الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

لماذا يحتاج اليمن إلى أكبر عملية إغاثة في العالم؟

لطالما كان عمل المنظمات الإغاثية في اليمن معرضاً للعراقيل ومثيراً للسخط بسبب سياسات الحوثيين والحكومة الشرعية على السواء.. لكن جائحة كورونا قلبت الموازين

كيوبوست 

على الرغم من محدودية عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا في اليمن حتى الآن؛ فإن العدد قد جاء بشكل مفاجئ، وهو ما يشير إلى أن الفيروس قد انتشر منذ بضعة أسابيع، دون أن يتم اكتشافه أو التخفيف من حدته، وهناك مخاوف من أن يصيب الفيروس 55% من السكان، حسب مسؤولي الأمم المتحدة.

ومما يزيد الأمور سوءاً هو انتشار عدد من الأوبئة الأخرى؛ كالملاريا والكوليرا، في عدن التي شهدت أعلى نسبة وفيات في العالم بسبب “كوفيد-19″؛ حيث يموت 17% من المصابين، حسب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

شاهد: الأوبئة.. التحدي الجديد لليمن

الأوضاع المأساوية في اليمن المنكوب بالجوع والمنهك بالصراعات، دفعت الأمم المتحدة لإطلاق أكبر عملية إغاثة في العالم، تستهدف جمع 2,4 مليار دولار لمساعدة الملايين في اليمن. يأتي ذلك في ظل توقعات بخفض، أو حتى إغلاق بشكل كامل لنحو 31 من أصل 41 برنامجاً للأمم المتحدة في اليمن؛ بسبب الإفلاس.

قيود على الإغاثة

لطالما كان عمل المنظمات الإغاثية في اليمن معرضاً للعراقيل ومثيراً للسخط؛ بسبب سياسات الحوثيين والحكومة الشرعية على السواء؛ فمنذ فبراير هذا العام هددت الولايات المتحدة بوقف دعم أغلب برامج المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، بسبب القيود التي تفرضها الجماعة على المنظمات الإنسانية.

مانحون وعاملون آخرون في مجال الإغاثة يحذون حذو الولايات المتحدة أيضاً؛ بسبب عراقيل الحوثيين التي وصلت إلى حد المطالبة باقتطاع 2% من مجمل ميزانية المساعدة التي تقودها الأمم المتحدة. أما العراقيل التي تضعها الحكومة الشرعية فقد شملت تعطيلها عشرات المشروعات الإنسانية؛ بسبب عدم الموافقة عليها أو المماطلة في الرد على طلبات التراخيص.

اقرأ أيضاً: دول تساعد اليمن ودول تسحقه

وعلى الرغم من أن تبرُّم المنظمات الإغاثية ليس جديداً؛ فإن توقف الدعم فعلياً سيكون بلا شك كارثياً في ظل الأوضاع الحالية، حيث تشهد البلاد انتشاراً واسعاً للأوبئة التي من بينها “كوفيد-19″، ومن المرجح أن تكون أعداد المصابين الفعليين والمحتملين أكبر بكثير مما تعلنه الجهات الرسمية في البلاد؛ بسبب انخفاض القدرة على إجراء الفحوصات ونقص الموارد وانعدام الشفافية.

منظمة الصحة العالمية توزع مياهاً صالحة للشرب في تعز- منظمة الصحة العالمية

غموض وتكتم

 تكتُّم الحوثيين المحتمل على عدد الإصابات بـ”كوفيد-19″ يثير المزيد من المخاوف أيضاً؛ حيث يتحدث مواطنون ونشطاء وعاملون في القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين، عن أعداد وفيات أكبر بكثير مما تعلنه سلطات الحوثيين. ولا تزال أسباب تكتُّم الحوثيين غير واضحة؛ لكن التكهنات تشمل رغبة الحوثيين في الحفاظ على معنويات وتدفقات مُجنديهم، والإبقاء على قوتهم التفاوضية مع السعودية من خلال عدم إشعارهم بضعفهم.

الأضرار الاقتصادية والاجتماعية المحتملة نتيجة الإغلاقات يمكن أن تكون من بين أهم الأسباب التي تدفع الحوثيين إلى التقليل من شأن الجائحة أيضاً. يعتمد الحوثيون على الضرائب وأشكال مختلفة من الإتاوات؛ لتمويل أنشطتهم ومجهودهم الحربي، ويمكن أن تؤدي إجراءات الوقاية من انتشار الفيروس إلى تقليل تلك الإيرادات. على سبيل المثال، تعتبر أسواق بيع نبتة القات، وهي من النباتات المخدّرة، من أكثر الأسواق اليومية ازدحاماً، كما تعتبر عادة مضغ القات لساعات، وفي مجموعاتٍ تصل إلى العشرات، من العادات التي توارثتها الأجيال في شمال اليمن لمئات السنين.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

تم إغلاق أسواق القات بالفعل في مدينة المكلا ومناطق ساحل محافظة حضرموت جنوب شرق اليمن المُحرر؛ لكن القيام بالمثل في صنعاء، ومناطق سيطرة الحوثيين في الشمال، لن يكون بذات السهولة أو التأثير، بسبب رسوخ تلك العادة والاعتماد الاقتصادي الكبير عليها؛ حيث يشير بعض التقديرات إلى أن اليمنيين ينفقون 1,2 مليار دولار سنوياً على شراء القات، وتعتمد تجارته على النقابات وشبكة واسعة من التجار والوسطاء في جميع أنحاء البلاد، رابطةً نحو 20% من العمالة الوطنية بإنتاجه وبيعه.   

مجموعة من اليمنيين في جلسة مضغ القات- جديد سيدي

هل سيتمكن اليمنيون من الصمود أكثر؟

تشير التقديرات إلى أن ربع مليون يمني لقوا حتفهم منذ بدء الصراع؛ بسبب القتال أو لأسبابٍ غير مباشرة، كضعف الخدمات الصحية. كما وصلت خسائر الإنتاج الاقتصادي إلى 89 مليار دولار خلال العام الماضي. ومع ذلك، كان من الممكن أن تكون النتائج أسوأ بكثير لولا بعض العوامل التي أسهمت في تخفيف وطأة الصراع؛ ومن أبرزها قطاع الزراعة الذي يوفر 53% من إجمالي القوى العاملة في البلاد، وبضعة ملايين من المغتربين في الخارج الذين يُحولون مليارات الدولارات سنوياً إلى ذويهم في اليمن.

اقرأ أيضاً: كيف يؤثر المغتربون اليمنيون في اقتصاد واستقرار اليمن؟

لقد تمكن السكان في شمال اليمن بالفعل من النجاة خلال حرب شمال اليمن الأهلية في الفترة من 1962- 1970؛ بسبب طبيعة الريف والاعتماد على الزراعة كمصدر للرزق وتمويل الجبهات. كما تمكن سكان صعدة، معقل الحوثيين، من الصمود إلى حد كبير أيضاً خلال صراع صعدة من 2004 إلى 2009؛ بفضل طبيعة منطقتهم التي تدفعهم نحو الاستقلالية، والقيمة الاقتصادية والاجتماعية للزراعة التي تمكنهم من جمع المال في الرخاء والصمود وقت الأزمات.

ولكن العوامل التي أدت دور طوق النجاة بالنسبة إلى ملايين اليمنيين لم يعد بإمكانها اليوم فعل الكثير بسبب جائحة كورونا التي تؤثر على كل اقتصادات العالم ومرافقه الصحية؛ بما في ذلك دول اغتراب اليمنيين، وكذلك الأوبئة الأخرى المنتشرة في اليمن، كالملاريا والكوليرا والضنك والشيكونغونيا.

إن ما يجعل تأثير الأوبئة والكوارث الطبيعية كارثياً هو عدم القدرة على التنبؤ الدقيق بها، وبالتالي عدم الاستعداد الجيد لها. فعلى سبيل المثال؛ تمكنت الأمم المتحدة، في فبراير العام الماضي، من الحصول على تعهدات بقيمة 2,6 مليار دولار خلال مؤتمر رفيع المستوى لإعلان التعهدات بشأن اليمن، وقد خصصت 2,2 مليار منها من أجل الغذاء وزيادة دخل الأُسر؛ تاركةً القليل فقط لدعم القطاع الصحي ومكافحة الأمراض المعدية. واليوم، أصبح اليمن أسرع في الخُطى نحو السقوط من حافة الهاوية ما لم يتلقَّ دعماً مالياً فورياً، وما لم يغيِّر الحوثيون والحكومة الشرعية من سياساتهم وفسادهم الذي يمارسونه ضد الشعب اليمني.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة