الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

لماذا يثير شغف الكرة إشكالية الهوية عند المهاجرين المغاربة؟

ظاهرة يجد المراقبون أنها ترتبط بانعدام التوازن النفسي بين الانتماء إلى البلد الأم وبلد المهجر

كيوبوست – حسن الأشرف

أعادت أحداث الشغب التي تسبب فيها أفراد منتسبون إلى الجالية المغربية والعربية في بلجيكا وهولندا بالخصوص، بعد فوز المنتخب المغربي لكرة القدم على منتخب بلجيكا في منافسات كأس العالم المقامة حالياً بقطر، إلى الواجهة مسألة أزمة الهوية؛ لا سيما عند مزدوجي الجنسية لدى الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا.

وتوزعت ردود أفعال مراقبين ومتابعين بشأن ما حصل في بعض مدن بلجيكا وهولندا من أحداث شغب وعنف وتخريب، بين ما اعتبر ذلك ملمحاً ومظهراً من مظاهر أزمة الهوية الخانقة التي تتخبط فيها أغلبية المهاجرين، وبين مَن يرى تلك الأحداث أفعالاً معزولة تنم فقط عن “سوء تربية وقلة وعي”، وأن الأمر لا يتعلق أساساً بموضوع هوية المهاجرين في بلدان أوروبا.

اقرأ أيضاً: تشكُّل الولاء والهوية عند مسلمي فرنسا

شغب المهاجرين

وشهدت بلجيكا وهولندا أيضاً أحداث شغب وتخريب ممتلكات وسيارات، ومواجهات بين أفراد الشرطة والمشاغبين، عقب مباراة المنتخبَين المغربي والبلجيكي خلال منافسات “المونديال”، والتي انتهت بفوز “الأسود” بهدفين لصفر، لتعم الفرحة ويخرج العديد من أبناء الجالية المغربية إلى شوارع بروكسيل وروتردام للاحتفال، قبل أن تتحول الفرحة إلى أحداث شغب مؤسفة.

في بلجيكا اندلعت حوادث شغب في شوارع العاصمة بروكسل اتسمت بمواجهات مع رجال الأمن، وتخريب ممتلكات عامة وسيارات؛ حيث كان المخربون يرتدون أغطية الرأس حتى لا تُعرف ملامح وجوههم، كما كانوا مسلحين بالعصي، وأضرموا النيران في الشارع، وَفق إفادات أجهزة الأمن البلجيكية.

واجهت الشرطة البلجيكية انفلات أمني

وواجهت الشرطة البلجيكية هذا الانفلات الأمني الذي تسبب فيه مهاجرون شبان، من مزدوجي الجنسية، وَفق ما أوردته صحف بلجيكية، باستعمال خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، لتتحول شوارع بروكسل إلى ساحة حرب حقيقية بين المهاجرين ورجال الأمن.

وبدورها، شهدت هولندا، الأحد الماضي، أعمال شغب من طرف مهاجرين مغاربة مقيمين في بعض مدن “بلاد الأراضي المنخفضة”، بدعوى التعبير عن الفرحة بإطلاق أبواق السيارات، قبل أن تتحول تلك المسيرات إلى أحداث شغب وإضرام نيران.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يُهدِّد الهوية الإندونيسية

ردود فعل قاسية

ورافقت أحداث الشغب هذه ردود فعل صارمة وصلت إلى حد إطلاق نعوت قاسية في حق المهاجرين المغاربة المقيمين في بلجيكا وهولندا؛ كان أبرزها تصريحات ومواقف سياسيين ربطت بين فشل سياسة الهجرة وأحداث الشغب، كما دخلت على الخط صحف ووسائل إعلام البلدَين بأوصاف لاذعة في حق المهاجرين المغاربة والعرب في أوروبا.

ويعتبر المهاجرون المغاربة أكبر جالية من أصول غير أوروبية تُقيم في بلجيكا، كما أن المهاجرين المغاربة يتصدرون لائحة الجاليات الأجنبية الحاصلة على الجنسية البلجيكية بنسبة 24 في المئة.

الجالية المغربية من أكبر الجاليات في بلجيكا

وتوعد المسؤولون في كل من بلجيكا وهولندا بأن يُعاقب مثيرو الشغب، وأن ما حصل لا يمكن أن يمر مرور الكرام؛ فقالت وزيرة العدل الهولندية إنه يجب محاكمة المنحرفين الذين أثاروا أحداث التخريب، وسمت ما قاموا به بالإجرام الشنيع.

من جهتها، أبدت وزيرة الداخلية البلجيكية استياءها الكبير مما وقع، داعيةً الشرطة إلى الضرب بيد من حديد على كل مَن تسبب في الشغب والفوضى بعد المباراة، بينما اعتبر مستشارون سياسيون بلجيكيون تلك الأحداث دليلاً على فشل سياسة الهجرة التي اتبعتها بلجيكا.

ونعتت إحدى كبرى الجرائد الهولندية، وهي “تلغراف”، المهاجرين المغاربة الذين خرجوا إلى شوارع أمستردام، بأنهم “حثالة قذرة” أثاروا غضب الهولنديين؛ بسبب سوء سلوكهم بالتعبير عن فرحتهم لفوز منتخبهم الكروي في كأس العالم 2022.

سلوك الممانعة والتصادم

أحمد عصيد

ويعلق الكاتب والباحث المغربي أحمد عصيد، على الموضوع بالقول إن مشكلة الانتماء المزدوج للجنسية الأجنبية والوطن الأصلي، هي أمر مفهوم بالنسبة إلى الأجيال المعاصرة، وقد يتغير الأمر بعد عقود أو أجيال؛ لكن المشكلة الحقيقية هي في العنف والمواجهة المدمرة وأعمال التخريب.

وتابع عصيد موضحاً، في تصريحات لـ”كيوبوست”، بأنه “إذا كانت مشكلة الهوية المزدوجة وتمزق الشعور بالانتماء تعود إلى فشل عملية الدمج والانصهار، فإن العنف والتخريب سببهما الرئيسي عامل نفسي يجعل الانتصار في كرة القدم نوعاً من الشعور بالتفوق على البلد المضيف، وهو شعور سرعان ما يصبح مأساوياً بسبب الإحساس في نفس الوقت بالغبن والإقصاء والتهميش الذي يعانيه المغاربة من سكان الأحياء المهمشة؛ حيث نسبة البطالة أكثر ارتفاعاً، وكذا نسبة الهدر المدرسي والجهل ونسبة الإقبال على المخدرات والتطرف الديني أكثر من أحياء أخرى عادية”.

اقرأ أيضاً: عن الهوية والكبت والحياة السرية في إيران

واستطرد المحلل ذاته قائلاً: “هنا يصبح الدين والعقيدة وكذلك كرة القدم عامل إذكاء للصراع والتصادم؛ فالمنطقي هو الاحتفال بعد الفوز في الكرة، لكنّ الشباب المهاجرين تنقلب عندهم المعايير بسرعة، فيصبح الفوز بالكرة انتقاماً من البلد المضيف ومن التهميش والتمييز الذي يشعرون به”.

واعتبر عصيد هذا الواقع تعبيراً عن نفسية معقدة مليئة بالتوترات؛ وهو من مظاهر أزمة الهوية الخانقة التي تتخبط فيها أغلبية المهاجرين، مما يجعل التظاهر والتعبير عن الفرح ورفع الأعلام الوطنية تعبيراً عن التمسك بهوية أصلية ضد البلد الذي يأويهم؛ ولكنهم لا يشعرون فيه بالتوازن النفسي المطلوب”.

أحداث شغب في بلجيكا وهولندا- (صورة: GETTY)

 

وأكمل عصيد بأن “الشروط التي تربى فيها هؤلاء المهاجرون وعاشوا وكبروا لا تُشعرهم بالأمان”، لافتاً إلى ما سماه التأطير الأيديولوجي للجمعيات والمساجد التي تزيد الطين بلة، لأنها عوضاً عن أن تؤطر في الاتجاه الصحيح، تخلق تعميق الأزمة وتشجع على ثقافة الممانعة والتصادم”.

مشكلات الهوية

من جانبه، يرى الكاتب الصحفي المقيم في فرنسا، يوسف لهلالي، أنه عند كل لقاء بين أحد بلدان “المغرب الكبير” (المغرب والجزائر وتونس خصوصاً) وبعض البلدان الأوروبية؛ خصوصاً من القوى التي احتلت بلدان هذه المنطقة، تبرز بعض المشكلات المرتبطة بالهوية، مستدركاً بأن “هذا المشكل كان يُطرح بشكل أساسي بين فرنسا والجزائر لتعقد العلاقة التاريخية والاستعمارية بين البلدَين، وتبرز مشكلات الهوية والذاكرة بمناسبة مقابلات رياضية على وجه الخصوص”.

يوسف لهلالي

واستطرد لهلالي، في تصريحات لـ”كيوبوست”، بأن هذه الظاهرة لم تكن تخص المغرب؛ لأن المغرب كان تحت الحماية الفرنسية، ولم يكن خاضعاً لاستعمار مباشر، بما سمح له بالحفاظ على مؤسساته ولو بشكل صوري.

وبالعودة إلى أحداث الشغب التي عرفتها بلجيكا وهولندا، أفاد المتحدث أن “أغلب المغاربة القاطنين في هذه البلدان لهم جنسية مزدوجة، ولهم ارتباط ببلد الأصل وبلد الاستقبال”، مردفاً بأن “مباراة في كرة القدم قد تطرح حرجاً بشأن أي بلد يجب مساندته، هل البلد الأصلي أم بلد الإقامة؟”.

اقرأ أيضاً: هكذا يعاني مسلمو الغرب من أزمة الهوية

وتابع مستدركاً: “لكن عمليات التخريب مرتبطة بجماعات من المخربين الذين ينتظرون هذه المناسبات والتظاهرات النقابية أو الاحتجاجية أو الرياضية للتخريب والسرقة، ولا علاقة لهذه السلوكات بالهوية أو الرياضة، باستثناء الركوب على هذه المناسبات كيفما كانت طبيعتها وشكلها”.

وأكمل لهلالي بأن نفس الظاهرة تعرفها فرنسا أيضاً؛ حيث يتم التخريب على هامش العديد من التظاهرات النقابية والرياضية، مضيفاً أن “الأغلبية الساحقة ليست لديها علاقة بأعمال التخريب التي تتبع مقابلة الكرة؛ إذ يجد البعض أنفسهم يحملون الأعلام وسط هذه التظاهرات التي يقتحمها هؤلاء المخربون الذين يهدفون إلى استغلال المناسبة لسرقة المحلات التجارية، وليس الاحتجاج أو الفرح بمناسبة رياضية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة