الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

 لماذا يتعاطف المشاهدُ مع المجرم على شاشات السينما؟

كيوبوست – سالي علي          

في علم النفس السلوكي هناك دائماً شيء يُعرف “بالارتباط الشرطي” أو “نظرية بافلوف”، أي إنك إذا حققت شرطاً ما في معادلة، بالتالي سيتحقق الشرط الثاني. مثلاً، إذا تعوّد كلبٌ ما على سماع صوت جرس قبل جلب الطعام له فسينتظر الطعام في كل مرة يسمع فيها الجرس لأنه تعوَّد على الأمر!!

لكن أيضاً الارتباط الشرطي مرتبط بالتعود والاكتساب، وصنع الظروف الخاصة، فماذا إذا قلنا إن هناك كلاباً ولُدت بالفطرة وهي تنتظر الطعام مع صوت الجرس، بالرغم من كونها لم تستمع لجرس أبداً في حياتها، لذلك نحن سنتحدث عن المتلازمات.

اقرأ أيضاً: لماذا يتعاطف الأفراد مع الجناة؟

 “المتلازمة” في علم النفس

هي ردة فعل يمكن تعميمها على شريحةٍ كبيرة من البشر مع وجود نسبة حيود ضئيلة للغاية، لذلك فإن ردة الفعل تلك تكون فطرية، وغير مكتسبة على الإطلاق. نعطي مثالاً، متلازمة استوكهولم وهي: متلازمة تقول إن الإنسان يمكن له التعاطف مع الشرير، أو الشخص المؤذي له بشكلٍ عام سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وتلك المتلازمة هي السبب الرئيسي في حبِّ الناس للشخصيات الشريرة في قصص الفن، وفي السينما بشكلٍ خاص، حيث شهدنا الكثير من حالات التعاطف مع المجرم أو المريض النفسي.

متلازمة استوكهولم- صورة تعبيرية

وقد تم تفسير المتلازمة على أنها رغبة في الحصول على الأمان بشكلٍ ما، فإذا تعاطفت مع الشرير لن تصبح بالنسبة له مصدر تهديد مثلاً، وبالتالي ستكون في أمان من شرِّه.

في عام 1973، سطا جان إيريك أولسون على بنك كريديت بانكن أحد أكبر البنوك في العاصمة السويدية ااستوكهولم، واتخذ 4 موظفين بالبنك رهائن، وطلب من الشرطة فدية قيمتها 700 ألف دولار وسيارة، وإطلاق سراح صديقه من السجن لمساعدته. احتجز أولسون وصديقه الرهائن لمدة 6 أيام في إحدى الغرف المحصنة بالبنك، والعجيب أن الرهائن بعدما حررتهم الشرطة من أيدي الخاطفين، رفضوا الإدلاء بشهادتهم ضدهما في المحكمة، والأغرب أنهم شرعوا في جمع الأموال للدفاع عنهما.

اللصوص الذين سطوا على البنك في استوكهولم

وفي فيلم الجوكر 2019 من بطولة خواكين فينيكس، تم رصد عدد كبير من المتعاطفين أي متلازمي استوكهولم مع شخصية أرثر فلينك في أحداث الفيلم أالتي بدات بشكلٍ تدريجي توضح للمشاهد، الأسباب الرئيسية والعميقة التي جعلت من أرثر فلينك مجرم بارد يقتل بطريقة مروعة بسبب قضية التنمر التي تعرض لها لفترات طويلة أودته للإجرام بدايةً بحق ثلاثة شبان في القطار عند رؤيته لتحرشهم بفتاة مسكينة ضعيفة لم تقوَ على الدفاع عن نفسها فانفعلت هواجسه المكبوتة نتيجة مرضه النفسي وجعلت من مجرم يقتل من يؤذيه ومن يتطاول عليه بشكلٍ متتالي ومتعدد انتهاءً بمقدم البرنامج الذي استضافه ليسخر منه فما كان عليه سوى قتله والضحك بهستيرية مما جعل المشاهد دون وعي يتعاطف معه لأن المشاهد مدرك للأسباب القاهرة التي فرضت على الجوكر أن يتحول لمجرم فهو إنسان لديه أم مظلومة ومريضة وهو فاقد للأب و يمارس بحقه تنمر بشع وطويل الأمد من قبل زملائه في العمل، كما انه إنسان لا يرضى بالذل والعنصرية فيرتكب جرائمه بدم بادر مع تعاطف كبير من النفوس البشرية التي تتابعه لأنه وضح لنا قبيل الجريمة ما هي دوافعها

اقرأ أيضًا: الجوكر.. سيرة الضحك الذاتية

لقد طرح الفيلم فكرة عميقة عن الشخصية بمحتواها الإنساني فالجوكر لم يكن شريراً مطلقا بل حمل بعداً اجتماعياً أيضاً نتيجة لمعاناته مع محيط لا يرحم مما دفعه إلى الجنون والتحول إلى فعل الشر وقد قدّم لنا خواكين مرض اضطراب التعبير العاطفي، أي متلازمة الضحك دون القدرة على السيطرة أحيانا، أو البكاء الهستيري أو الاثنين معاً بأسلوب احترافي فهو لم يقع في دائرة المبالغة التعبيرية التي تفقد الشخصية مصداقيتها أمام المشاهد وإنما نجح خواكين بتقديمها ماسكاً بالخيط الرفيع بين الأسلوبية والشكل الطبيعي لكي يستسيغه الجمهور ويتعاطف معه.

الممثل خواكين فينيكس في دور الجوكر 2019

مفهوم الجريمة

يطلق الفلاسفة النفسيون ،وعلى رأسهم سقراط ،الذي نوّه وقال : “بأن السلوك الإجرامي والجريمة يرجعان إلى الجهل، وأن السلوك السوي والفضيلة يرجعان إلى العلم”، تعريفاً عن الجريمة بأنها: “انحراف لا أخلاقي عن كل ما هو طبيعي من السلوك البشري”، ذلك لأنها تترك أثر مأساوي في الفرد نفسه وفي الحياة الاجتماعية عامة، وبأنها تنتج من الرغبة العميقة والممتدة بالجذر للشر الكامن عند الإنسان حين تصل دوافعها لحدها الأعلى،إذ لا يبقى للمجرم خيارغير تنفيذ رغباته فيتعذر عليه أوعلى الجهات المختصة قمع جموحه فالمجرم في لحظة الجريمة يكون بحالة من التوحش والانهيار العصبي والجنون يفقد قدرته على ضبط انفعالاته أو التحكم بنفسه أو حتى التفكير في مخاطر أفعاله، أو حتى النظر إلى الصلات والروابط والعلاقات الاجتماعية بينه وبين ضحاياه، لهذا تجد معظم ضحايا المجرمين أقرب الناس إليهم.

اقرأ أيضًا: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة، والهدف منها؟

وعلى خلفية ذلك، سألنا أستاذ الفسلفة معاذ حسن، والذي كان جوابه:

معاذ حسن

إن لكل حادثةٍ في الفعل الإجرامي أسباباً ودوافع، نتيجة ظروف اجتماعية وظروف تربوية؛ لأن الإجرام لا يأتي من الفراغ، ولكنه أكد أنه ضد فعل القتل، مهما تعددت الدوافع له، وبأنه أمر مدان لا يستدعي التعاطف، إنما فقط التفهم أي نتفهم الحالة النفسية التي أودت بالإنسان إلى عملية القتل، أما عن تعاطف المشاهد في السينما مع المجرم، قال الأستاذ معاذ إنها حالة مؤقتة ونسبية عند القليل من البشر، وهي حالة أشبه لأن تكون غير متواجدة لأن البشر في الواقع لا يتعاطفون مع المجرم، لو حدث فعل الإجرام مع أفرادٍ مقربين منهم، أو مع حالاتٍ عامة في المجتمع الذي يعيشون وسطه.

وعند البحث في أسباب الجريمة ودوافعها، وجد فلاسفةُ النفس والقانون الجنائي أسباباً عديدة، وعوامل أبرزها: الجغرافيا، فالبيئة والظروف والمناخ أمورٌ تسهم في تعزيز الرغبة في ارتكاب الجريمة!!

اقرأ أيضًا: من منظور الفلسفة وعلم النفس، ما الفرق بين التسامح والتناسي؟

وهناك من يرجح إرجاع سبب الجريمة إلى التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالفقر والبطالة والخوف والفوضى تعدّ مخصبات للجريمة بشكلٍ كبير!!

كما أنه لا يوجد خلاف بين الباحثين وعلماء النفس البشرية حول أن الحالة السيكولوجية المضطربة للفرد هي عامل مهم في تنامي الرغبة الإجرامية لديه، وبأن الفرد الذي يعاني مثلاً من الانفصام الشخصي أو الفرد الفاقد للدفء في المنزل، ومع عائلته، هو من الأكثر عرضة واستعداداً لارتكاب الشر، كانتقام منه أو تعبير عن وجوده المفقود وشخصيته المهمشة في المجتمع وضمن الأسرة.

وعند هذا الجدال حول دوافع الجريمة، استطلعنا رأي الأستاذ ماهر راعي الحاصل على ماستر في علم الاجتماع، والذي قال

ماهر راعي

إن المشاهد عموماً ينظر إلى فعل الجريمة الذي يحدث خلف شاشة السينما باستمتاعٍ عال، لأنه خارج لعبة الموت أو بمعنى أقرب هو الناجي من الجريمة، بالتالي يستمتع بمشاهدة الجريمة، وتصبح الخيارات أمامه غير حقيقية، لأنه خارج دائرة الرعب فيتعاطف لمدة زمنية قصيرة مع المجرم، ويبرر فعلته لأن الإنسان في دول العالم الثالث بداخله نقمة على السلطات عموماً نتيجة القمع الممارس ضده، لذلك فهو يتعاطف مع كل مشهد يمثل ثورةً على كل متنمر أو متسلط.

شاهد : دقيقتان لصحتك: ما هي أعراض الاضطرابات النفسية؟

كما أفادنا الأستاذ ماهر بأن “إريك فروم”، و”جان جاك روسو” و”أبراهام ماسلو”، وهم علماء نفس تابعون لنفس المدرسة قد أكدوا بالمجمل بأن الشرور ليست فطرية غريزية، بل تحدث وليدة المجتمع والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بالإنسان لارتكاب الشر، ومناصرة لرأيهم، يقول أستاذ ماهر لـ”كيوبوست” إن المشاهد يتعاطف مع المجرم لأنه من صنيعة هذا المجتمع.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

سالي علي

كاتبة سورية

مقالات ذات صلة