السلوك بين جمعياتها الوطنية البالغ عددها 192 جمعية. كما كانت هناك هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة -بما في ذلك وكالة اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي- من بين 40 وكالة متورطة في فضيحة الغذاء مقابل الجنس في غرب إفريقيا.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش خلال زيارته إلى مركز علاج الإيبولا في مانجينا.. جمهورية الكونغو 2019- أرشيفية

وأضاف أن عمليات حفظ السلام لها تاريخ طويل من ثقافة التصيد الجنسي؛ حيث تم اختطاف فتيات قاصرات واغتصابهن واستغلالهن في البغاء من قِبل موظفي الأمم المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي في كوسوفو. وفي البوسنة، كان ضباط شرطة الأمم المتحدة يديرون شبكة للاتجار بالجنس.

ومؤخراً، تصرف جنود حفظ السلام من الجابون وفرنسا بشكل مروع في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ لكن سجل الاغتصاب والاعتداءات من قِبل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة متمركز في الكونغو، حيث نجد 700 من بين 2000 ادعاء في جميع أنحاء العالم على مدى 12 عاماً.

اقرأ أيضاً: العبودية اليوم.. مئات المعاهدات وعشرات ملايين المستعبدين

من جانب آخر، أكد كابيلا أن النظام في هيئة الأمم لديه نية جديرة بالثناء؛ لكنه “مصمم لكي يفشل”، حيث لا تملك الأمم المتحدة سوى سلطة ضئيلة، بينما تتم إعادة جنود حفظ السلام المخالفين إلى بلادهم، وقلة منهم فقط مَن تتم محاسبتهم من قِبل سلطاتهم المحلية؛ وفي كثير من الأحيان لا يتم التحقيق في القضايا أو يتم إغلاقها بسبب “نقص الأدلة”.

الناجيات من الاغتصاب يتلقين العلاج في أحد المستشفيات.. الكونغو الديمقراطية- موقع الصليب الأحمر الدولي

وعن كيفية تعديل المسار، قال الكاتب: أولاً وقبل كل شيء، يجب أن يحصل الضحايا على تعويض مالي حقيقي يتجاوز الدعم الطبي والنفسي. وثانياً، يجب بذل كل جهد ممكن لتعقب الجناة وتقديمهم إلى المحكمة. وثالثاً، يجب مساءلة مديري منظمة الصحة العالمية الذين لا يكفلون بيئة عمل آمنة علناً وأن يتحملوا عقوبات تتناسب مع نصيبهم من المسؤولية عن الفشل.

اقرأ أيضاً: كيف يسيطر الغربيون والدول المانحة على مناصب الأمم المتحدة؟

إذ لن تكون عملية الإيبولا في جمهورية الكونغو المرة الأخيرة التي يتعرض فيها الأشخاص المستضعفون إلى الاعتداء الجنسي من قِبل الأشخاص الذين يتم إرسالهم لمساعدتهم أو حمايتهم؛ لكن تعزيز المساءلة، وتحقيق العدالة، والتعويض عن الضرر يمكن أن يزيد من تكاليف ارتكاب هذه الجرائم. وسوف يُظهر ذلك أيضاً أن “الآسف” يحمل معنى، وأن مقولة “عدم التسامح مطلقاً” تمثل أكثر من مجرد شعار.

♦أستاذ الصحة العالمية والشؤون الإنسانية في جامعة مانشستر، عمل كمدير أول في منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة. كما شغل منصب وكيل الأمين العام في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر. وترأس لجنة الخدمات الإنسانية بمكتب الكومنولث الخارجي والتنمية.  

المصدر: ذا كونفرزيشن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة