الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

لماذا يخاف اليسار من جوردان بيترسون؟

نجومية بروفيسور علم النفس الكندي دليل على أن الفكر اليساري ضعيف وآخذ في التدهور

كيوبوست- ترجمات

كايتلين فلاناغان♦

قبل عامين فوجئتُ بابني المراهق يشاهد مقطعاً غريباً على “يوتيوب”، سألته ما الذي تشاهده؟ فأجابني: “إنه أستاذ في علم النفس في جامعة تورنتو، يتحدث عن القانون الكندي”.

أجابني وأشاح بوجهه مجدداً إلى الشاشة. قُلت لنفسي من المؤكد أن ابني قد انتهى من مشاهدة كل ما على الإنترنت، ولم يبقَ سوى هذا المقطع.

حاول ابني في مساء ذلك اليوم أن يشرح لي؛ ولكن الأمر لم يهمني كثيراً، وأردت الحديث عن شيء آخر أكثر إثارة للاهتمام. اتضح لي أن عدداً من أصدقائه الذين يحملون توجهاته التقدمية الديمقراطية نفسها، ومجموعة المواقف الاجتماعية ذاتها التي يمكن أن تتوقعها من مراهقين نشأوا في أُسر ليبرالية في فقاعة لوس أنجلوس الزرقاء (الفقاعة الزرقاء إشارة إلى الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية- المترجم)، قد شاهدوا الفيديو وتحدثوا حوله في ما بينهم.

تخرج الأولاد في المدرسة الثانوية والتحقوا بالجامعات؛ حيث تعرضوا إلى ذلك النوع من الخطاب المنضبط الذي يهيمن على الجامعات الأمريكية. لم يشكلوا موجات ولم يتواجهوا مع الطلاب الغاضبين بشأن الهيمنة الثقافية والخطاب العنيف؛ بل أقاموا صداقات وثيقة مع كثير من هؤلاء الطلاب. انشغلوا بدراستهم وكتابة مقالاتهم، وفي غرف إقامتهم، وفي الحافلة، وأثناء ممارستهم للرياضة، كانوا يستمعون إلى المزيد من رسائل ومحاضرات هذا الرجل، جوردان بيترسون.

اقرأ أيضاً: فريد زكريا يُبَشِّر الديمقراطيين بسقوط أيديولوجيا “المحافظين” وصعود نجم “التقدمية اليسارية

صوَّت هؤلاء الشباب لهيلاري كلينتون، وصدموا عند فوز ترامب، واتصلوا بمنازلهم وتحدثوا عن انقلاب في البلاد، واستمروا في الاستماع إلى جوردان بيترسون الذي أوصلهم إلى منشورات صوتية أخرى لأشخاصٍ؛ مثل سام هاريس، وديف روبن، وجو روغان. وما كانوا يستمعون إليه في هذه المحاضرات والنقاشات التي غالباً ما تكون طويلة وتدور حول مواضيع غامضة، ربما كان هو الحجة الوحيدة المتبقية ضد سياسات الهوية التي سمعوها في حياتهم.

جوردان بيترسون وسام هاريس- أرشيف

قد يبدو ذلك أمراً بسيطاً؛ ولكنه ليس كذلك على الإطلاق. ففي غياب سياسات الهوية يمكن الحديث عن أي شيء؛ مثل الدين، والفلسفة، والتاريخ، والأساطير بطريقة مختلفة تماماً. كان بإمكانهم الحصول على معرفة مباشرة من خلال الأفكار، وليس معرفة قائمة على الأيديولوجيات. كان كل هؤلاء الشباب ينضمون، دون أن يدركوا ذلك، إلى مجموعة ضخمة من طلاب الجامعات الأمريكيين الذين كانوا يتبعون منهاجاً موازياً تحت أنظار مَن كانوا يعطونهم المنهاج التعليمي الرسمي.

كل ذلك كان يحدث بصمت، كانت الأفكار تأتي عبر الأقمار الصناعية وتتدفق عبر سماعات الرأس، وليس في مناطق حرية التعبير في الحرم الجامعي التي يمكن مراقبتها والتشويش عليها، والإبلاغ عنها للسلطات المعنية. تأخر الغرب في اكتشاف المشكلة الكبيرة التي كانت ستواجهه؛ كان الأمر شبيهاً بما جرى في الستينيات، عندما كان الأولاد يتطرفون قبل أن يدرك آباؤهم أنهم سيغادرون كنفهم. ولم يكن الأمر مقتصراً على طلاب الجامعات، بل تعداهم كثيراً.

اقرأ أيضاً: أفضل 100 كتاب في القرن الحادي والعشرين

استمع الناس من مختلف الشرائح وفي جميع أنحاء البلاد إلى هذه التسجيلات الصوتية. كان برنامج جو روغان فريداً من نوعه بمزيجه الانتقائي من الضيوف والمواضيع، كان بؤرة لتكرار أفكار بيترسون، سواء تلك التي طورها هو نفسه أم التي طورها مفكرون لم يكونوا على ارتباط وثيق معه. كان يتم تنزيل تسجيلات روغان ملايين المرات كل شهر، ومهما كان الأمر فهو كان يحدث على نطاق واسع جداً، وبسرعة كبيرة تفوق قدرة مراقبي الثقافة التقليديين على استيعابه. وعندما أدرك اليسار أخيراً ما الذي كان يحدث كان كل ما باستطاعته فعله هو أن يفرغ المحيط بملعقة.

عندما نشر بيترسون كتابه “قواعد الحياة الاثنتي عشرة” الذي سرعان ما وصل إلى قائمة أكثر الكتب مبيعاً، انطلق جرس الإنذار؛ لأن اليسار ينظر إلى الكتب كمحرك للثقافة. أصبح الكتاب مادة دسمة للحوار على الصفحات الشخصية والافتتاحيات الرديئة؛ ولكن كان من الصعب مهاجمة الكتاب على خلفية أيديولوجية، لأنه كان غير سياسي للمساعدة الذاتية، وفي الوقت نفسه، كان عملاً أدبياً أكثر فائدة من كثير من الكتب، وقد حقق نجاحاً تجارياً. أحبط كل هذا النجاح منتقدي الكتاب. كانوا يقولون إن ما جاء فيه هو مجرد أفكار بديهية، وهذا الانتقاد بحد ذاته يثير التساؤل المشروع عن سبب غضبهم من مجرد “أفكار بديهية”.

غلاف كتاب 12 قاعدة للحياة لأستاذ الفلسفة قي جامعة تورنتو جوردان بيترسون- أمازون

عرف النقاد أن الكتاب كان من أكثر الكتب مبيعاً؛ ولكنهم لم يتمكنوا من فهم السبب، لأن أشخاصاً منهم لن يقرأوه، ولأنه لم يظهر على قائمة صحيفة “نيويورك تايمز” لأكثر الكتب مبيعاً؛ لأن الكتاب نشر في كندا. ولكنه على كل حال وصل مراراً إلى المركز الأول بين أكثر الكتب غير الخيالية مبيعاً على موقع أمازون. وربما كان الأهم من ذلك أن النسخة الصوتية منه حققت أيضاً مبيعات هائلة. وكما هي الحال في رسائل وتسجيلات بيترسون الصوتية والمرئية، كان جمهوره من الناس المنشغلين بأمور حياتهم اليومية كطي الملابس، وقيادة الشاحنات، والانتظار في زحمة المرور، وممارسة الرياضة. كان الكتاب يضع الكلمات في مشاعر عميقة لم يكن الكثير منهم قادراً على التعبير عنها من قبل.

من الصعب تخيُّل أن يصل كتاب في المساعدة الذاتية إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، إذا كان مؤلفه لم يظهر على الشاشات في البرامج الصباحية الكلاسيكية -اليوم، صباح الخير أمريكا، سي بي إس هذا الصباح- وما لم يكن قد كرس نفسه بشكل كامل لموضوع المساعدة الذاتية. المنتجون قاموا بما عليهم فعله؛ ولكن بيترسون لم يذهب إلى استوديوهاتهم، ويجلس بين مشاهير أسلوب الحياة، ويتحدث لبضع دقائق عن الفوائد النفسية للتدخلات البسيطة في الحياة اليومية للفرد. وهذا الأمر كان من المفترض أن يوقف التقدم، إلا أن بيترسون كان في ذلك الوقت منشغلاً في عمل أشبه ما يكون بجولة كتاب تقليدية وضعته في مواجهة حية مباشرة مع جمهور يزيد عدده على 2500 شخص، بالإضافة إلى الملايين من المستمعين إلى البث الصوتي ومشاهدي البث المرئي عبر الإنترنت. (تمت مشاهدة مقاطع الفيديو التي نشرها بيترسون عبر قناته على تطبيق “يوتيوب” عشرات الملايين من المرات). كان واضحاً أن الكتاب لم يكن بحاجة إلى الترويج له من خلال البرامج الصباحية.

اقرأ أيضاً: «10% ديمقراطية أقل».. كتاب عن النخب والجماهير واتخاذ القرار

أصبح اليسار بحاجة ماسة إلى تشويه صورته، فما كان يقدمه هو وأعضاء آخرون في ما يُعرف بـ”الشبكة الفكرية المظلمة”، هو بمثابة السم الزعاف بالنسبة إلى سياسات الهوية. كانت هنالك رغبة جامعة في إلصاق التهم المدمرة للسمعة به مثل كونه مؤيداً لما يُسمى “الزواج الأحادي القسري”، وهو مفهوم أنثروبولوجي يشير إلى الضغوط المجتمعية الموجودة في بعض الثقافات التي تشجع على الزواج. وكان بيترسون قد ذكر هذا المصطلح خلال مقابلة واسعة الانتشار مع أحد مراسلي “نيويورك تايمز”؛ ما أدى إلى مغالطات لا نهاية لها بأنه يؤمن بأنه يجب على الحكومة أن تتدخل في ترتيب الزيجات. وهنالك أيضاً اعتقاد غير دقيق بأنه يرفض الإشارة إلى المتحولين جنسياً بضمير المذكر أو المؤنث الذي يتوافق مع وضعهم الجديد. في الواقع ما يرفضه هو الالتزام بأية قوانين تفرض على الناس ما يقولونه.

هنالك الكثير من الأسباب التي قد تحمل القراء على كراهية جوردان بيترسون؛ فهو من أتباع أسلوب جانغ الفلسفي، وهذا ليس بالأمر المحبب لديك؛ فهو يعترف أنه شخص جاد للغاية، وربما تعتقد أنه يجب أن يخفف من هذه الجدية من وقت لآخر، وربما تجده مملاً، فأنت غير مهتم لا بسياسات الهوية، ولا بالحجج المضادة لها. هنالك الكثير من الأسباب المشروعة لتختلف معه على عدد من المواضيع، وكثيرون مَن يفعلون ذلك بنية حسنة؛ ولكن لا يوجد أي سبب منطقي لكراهية اليسار غير العقلانية لجوردان بيترسون. فما الذي يفسر هذه الكراهية؟

عالم النفس السويسري كارل جانغ- أرشيف

إن السبب في ذلك هو أن اليسار الذي يبدو صاعداً حالياً في بيوت الثقافة والفن، هو في الحقيقة قد دخل في مرحلة التدهور المتأخرة، وأصبح هشاً للغاية. اليسار لا يخشى من بيترسون؛ بل من الأفكار التي يروج لها والتي لا تتوافق على الإطلاق مع سياسات الهوية. عندما نشر محررو الشعر في صحيفة “ذا نيشن” قصيدة لمؤلف هاوٍ ولكنها تحفل بالكثير من اليقظة، اكتشفوا أنها تعثرت بالكثير من ألغام الصحة السياسية. وعندما نشر هؤلاء المحررون (ومن بينهم بروفيسور في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة هارفرد) رسالة تضج بالتفاهة والحرص على وظائفهم يرجون فيها المغفرة من النقاد، وعندما نشر الشاعر نفسه بياناً له -رسالة تقع في مكان ما بين الاعتذار والصلاة ورسالة الانتحار- وعندما يكون كل ذلك مقبولاً في بيوت الثقافة المقدسة، كإحدى الحوادث الصغيرة المؤسفة التي قد تقع على الطريق نحو العدالة الأسمى، عندما يحدث كل ذلك، فإن هذا يعني أن شيئاً ما يموت.

عندما ينشر رأس صحيفة “ذا نيويورك تايمز” بياناً رصيناً حول لقاء له مع الرئيس يصف فيه محاضرته لترامب حول “خطابه المقلق جداً في عدائه للصحافة”، وبعد ثلاثة أيام تعلن الصحيفة أنها وظفت كاتبة كانت قد نشرت تغريدة أعربت فيها عن كراهيتها للأشخاص البيض، وللجمهوريين ورجال الشرطة والرئيس، وعن ضرورة منع بعض الكاتبات والصحفيات من الوجود أصلاً، وعندما تجلس مثل هذه الكاتبة في هيئة تحرير الصحيفة، وتسهم في تشكيل الرأي الذي تطرحه الصحيفة للعالم، عندها لا غرابة في ظهور ثقافة موازية من أفكار انبثقت لتحل محل نظام فاسد. وعندما يتم الدفع بباراك أوباما ليمرر رسالة أثناء كلمة له في جنوب إفريقيا، مفادها أن الحضارة تكون قد وصلت إلى طريق مسدود عندما تقرر أن أحداً ما ليس له “المكانة ليتكلم” إذا كان رجلاً أبيض؛ وعندما يتم تجاهل حتى استغاثة كهذه فذلك يعني أن ساعة النهاية قد اقتربت.

اقرأ أيضاً: قراءات في كتب كبار الفلاسفة (1): ما وراء الخير والشر.. فريدرك نيتشه

وفي وسط حشرجات الموت هذه، جاءت مجموعة من المفكرين؛ وعلى رأسهم بيترسون، لتقدم وسيلة بديلة لفهم العالم إلى مجموعة كبيرة من الناس المتعطشين لها. جمهوره ضخم جداً وواسع التنوع؛ ولكنّ عدداً كبيراً من معجبيه هم من الرجال البيض. فكان الافتراض التلقائي لليسار بأن هذا الجمهور معادٍ للنساء والليبراليين؛ ولكن العكس هو الصحيح. يكرس اليمين البديل سياسات الهوية بنفس الحماس الذي لدى اليسار، كما يكشف عنوان مقال أُعيد نشره مؤخراً على موقع “كاونتر كارنتس” التابع لليمين البديل: “رفض جوردان بيترسون سياسات الهوية يسمح بالإبادة العرقية للبيض”.

سياسات الهوية تقلل من قيمة الفرد- “وول ستريت جورنال”

وإذا كنت تعتقد أن رد الفعل على نوع الفلسفة الذي نتج عن قصيدة صحيفة “ذا نيشن” أو أن سلوك صحيفة “نيويورك تايمز” واستغاثة أوباما، ليست مسؤولة ولو جزئياً عن انتخاب دونالد ترامب، فأنت تحلم بالتأكيد. وإذا كنت تعتقد أن النوع الوحيد من الناس الذين سيرفضون مثل هذا الجنون هم الجمهوريون فأنت مضلل أيضاً. ففي طول البلاد وعرضها هنالك أناس يرفضهم البيت الأبيض الحالي، كما هي الحال مع التعبيرات الباروكية المتزايدة عن سياسات الهوية التي تسيطر على جزء كبير من الثقافة. هؤلاء هم الناس الذين لا يبحثون عن الأيديولوجية؛ بل يبحثون عن الأفكار. والكثير منهم يتحسن كثيراً في التمييز بين ما هو جيد وما هو سيئ. الحزب الديمقراطي يلعنهم ويعتبرهم خطراً، والحزب الجمهوري يعتبرهم حمقى دون أدنى شك.

إذن، ربما تكون أخطر “بديهيات” كتاب بيترسون الجديد، هي تلك التي في مطلعه، حيث ينقل الحكمة الأساسية لأي شخص مهتم بمحاربة النظام القوي القائم؛ إذ تقول قاعدته الأولى: “انتصب واقفاً شامخ الرأس”.

♦محررة في صحيفة “ذا أتلانتيك” ومؤلفة كتاب “أرض البنت” وكتاب “ليذهب كل ذلك إلى الجحيم”.

المصدر: ذا أتلانتيك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات