الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

لماذا يدعم المعتدلون المجموعات المتطرفة؟

الأمر لا يتعلق بالأيديولوجية!

ترجمة كيو بوست – 

مجلة فورين أفيرز الأمريكية، بقلم أستاذة العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا بربارة والتر.

 

إن إحدى المفاجآت الكبرى منذ نهاية الحرب الباردة هي نمو الجماعات الإسلامية الراديكالية، لا سيما تلك الملتزمة بالجهادية السلفية، تلك الحركة الإصلاحية المحافظة والمتشددة جدًا، التي تسعى إلى إقامة خلافة انتقالية تستند إلى الشريعة الإسلامية. ترفض هذه المنظمات الديمقراطية، وتعتقد أن العنف والإرهاب مبرران في سبيل تحقيق أهدافهما. قبل عام 1990، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الجماعات الجهادية السلفية النشطة، وبحلول عام 2013، أصبح عددها 49 منظمة.

إن سرعة وحجم انتشار هذه المجموعات أمر محير، لا سيما أن أهدافها أكثر راديكاليةً بكثير من أهداف السكان المدنيين العاديين. ووفقًا لدراسة استقصائية أجريت عام 2013 على 38,000 مسلم في 39 دولة، قام بها مركز بيو للأبحاث، فإن معظم السنّة يفضلون الديمقراطية على الحكم المطلق، والأغلبية الكبيرة ترفض العنف باسم الإسلام. وبالتالي، إذا كان الكثير من المسلمين يختلفون مع أهداف وطرق هذه الجماعات المتطرفة، فلماذا تمكنت من الانتشار والنمو، بل ومضاعفة عددها؟

الجواب ليس له علاقة بالدين أو الأيديولوجية، بل بالسياسة والأمن. في البيئات التي تتصف بالتغير السياسي السريع، وحكم القانون المحدود، والفساد المستشري، يتكون لدى المواطنين المعتدلين أسباب عقلانية لصالح المجموعات المتطرفة أيديولوجيًا. وهذا ينطبق على جميع البلدان، سواء كانت مسلمة أم غير مسلمة، وينطبق حتى على المواطنين الذين لا يؤمنون بأهداف وأيديولوجيات تلك الحركات. لم يكن صعود الإسلام الراديكالي نتيجةً لدعمٍ متزايدٍ للأفكار المتطرفة، بل نتيجة لتصرفات السنّة العاديين الذين يتصرفون بشكل إستراتيجي في الأوقات العصيبة.

 

أفضلية التطرف

عندما تندلع الحروب الأهلية، كما هو الحال في تشاد والعراق وليبيا ونيجيريا ومالي وباكستان والصومال وسوريا واليمن، يصبح أمام المواطنين خيارين: إما الانحياز إلى طرف، أو البقاء على الحياد. إن أفضل خيار بالنسبة لهم هو الانحياز إلى فصيل مسلح هو الأكثر احتمالًا للفوز بالحرب وإحداث إصلاح سياسي حقيقي. من شأن دعم المنتصر أن يحمي الفرد من الأعمال الانتقامية بعد الحرب، كما أن الوقوف إلى جانب مجموعة تعِد بالإصلاح، يفتح آفاق التغيير السياسي الإيجابي. لكن المواطنين لا يعرفون من سيصعد إلى القمة، أو كيف سيتصرف الفائز بمجرد وصوله إلى السلطة.

هذا الوضع الإستراتيجي يمنح الجماعات المتطرفة ميزة. من شأن الأيديولوجية المتطرفة أن تمنح المجموعة إمكانية تجنيد المتعصبين والمتحمسين، الذين هم على استعداد للقتال من أجل النصر لفترات أطول وبطرق صارمة، أكثر من استعداد المعتدلين لذلك. يساعد هؤلاء المقاتلين المتعصبين المجموعة على كسب معارك مبكرة وبناء سمعة انضباط وفعالية. والنتيجة هي نوع من لعبة ترجيح الكفة: “المؤمنون الحقيقيون” ينضمون أولًا بسبب تفانيهم الثابت في القضية، ثم ينضم أشخاص “عمليون” لأنهم يعتقدون أن المجموعة سوف تحقق الانتصار. هذا هو بالضبط ما حصل في سوريا حسب خبير الإرهاب ويل ماكانتس: النجاح المبكر الذي حققته الدولة الإسلامية في سوريا أقنع العديد من المقاتلين السابقين في الجيش السوري الحر بالانشقاق؛ بعد أن شعروا بأن هذه الجماعة الجهادية هي الأفضل تمويلًا والأكثر تنظيمًا.

يفضل المواطنون المعتدلون كذلك دعم الفصيل الذي من المرجح أن يظل غير فاسد بعد توليه السلطة. ومع ذلك، من الصعب للغاية تحديد من سيحكم بشكل عادل بعيدًا عن الفساد. لدى قادة التمرد حوافز للادعاء بأنهم مختلفون عن النخب الحالية، وأن لديهم رغبة في التغيير السياسي، حتى لو كان دافعهم الحقيقي هو الجشع. في البلدان التي لا تمارس ضوابط مؤسسية على السلطة التنفيذية، فإن الخيانة بمجرد الوصول إلى سدة الحكم أمر شائع جدًا.

ومرة أخرى، الأيديولوجية المتطرفة تمنح المجموعة دفعة قوية تساعدها على الصعود بشكل كبير. أولًا، من المتوقع دائمًا أن يرفض المتشددون الاتفاقيات المتواضعة، بما فيها الاتفاقات الحكومية، أكثر من رفض المعتدلين، مما يجبر الحكومات على تقديم عروض أفضل. ولهذا السبب، على سبيل المثال، قد يفضل الفلسطينيون حماس على السلطة الفلسطينية عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع إسرائيل. ثانيًا، إن تبني أيديولوجية متطرفة يوحي بأن زعيم التمرد مهتم بما هو أبعد من السلطة والثروة. وهذا صحيح بشكل خاص إذا كانت الأيديولوجية تتطلب تضحيات شخصية باهظة الثمن من قادتها، مثل التقشف والفقر.

لقد تمكن أسامة بن لادن من الإشارة إلى التزامه بحكم جوهري يعتمد على المبادئ، لأن الجميع كانوا يعلمون بتخليه عن ثروته من أجل القتال. وأخيرًا، غالبًا ما يكون للجماعات الدينية المتطرفة أنظمة قضائية خاصة بها، مما ينشئ رقابة إضافية على السلوك السيء. على سبيل المثال، ينطوي التطرف الإسلامي على فقه واسع خاص به. يبدو أن تنظيم القاعدة فهم هذه الميزة عندما استهدف المناطق التي يفتقد فيها السكان المحليون إلى الحكم الأساسي. في المجتمعات الدينية، هنالك أطراف ثلاثة جديرة بالثقة، مثل الأئمة والمفتين، الذين يمكنهم التدخل من أجل التحكيم في النزاعات، ومعاقبة القادة الذين يسيئون استخدام سلطتهم.

 

الخلاصة

الأفراد العاديون المعتدلون لا يحتاجون إلى الاعتقاد بتفسير راديكالي للإسلام من أجل دعم جماعة متطرفة، بل ينجذبون إليها للأسباب المذكورة سابقًا. وبرغم أن الأيديولوجية المتطرفة تجذب دومًا بعض “المؤمنين الحقيقيين”، إلا أنها تتمكن من جذب المعتدلين كذلك، خصوصًا في أوقات عدم اليقين وغياب الأمان.

قد يكون من الصعب إقناع “المؤمنين الحقيقيين” بالابتعاد عن هذه المجموعات، إلا أن إقناع المعتدلين بالانشقاق عنها أمرًا ليس صعبًا. إن أفضل طريقة لتقويض دعم المعتدلين لهذه المجموعات هي تشجيع التسويات السياسية، وإنهاء الحروب الأهلية التي تشكل أرضية خصبة للتطرف، ومادة غنية للتجنيد. من شأن اتفاقات تقاسم السلطة أن تنهي الخلاف السياسي العنيف، وهذا يعني إنهاء أسباب دعم الجماعات المتطرفة في صفوف المعتدلين.

 

المصدر: مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة