الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

لماذا يتعاطف اليسار الفرنسي مع الإسلام السياسي؟

ملف طرد إمام مغربي يعيد إلى الواجهة التعاون الخفي بين أقطاب الحركات الإسلامية واليسار الراديكالي في فرنسا

كيوبوست – حسن الأشرف

أبدى اليسار الفرنسي “تعاطفاً” لافتاً حيال الإسلاميين سواء في الانتخابات الماضية، أو في قضية طرد السلطات الفرنسية للداعية ذي الأصول المغربية حسن إيكويسن، بتهمة إثارة ونشر خطاب الكراهية ومعاداة السامية، حيث احتج حزب “فرنسا الأبية” بقوة على قرار مجلس الدولة الفرنسي بطرد الداعية.

ويرى مراقبون أن محاباة اليساريين الفرنسيين، خصوصاً حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي، بقيادة السياسي المخضرم جان لوك ميلانشون، للإسلاميين في فرنسا، ليس مجاناً ولا اعتباطياً، فهو “تصفية حسابات سياسوية انتخابية مع اليمين المتطرف، كما يضمن لهم حضوراً قوياً وتعاطفاً مستديماً داخل أوساط الجالية المسلمة في فرنسا”.

اقرأ أيضاً: حسن إيكويسن.. الإمام المغربي الذي طردته فرنسا!

وبعد أن قررت السلطات الفرنسية رسميا طرد الداعية المغربي، الذي يوصف بتبعيته لجماعة “الإخوان المسلمون”، تبين أن إيكويسن فرَّ إلى بلد مجاور، يُعتقد أنه بلجيكا، في الوقت الذي قرر المغرب بشكل مفاجئ من جهته سحب موافقته القنصلية بشأن استقبال هذا الإمام المثير للجدل، بعد أن كان قد أصدر تصريحاً في مطلع أغسطس الماضي بموافقته استقبال إيكويسن.

محاباة الإسلاميين؟!

وندَّد حزب “فرنسا الأبية” أو “فرنسا العصية” بقرار مجلس الدولة الفرنسي، الذي يعد أعلى محكمة إدارية في البلاد، باعتماد طرد الداعية المغربي؛ لأنه قرار “قد يفتح باب “الطرد التعسفي” على مصراعيه”، محذراً من أن يقوِّض قرار طرد إيكويسن دولة الحق والقانون بفرنسا.

الداعية المغربي حسن إيكويسن (صورة: مواقع التواصل)

وطالبت قيادات في حزب “فرنسا العصية” بمحاكمة الداعية المغربي من طرف العدالة الفرنسية، مشددة على أن قرار مجلس الدولة يمكن أن يؤدي إلى “إضعاف سيادة القانون”، ويمثل ضغطاً من قبل “السلطة التنفيذية على القضاء”، كما تساءلت هذه القيادات اليسارية عما إذا لم تعد فرنسا بلداً يسود فيه القانون بالكامل أو أنها لم تعد دولة قانون.

وهذه ليست أول مرة يتعاطف فيها اليسار الراديكالي الفرنسي-في شخص حزب “رفاق ميلانشون”- مع الإسلاميين في البلاد، وهو ما دفع الكثيرين إلى اتهامهم بمحاباة الإسلام السياسي، من أجل ربح نقط سياسية خصوصاً في المناسبات الانتخابية، وهو ما ينفيه الحزب الفرنسي المذكور.

اقرأ أيضاً: فرنسا تنتهج مقاربة جديدة تجاه مواطنيها المسلمين

ويبدو أنه بفضل “محاباة” اليساريين الفرنسيين للإسلاميين، استطاع السياسي اليساري ميلانشون تحقيق اختراق ملحوظ لا يمكن إنكاره وسط الجاليات المسلمة في البلاد، بدليل نتائج استطلاع رأي معهد “إيفوب” الفرنسي للدراسات، الذي أفاد بأن أكثر من 70 في المائة من الناخبين المسلمين المصوتين في الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية اختاروا المرشح ميلانشون تحديدا، بعد أن كانت الجالية المسلمة قد صوتت لفائدته في انتخابات 2017 بنسبة 37 في المائة فقط.

وصرح ميلانشون، المزداد بمدينة طنجة المغربية، في أكثر من مناسبة بأن الدفاع عن الإسلاميين بفرنسا جلب له مشاكل عديدة، لكنه يتحمل هذه تبعات هذه الأعباء لأن الأمر يتعلق بمصلحة البلاد، مفتخرا بأنه شارك في العديد من المسيرات الاحتجاجية المنددة بظاهرة “الإسلاموفويا”.

مسلمو فرنسا صوتوا لفائدة ميلانشون

ويبدو أن ورقة “الإسلاموفوبيا” و”دعم الجاليات المسلمة” صارت ورقة انتخابية رائجة تتقاذفها الأحزاب اليمينية واليسارية بفرنسا، حيث أدرك اليساريون الفرنسيون جيدا “من أين تؤكل الكتف”، كما تقول صحف فرنسية، من خلال إبداء التعاطف مع الإسلاميين” ومع قيادات في الإسلام السياسي، لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

تصفية حسابات

ويعلق الدكتور المحجوب بنسعيد، باحث مغربي في الاتصال والحوار الثقافي، على أنه لفهم خلفيات رفض اليسار الفرنسي طرد الداعية حسن إيكويسن، يتعين استحضار بعض المعطيات المرتبطة بقضايا الأقليات المسلمة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.

د.المحجوب بنسعيد

ويشرح بنسعيد، في تصريحات لـ”كيوبوست”، بأن هذه الأقليات تواجه كثيرا من الأفعال والممارسات العنصرية خاصة من طرف اليمين المتطرف في إطار ما اصطلح عليه بظاهرة “الإسلاموفوبيا”، وما أثارته من ردود أفعال عنيفة بلغت مستويات خطيرة تجسدت في ارتكاب أعمال إرهابية دامية تبناها تنظيما “القاعدة” و”داعش” في عدة مدن فرنسية.

وتابع “عكس اليمين المتطرف، تضامن شق من اليسار الفرنسي وبعض المثقفين والنقابيين المستقلين مع المسلمين في فرنسا، بالنظر إلى أنهم مواطنون فرنسيون، مما عرضهم في سياق الصراعات السياسية والانتخابية، لتهمة خيانة مبادئ الجمهورية الفرنسية ومحاباة الإسلاميين، خاصة حينما دافعوا عن قيم العيش المشترك، واندماج الأقليات المسلمة في المجتمع الفرنسي، والحد من تهميشهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

اقرأ أيضاً: أجبالي لـ”كيوبوست”: ظاهرة زمور في فرنسا أصل تجاري للكراهية

واستطرد بنسعيد بأن بعضهم اقترح إجراءات جريئة، من قبيل مراجعة قانون “العلمانية” بما يسمح برعاية المؤسسات الدينية الإسلامية وتكوين الأئمة تكوينا حديثا متشربا لمكتسبات العلوم الإنسانية واستبعاد التمويلات الخارجية، وأنسنة وإصلاح الإسلام ودعم التيارات الحداثية، وتغيير السياسات الخارجية الفرنسية، ودعم الإسلام الوسطي”.

ووفق الباحث عينه، اليسار الفرنسي كان من بين الرافضين لما جاء في خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ألقاه يوم 2 أكتوبر 2020 بضواحي باريس، عندما أعلن عن جملة من التدابير والإجراءات التي ستمكن فرنسا في رأيه من “التصدي للنزعة الإسلامية الراديكالية”، وأيضاً موقف بعض المثقفين المنتمين لليسار الفرنسي في النقاشات الساخنة حول دور بعض الأئمة في نشر الأفكار المتطرفة في فرنسا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Gettyimages)

وخلص بنسعيد إلى أنه من الطبيعي أن يستاء مناضلو اليسار الفرنسي من قرار طرد الداعية حسن أيكويسن، لأنه يمنحهم من جهة فرصة لتصفية حسابات سياسوية انتخابية مع اليمين المتطرف في فرنسا، ويضمن لهم من جهة أخرى حضورا قويا وتعاطفا مستديما داخل أوساط الجالية المسلمة في فرنسا ولدى الدول والمنظمات التي تدعم “الإخوان المسلمين” خارج فرنسا.

 تطبيق القانون

يوسف لهلالي

من جهته الصحافي المغربي المقيم بفرنسا، يوسف لهلالي، يقول: إن موقف اليسار الفرنسي في هذه القضية، يعود إلى موقف مبدئي، هو أن جميع الأشخاص، فرنسيين وأجانب، هم سواسية أمام القانون، ويجب تطبيقه عليهم بنفس الطريقة.

ويشرح لهلالي في تصريحٍ لـ”كيوبوست”، بأن الإمام المغربي الذي يتهمه وزير الداخلية جيرار درمانان يجب أن يتابع ويحاكم حسب القانون الفرنسي إذا ارتكب جُرماً، لكن لا يمكن طرده فقط لأن وزيراً في الحكومة الفرنسية يتهمه.

اقرأ أيضاً: منتدى الإسلام في فرنسا: هل هو بداية جديدة في العلاقات بين الدولة والمسلمين؟

وأكمل لهلالي بأن “هذا الموقف من تطبيق القانون يعود إلى اختلاف الرؤية بين اليسار واليمين بفرنسا حول معاملة الأجانب”، مستحضراً بأن “نيكولا ساركوزي وهو رئيس سابق كان يطالب بطرد الأجانب حتى بعد أداء ما بذمتهم أمام القضاء، وهو ما وصفه اليسار ومنظمات حقوقية بالعقاب المزدوج، عقاب من طرف القضاء وعقاب ثان من خلال الطرد، وهو القانون الذي تم التخلي عنه بعد رحيل ساركوزي عن قصر الإليزيه”.

وزير الداخلية الفرنسي

واسترسل لهلالي “وزير الداخلية الفرنسي، وهو أحد تلامذة ساركوزي، يعرف ذلك، لكن موقفه من الداعية المغربي يعود إلى أسبابٍ سياسية داخلية، بهدف المزايدة على اليمين المتطرف الذي تتزعمه ماري لوبين، وبعث رسالة إلى الرأي العام مفادها “نحن صارمون تجاه الأجانب، ويمكننا طردهم دون محاكمة”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة