الواجهة الرئيسيةترجماتملفات مميزة

لماذا يحتاج كل من الفِكر الإسلامي المتطرف و”أقصى اليمين” في الغرب بعضهما البعض؟

"حلفٌ بلاغيٌ" بين الفِكر الإسلامي المتطرف وأقصى اليمين في الغرب

ترجمة كيو بوست – 

نشرت مجلة فوكس الأمريكية مقالة تتحدث فيها عن “عامل إسنادٍ مشترك” بين الفِكر الإسلامي المتطرف في الشرق الأوسط وأقصى اليمين في الغرب، إذ يعتمد كلا الطرفين على روايتين تُسنِد كلٌ منهما الأخرى. وبحسب المجلة، فإن كل طرف يستخدم دعايةً مبنيّةً على “عداء” الطرف الآخر، بهدف إذكاء مشاعر البغضاء لدى جماهير كل طرف. والهدف من ذلك هو تقديم روايةٍ تُمكّن كل طرفٍ من تحقيق قبولٍ واسعٍ لدى الناس، من أجل الوصول في نهاية المطاف إلى السلطة والمراكز السياسيّة الحسّاسة.

تستند المجلة في مقالتها إلى كتابٍ جديدٍ حمل عنوان “غضبٌ متبادل: الحلقة المفرغة للمتطرفين الإسلاميين ومجموعات اليمين المتطرف في الغرب”، من تأليف الباحثة والمؤلّفة الأسترالية المعروفة “جوليا إبنر“؛ إذ تناقش فيه ما أسمته “تحالفٌ بلاغيٌ” بين المتطرفين الإسلاميين في الشرق الأوسط، ومجموعات اليمين المتطرف في الغرب.

أجرت المجلة حوارًا مع “إبنر” حول كتابها الجديد، ووضعت أمامها مجموعة من الأسئلة تتمحور حول مخاوف الشعوب من تصاعد الأفكار المتطرفة في كل مكان.

تعتقد “إبنر” أن الأيدلوجيات المتطرفة باتت تحاصر المجتمعات في دوّامة من الكراهية المتبادلة، ويتجلّى ذلك في روايتيّ اليمين المتطرف في الغرب، والفِكر الإسلامي المتطرف في الشرق الأوسط، اللتين تغذّيان بعضهما البعض في إطار “تحالف خطابي” يخدم كلٌ منهما الآخر. على سبيل المثال، يدّعي المتطرفون الإسلاميون، مثل القاعدة وداعش وغيرهما، بأن الغرب يشنّ حربًا شرسة على الإسلام، بينما تدّعي مجموعات اليمين المتطرف الغربية، مثل رابطة الدفاع الإنجليزية، أن المسلمين يخوضون حربًا عدائية على الغرب. ولذلك، فإن النتيجة الحتميّة لهاتين الروايتين هي الكراهية المتبادلة التي ربما تحرق الأخضر واليابس في يومٍ من الأيام. وتضيف “إبنر” أن الحال سيزداد سوءًا يومًا بعد يوم إن لم نقف في وجه التطرف المقيت، وحينها قد نسقط في حلقةٍ مفرغةٍ من الانقسامات المتصاعدة التي لا تُحمد عقباها.

ما يحصل في حقيقة الأمر هو أن “أقصى اليمين” في الغرب يصوِّر الفِكر الإسلامي المتطرف على أنه ممثّلٌ للمجتمع الإسلامي ككل، وفي المقابل، يصوِّر المتطرفون الإسلاميون “أقصى اليمين” على أنه ممثلٌ للغرب بكامله. والأسوأ من ذلك، هو أن المتطرفين من كلا الجانبين باتوا يزحفون أكثر فأكثر باتجاه المراكز السياسية، الأمر الذي أدى إلى رواج هذه الأفكار بين الناس، وبالفعل، لاقت قبولًا لدى قطاعات واسعة من الجمهور، والنتيجة الحتميّة هي تحوُّل رواية صراع الحضارات إلى نبوءة تحقيق الذات.

ما يثير القلق هو أن هذه الروايات تعزز بعضها البعض، وبات من الصعب الفرار منها. هنالك ارتباط وثيق بين الروايتين، ولا يمكن لأحدهما الصمود دون وجود الأخرى. وكلّما ارتفع صوت الطرفين، كلما زادت أفعالهما عدائيةً، وكلما أصبحنا أكثر تطرفًا، وكلما ازداد سقوطنا في دائرة الفعل ورد الفعل. وبعبارة أخرى، كل طرف يستثمر بنجاح الطرف الآخر؛ فمن شأن أي هجوم إرهابي ناجح أن يؤكد رواية الطرف الآخر. هم يريدون رؤية المجتمعات منقسمة ومليئة بالفوضى؛ فعندما يكون الأفراد خائفين يصبحون أكثر عرضةً لتصديق الروايات المتطرفة. وبالتالي، كل جانب لديه سبب وجيه للاحتفال عند حدوث شيء فظيع. على سبيل المثال، لو قام داعش بتفجير مركزٍ تجاريٍ في مدينة أوروبية، سيفرح اليمين المتطرف في الغرب، وسيقول “أرأيتم! كنّا على حق طوال الوقت، المسلمون يشنّون حربًا ضدنا”. وبالمثل؛ من شأن خطابات اليمين المتطرف الغربية العدوانية أن تعطي مزيدًا من “العلف” للمتطرفين الإسلاميين لترويج روايتهم حول الغرب “المعادي للإسلام”.

تتشابه الروايتان إلى حدٍ كبيرٍ من حيث طبيعة الفِكر المتطرف، والانحطاط الأخلاقي، والتأثير السياسي الكبير. ويعتمد كلا الطرفين على التظاهر بالظلم، وشيطنة الآخر، وكلاهما يلقيان باللوم على “المؤسسة السياسية الفاسدة”، و”وسائل الإعلام المزوِّرة” عن كل ما يحدث من خطأ وجرم. وبالطبع، كلاهما يهدفان إلى إحداث تغيير اجتماعي جذري من خلال خلق ثقافات مضادة.

نجد عند كلا الجانبين جماعات تتبنى حلولًا عنيفة تشمل الإرهاب وجرائم الكراهية من أجل تحقيق أهدافها. وهنالك جماعات أخرى تلجأ إلى إستراتيجيات بديلة تشمل الخطاب الديني المتطرف، والوعظ المبني على الكراهية، وحرب المعلومات، والتضليل، وغيرها من الوسائل. وفي نهاية المطاف، كلاهما يهدفان إلى تشجيع نظريات المؤامرة والتفكير المروّع، التي من شأنها أن تحرّض على العنف، وفي بعض الحالات تُلهم الإرهاب. لقد أجريتُ مقابلات سرية مع أعضاء من داعش وحزب التحرير، ومع ناشطين من “رابطة الدفاع الإنجليزية” وغيرها من المنظمات الغربية المتطرفة، وقد لاحظتُ العديد من أوجه التشابه في خطاب كلا الطرفين، فكل جانب ينزع الإنسانية عن الجانب الآخر في نهاية المطاف. وكل طرف يستخدم تعبيرات غير إنسانية ضد الطرف الآخر مثل “وحوش”، و”صراصير”، و”يغتصبون نساءنا”، و”يأخذون أراضينا”، و”يتآمرون على حضارتنا”، وأحيانًا يشيرون إلى ضرورة البدء بالقتال بشكل استباقي لحماية أنفسهم.

لقد أدّت الهجمات الجهادية إلى مقتل العديد من الأبرياء في السنوات الأخيرة، وجذبت الكثير من اهتمام وسائل الإعلام بسبب طبيعتها المثيرة. في المقابل، كانت الهجمات اليمينية الغربية المتطرفة ضد طوائف الأقليات، ومخيمات اللاجئين، والمعارضين السياسيين، أكثر تواترًا وتكرارًا، ولكنها أقلّ إثارة، ونتيجة لذلك، نادرًا ما وُصِفَت بالإرهاب. وللأسف، من السهل جدًا إدانة شيء دخيلٍ علينا مثل “الجهادية” ووصفه بالشر، ولكن من الصعب جدًا إدانة شيء وُلِدَ من رحم ثقافتنا؛ فهذا يتطلب شجاعةً كبيرة ونقدًا ذاتيًا صريحًا.

يمكن وصف هذا العصر بـ”عصرِ الغضب”، وبالطبع، أنا لا أنكر بأن العقود السابقة شهدت أنواعًا عديدة من التطرف المتبادل، لكن المرحلة الحالية تختلف اختلافًا جذريًا عما مضى. ما يميّز هذه المرحلة الزمنية من التطرف هو سهولة نشر الأخبار الزائفة، والمعلومات المضللة، والروايات الكاذبة عبر الإنترنت، وبشكل مكثّفٍ وواسع النطاق. لقد غيرت سرعة الاتصالُ الطريقةَ التي تعملُ بها السياسة، وأصبح بمقدور الناس تشكيل تحالفاتٍ واسعةٍ عابره للحدود، بطريقة لم يتمكنوا من تحقيقها من قبل.

أصحاب الفِكر المتطرف يتمتعون اليوم بوسائل تكنولوجية حديثة وأدوات قوية للغاية، لم يحظَ بها المتطرفون السابقون؛ أيام الحرب الباردة، على سبيل المثال. يمكن للناس اليوم خلق رواياتٍ خاصة بهم على الإنترنت، ويمكنهم إنشاء شبكات أخبار بديلة، وهي وسائل لم تكن متاحة قديمًا. المتطرفون الإسلاميون ومجموعات اليمين المتطرف الغربية اعتمدوا تكنولوجيات جديدة منحتهم القدرة على ترويج دعاياتهم إلى كل بقعة في العالم، وبأساليب مذهلة جدًا.

ملصق يحذر من عمليات اليمين المتطرف

تتشابه المجموعات المتطرفة عند كلا الجانبين من حيث أساليب إغواء الناس نحو التشدّد، وقد لاحظنا بأن المنظمات اليمينية المتطرفة في الغرب تستنسخ تكتيكات واستراتيجيات الاتصال التي يستخدمها داعش. على سبيل المثال، قامت مجموعة “شبكة العمل الوطني” بتقليد دعاية داعش من خلال نشر صورٍ وأشرطة فيديو تبدو متطابقة للغاية مع دعاية داعش. كما وتبنّت إستراتيجيات تجنيدٍ ومعسكرات تدريبٍ على غرار تلك التي نظّمتها داعش. هنالك أيضًا إستراتيجيات متداخلة على مواقع التواصل الاجتماعي وصلت إلى حدّ التطابق التام؛ فالمتطرفون من كلا الجانبين تعلّموا من بعضهم البعض بما يخص استخدام تويتر وفيسبوك لترويج دعاياتهم بالطريقة المثلى. جميعهم يختبؤون وراء حسابات مجهولة الهوية لدفع أفكارهم إلى المجال العام لجذب الناس نحو معسكراتهم، ولا سيّما الشباب.

لقد أمضيتُ وقتًا طويلًا في إجراء مقابلاتٍ مع متطرفين من كلا الجانبين، ولاحظتُ بأنهم أشخاصٌ يتّسمون بالضعف الشديد، وأشعر حقًا بالأسى والحزن تجاههم، لِما مرّوا به من تجارب مفجعة حقًّا. ولكي أكون واضحة بشكل أكبر، أنا لستُ متعاطفةً مع الإرهابيين والمتشددين، ولكن ينبغي علينا فهم هؤلاء الناس لمعرفة الأسباب التي أدّت بهم إلى هذا المكان البغيض. ومن جديد، أنا لا أبرر أعمال العنف التي يرتكبونها، ولكن كان لا بدّ من الجلوس معهم لأعرف كيف أصبحوا متطرفين، ولأدرك بأن رواياتهم مبنيّة على أنصاف حقائق مختلطة بنظريات مؤامرة، تلقى قبولًا لدى أنواع معينة من الشباب. ومن خلال جلوسي مع هؤلاء المتشددين، بتّ أفهم كيف ترتبط الأيدلوجيات المتطرفة عند كلا الطرفين ببعضها البعض.

من الواضح جدًا أن “الحل الوسط” بدأ بالتلاشي، وأن الظواهر المتطرفة آخذةٌ في الارتفاع. ينبغي علينا الحديث مع بعضنا البعض، حتى لو اضطررنا للجلوس مع المتطرفين، وهذا أمر ضروري لمنعهم من عزل أنفسهم والانحدار نحو مزيد من التطرف. علينا أن نتعامل معهم قبل أن نفقدهم، والتحديّات المقبلة وشيكة وهائلة.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة