الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

لماذا يبحث أردوغان عن إحياء الصراع في قبرص؟

حاول الرئيس التركي خلال زيارته إلى مدينة فاروشا المتنازع عليها في قبرص -الأحد الماضي- إرسال رسائل حول رغبته في تغيير الوضع الساري في "مدينة الأشباح" منذ عام 1974

كيوبوست

تعد جزيرة قبرص، المقسمة منذ عام 1974 بين جزء جنوبي تديره الأغلبية اليونانية (59% من الأراضي) وجزء شمالي (محتل) حسب القانون الدولي تديره أقلية تركية (37%)، مسرحاً لصراعٍ مستمر منذ عقود، وتعثرت كل الجهود السياسية لحله منذ أن بدأت في عام 1977 برعاية الأمم المتحدة، وحتى فشل الجولة السادسة من المفاوضات في عام 2017؛ لكن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي استخدم القوة من أجل السيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وموارد الطاقة فيه، يبدو اليوم مصمماً أكثر من أي وقت مضى على زعزعة الوضع الراهن في الجزيرة.

منتجع فاروشا أو مدينة الأشباح- وكالات

منذ استقلالها عام 1960، انقسمت جمهورية قبرص على الفور بين أغلبية يونانية مرتبطة بأثينا، وأقلية تركية تتطلع إلى أنقرة. وبين عامَي 1963- 1964، خلفت أعمال العنف الطائفية بين الجانبَين عدة مئات من القتلى، كما أسفرت عن إنشاء جيوب تركية في بعض الأراضي. بعد عشر سنوات، ورداً على الانقلاب العسكري اليوناني في الجزيرة، استدعت تركيا جيشها لغزو الثلث الشمالي الشرقي.

اضطر حينها ما يقرب من 200000 يوناني و50000 قبرصي تركي إلى الفرار من أراضيهم. ومنذ ذلك الحين، يتنازع الطرفان على أحقية ملكية هذه الأرض؛ فغالبية القبارصة اليونانيين يرغبون في رؤية الجزء المحتل يعود إلى حظيرة الجمهورية، والقبارصة الأتراك يطالبون بدولتهم المستقلة (جمهورية شمال قبرص التركية، التي أعلنت من طرف واحد في عام 1983، تعترف بها أنقرة فقط).

اقرأ أيضاً: هل تدفع حكومة أنقرة ثمن سياستها الخارجية.. داخل الشارع التركي؟

في محاولة للتقريب بينهما، تسعى الأمم المتحدة إلى تشجيع إنشاء “اتحاد فيدرالي ذي دولتَين وقوميتَين”؛ ما يعني تقاسم السلطة بينهما. ورغم ترحيب الطرفَين بالفكرة؛ فإنهما لم يتمكنا من التوصل إلى مفهوم مشترك حول الشكل الجديد لهذه السلطة.

مدينة الأشباح

في أوائل أكتوبر الماضي، وفي خضم الحملة لانتخاب “رئيس” الجمهورية القبرصية التركية، وافق رجب طيب أردوغان على إعادة فتح “فاروشا” للجمهور التركي؛ وهي المدينة التي توصف بمدينة الأشباح، هي منتجع ساحلي اشتهر في يوم من الأيام بشواطئه الزرقاء وسُيَّاحه الأثرياء، يقع هذا المنتجع جنوب مدينة فاماغوستا المحتلة من قِبل تركيا، حسب القانون الدولي. وبالقرب من المنطقة منزوعة السلاح التي تفصل بين شطرَي الجزيرة، ولطالما كان هذا المكان يرمز إلى انقسام شطرَي الجزيرة منذ نصف قرن.

استولى الجيش التركي على المدينة في عام 1974، وراودته فكرة استخدامها كورقة مساومة في أي مفاوضات مستقبلية. ورغم أن عديداً من الدبلوماسيين المنخرطين في عملية السلام شجعوا سلطات أنقرة على إعادة المنطقة إلى مالكيها القبارصة اليونانيين، لإظهار حسن النيَّات؛ فإن تلك النداءات قوبلت بالرفض.

أثارت إعادة فتح هذا المنتجع غضباً شديداً من قِبل رئيس جمهورية قبرص نيكوس أناستاسيادس، والذي وصفه بـ”القرار غير القانوني”، بينما أعرب الاتحاد الأوروبي عن “قلقه”، وشجبت الولايات المتحدة ما وصفته بـ”الاستفزاز التركي”.

كل هذه الأصوات لم تصل إلى مسامع أردوغان، والذي شارك في نزهة يوم الأحد الماضي في المنتجع الساحلي السابق، قائلاً: “تحويل فاروشا إلى منطقة جذب سياحي هي فرصة للاقتصاد القبرصي التركي”، ملمحاً إلى أن الأعمال التجارية والأنشطة السياحية ستُستأنف قريباً في “مدينة الأشباح”، إلا أن المعارضة التركية ترى أن ما قام به الرئيس التركي هو محاولة للفت الانتباه، ولن يكون بإمكانه تقرير مصير المدينة المتنازع عليها بهذا الشكل.

فوز إرسين تتار الرئيس المقرب من أردوغان في انتخابات قبرص التركية- وكالات

ماذا يريد أردوغان؟

يرى المراقبون أن الرئيس التركي يحاول إحياء النزاع في جزيرة قبرص؛ لخدمة مصالحه وزيادة الضغط على الاتحاد الأوروبي والحصول على مكاسب سياسية خلال المشاركة في مفاوضات تقاسم موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط؛ فأردوغان مقتنع بأن الأوروبيين لا يسمعون سوى صوت القوة، وأنها اللغة الوحيدة التي يفهمونها.

نتذكر مثلاً أنه منذ اكتشاف حقول الغاز في جنوب قبرص في عام 2011، طالبت أنقرة باستشارة جمهورية شمال قبرص التركية بشأن تشغيلها والحصول على جزء من دخل الناتج المحلي؛ لكن الجمهورية القبرصية تعتقد أنه يجب إيجاد حل سياسي للنزاع قبل كل ذلك، وانخرطت عوضاً عن انتظار أنقرة في مفاوضات أفضت إلى توقيع اتفاقيات لترسيم الحدود مع لبنان وإسرائيل ومصر، ومنحت امتيازات حفر للعديد من شركات النفط؛ بما في ذلك “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية.

اقرأ أيضاً: تضارب المصالح في ليبيا والساحل يقف خلف الخصام بين الجزائر وأنقرة!

في يناير 2020، وقعت قبرص أيضاً اتفاقية مع اليونان وإسرائيل لبناء خط أنابيب تحت الماء قادر على نقل 10 مليارات متر مكعب من الغاز إلى أوروبا كل عام. وانضمت هذه الدول إلى إيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية في منتدى غاز شرق المتوسط ​​الذي استبعدت منه تركيا ظاهرياً؛ لذا فإن سياسة أردوغان الهجومية اليوم تفسر إلى حد كبير خوفه من استبعاده من كل تلك الموارد الهائلة، الذي يعتقد هو شخصياً أن لتركيا نصيب الأسد فيها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة