الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

لماذا يبالغ الناس في إنكار تاريخهم؟

د. عبدالرحمن بن عبدالله الشقير♦

التاريخ ما هو إلا سلسلة من الصور الذهنية وإدارة السمعة للأشياء والأحداث والقيم الاجتماعية والاقتصادية التي يُعاد تشكيلها باستمرار، ويتم ذلك تحت مسميات؛ مثل: مراجعة التاريخ، أو تصحيح الأخطاء التاريخية، أو بفرض أجندات وأيديولوجيات. وكثيراً ما نسمع أو نقرأ عن تاريخ المدن الشرقية والغربية، في عصور ما قبل الثورة الصناعية، وما تتعرض له المجتمعات من سنوات قحط وجفاف وأوبئة تفني حياة كثير من الناس.

تختلف الصورة الذهنية للحقب الزمنية للمجاعات والأوبئة من مجتمع إلى مجتمع؛ إذ نراها في المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات العربية تُعرض بوصفها أحداثاً طبيعية مرت وتركت أثراً، ثم تجاوزها المجتمع، في حين نراها في بعض المجتمعات؛ ومنها المجتمع السعودي، أنها هي الأصل، وقد غرست صورة ذهنية عنيفة في الذاكرة الشعبية ومارست الأحداث التاريخية سلطتها عبر الأجيال حتى الآن، فصارت الأحكام تصدر عن المجتمع من داخله بأن البيئة طاردة، والناس لا تتوافر لديهم مقومات الحياة، فضلاً عن أن يكون لديهم مقومات الإبداع والإنتاج المعرفي؛ سواء معرفة علمية أو معرفة حضارية وعمرانية وتجارية.

تناقش هذه الورقة مسألة مبالغة بعض الناس في إنكار تاريخهم الاجتماعي والثقافي، بالمفهوم الشامل للثقافة، وتكلفة هذه الصورة الذهنية على هوية المجتمع.

اقرأ أيضًا: الأحداث الشوارد في التاريخ

الجفاف والأوبئة مشكلات عامة

أثناء حقبة ما قبل الثورة الصناعية في بريطانيا كانت المجتمعات في كثير من بلدان العالم العربية والغربية والإفريقية تنقسم إلى حاضرة تعيش على اقتصاد الزراعة والتجارة، وقبائل بادية تعيش على اقتصاد الصيد والرعي، وأحياناً الغزو، وتخضع حياة الجميع للظروف المناخية؛ سواء كانت مواسم الأمطار والربيع، أو مواسم الجفاف والقحط، أو الأوبئة التي تفتك بالمجتمعات. هذه حقيقة تاريخية وقانون اجتماعي؛ ولكن الإشكالية أن الصورة الذهنية ارتبطت في بعض المجتمعات بالفقر والجوع والفوضى، وسكت عنها في مجتمعات أخرى، وكأنها لم تمر بالظروف ذاتها. علماً بأن الجميع مر بالظروف ذاتها؛ بل إن أساليب مقاومتها أو التعامل معها متقاربة بين تلك المجتمعات.

ومع أن ذلك سمة المجتمعات آنذاك؛ إلا أن الذي ترسخ في الذاكرة الشعبية المحلية سنوات الجفاف والجوع والأوبئة، وتحولت إلى أحد أبرز رواسبها الثقافية، وظلت تأثيراتها السلبية تنتقل بين الأجيال حتى أنستهم مواسم الرخاء وطبيعة الحياة المستقرة. وبذلك تكونت صورة ذهنية ذات سلطة انتقاصية من أي منجز اجتماعي وحضري وثقافي في المجتمع السعودي.

إن المتتبع لعدد الكتب والروايات التي وثقت مواسم الأوبئة والجفاف في أوروبا يجد أنها كثيرة؛ مثل ما كتب عن الموت الأسود أو الطاعون الأسود الذي حصد في ما يقال ثلث قارة أوروبا بين عامَي 1347 و1352م، وأن نتائج هذه الأوبئة ومواسم الجفاف أشد فتكاً من كثير مما تعرضت إليه البلدان العربية.

لوحة تصور فترة انتشار الطاعون في أوروبا

كما أن الكتب والوثائق رصدت بكثافة وبدقة حالة التطرف الديني المسيحي، والاقتتال الدائم الذي استمر أكثر من ثلاثة قرون، كانت هي ثمن دخول أوروبا للعصر الحديث؛ إذ كان الحديث عن التسامح الديني أو المذهبي جريمة يعاقب عليها القانون والكنيسة، إلا أن الروح المعنوية للمؤرخ كانت ترصد وتوثق دون الحط من هوية المجتمع؛ بل تفصل بين ما تعرض له المجتمع في انحراف أو كوارث مؤقتة، وبين سيرة حياة المجتمع الطويلة، ولذلك لم تتأثر الصورة الذهنية للتاريخ الأوروبي، ولم يختزل في نتائج تعد في حينها من طبيعة الحياة.

تبقى مسألة مهمة تتعلق بمعايير التحضر والتخلف ومستوياتها؛ إذ يلحظ أن الاستشراق المعني بدراسات تراث وحضارة الإسلام والشرق قد أسس لصورة ذهنية تحط من قدر العرب وتنال من الإسلام، مقابل نظرية “المركزية الأوروبية” في حضارة البشرية، حتى صارت مسلماً بها دون وعي من قِبل كثير من الباحثين والمؤرخين، من خلال قياس مجتمعاتهم بما آلت إليه أوروبا في عصر الصناعة، ثم سرعان ما يدب الإحباط إلى النفوس إذا قورنت بمجتمعات محلية عربية. وهذه نظرية قديمة، وقد فككها إدوارد سعيد في كتاب «الاستشراق»، ولم يعد يعتد بها، إضافة إلى أن كل مجتمع يُقاس بالبيئة التي نشأ فيها، إضافة إلى تحيز القياس بمقارنة الوضع قبل الصناعي في المجتمع العربي والمحلي بالوضع بعد الصناعي في أوروبا.

غلاف كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد

محاولة لفهم أسباب إنكار التاريخ

يبدو أنه توجد مجموعة أسباب أدت إلى إنكار التاريخ المحلي؛ من أبرزها سيادة الذاكرة الانتقائية، والصورة الذهنية المغلوطة لدى كثير من الكتاب والمثقفين والإعلاميين العرب، وأن المؤرخ المحلي والروايات الشفوية وكتابات المثقفين قد شكلت خطاباً موحداً لرؤية المجتمع قبل الدعوة السلفية، ثم قبل النفط بأنه بلا تاريخ ولا هوية ولا ثقافة، ومن أسباب اتجاه العقل التاريخي لهذا النمط من التفكير ورؤية الأحداث أيضاً، يعود إلى أزمة المنهج، وذلك لعدم التفريق الدقيق بين ما هو خبر يصف الأحداث التاريخية له مصادره كالوثيقة المادية، وما هو رأي المؤرخ والباحث في الأحداث.

الخبر التاريخي يتعلق بوقائع مرتبطة بزمان ومكان، بينما الرأي والانطباع يعطيان الأحداث إطاراً زمنياً أكبر من واقعها، وبالتالي يمكن لحادثة واحدة أن يعممها رأي الباحث وانطباع المؤرخ، وتصم عصراً معيناً أو مجتمعاً محدداً بما ليس فيه كلياً أو جزئياً، وذلك نتيجة مغالاة بعض المؤرخين في التركيز على أحداث تمثلهم وتعكس ما يودون نشره، ثم عدها أهم ما في ذلك العصر؛ فالخبر الذي يأخذ المساحة الأكبر في سرد الحدث، ليس بالضرورة أن يكون الخبر الأكثر تأثيراً في الأحداث؛ ولكنه بالضرورة هو الخبر المراد إظهاره، وإعطاؤه محور الحدث ومساحته؛ إذ تحدث بول ريكور عن الذاكرة المتلاعب بها، وأشار إلى أنه كلما زادت هشاشة الهوية زاد التلاعب بالذاكرة من خلال الانتقائية السردية[1]. وهذا أحد مستويات الخداع الذهني في التاريخ، والذي قد يقع دون قصد من المؤرخ والباحث، ولكن عواقبه مكلفة.

اقرأ أيضًا: فلسفة التاريخ عند هنري كسنجر

عندما يقول المؤرخ: إن الفقر والجوع وعدم وجود دولة مركزية حولت المنطقة إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف وانتشرت الفوضى. فهذا النص المتخيل يحكي واقع السرد التاريخي المحلي، يمكن تفكيكه إلى ثلاثة أجزاء، كما يلي:

“الفقر والجوع وعدم وجود دولة مركزية”: هذا وصف وتقرير واقع يمكن الاعتماد عليه أنه حدث تاريخي.

“حولت المنطقة إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف، وانتشرت الفوضى”: رأي شخصي وانطباع خاص مبني على تخيل صورة ذهنية محددة للتاريخ ولم تكن كما تخيلها.

“وعدم وجود دولة مركزية حولت المنطقة إلى غابة”: هذا أيضاً تقرير ناتج من ربط الأمن بوجود دولة مركزية، في حين أن وجود المجتمع ظاهرة سابقة لوجود فكرة الدولة؛ بل قد يكون المجتمع في أفضل حالاته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية إذا كانت دون إشراف دولة مركزية، وقد تكون أحوالها سيئة إذا كانت في ظل دولة تعسفية أو موقعها هامشي، كما هو الحال في المجتمع النجدي أثناء سيطرة الدولة الأخيضرية، والدولة العثمانية.

والذي يظهر أن عدم تفكيك نصوص المؤرخين تسبب في خلط ما هو رأي شخصي وانطباعات، مع ما هو وصف مع الانحياز لتوجهات المؤرخ الفكرية. وهذا المنزلق المنهجي نراه كثيراً في كتابات الباحثين والمؤرخين المعاصرين. وتكمن خطورته في ترسيخه وتحويل الانطباعات والاختلافات إلى حقائق ومسلمات، ثم يواجه الصعوبة من يأتي متأخراً ويحاول أن يرد الموضوع إلى أصله، ويزيل التداخل.

ثمن إنكار التاريخ المحلي

يدفع المجتمع ثمناً مكلفاً من سمعته التاريخية ومن هويته الاجتماعية كلما بالغ في الحط من إنجازات أسلافه، وهي إنجازات تُقاس بإمكانات العصر الذي عاشوا فيه، وتُقاس بمَن حولهم. والذين يقيسون المجتمع السابق بما ينبغي أن يكون عليه، أو يحكم عليهم بالتخلف، عليهم أن يقيسوا أنفسهم وواقعهم بما ينبغي أن يكون عليه الآن، فإنهم سيجدون مصيرهم في مستويات التخلف الصناعي والتقني أيضاً.

إن الحط من مكانة تاريخ القبائل والبلدان وتفريغها من أي محتوى ثقافي وعمراني سوف ينعكس بالضرورة على رؤيتنا للواقع، والذي تكون نتيجته مكلفة؛ إذ تدفع الدول ميزانيات ويتبارى الباحثون والمؤرخون على ترسيخ سياق متخيل لتواريخهم المحلية، وإسقاطها من الهوية الاجتماعية بسبب أنها تعرضت إلى شيء تعرض إليه العالم أجمع، أو ذهب تاريخها ضحية لفهم مؤرخ رأى الواقع من منظور محدود وفي سياق محلي، وتابعه أجيال المؤرخين، ثم يوجه الباحث جهوده لإبراز إنجازات طبيعية.

توسعت الرؤية المنقوصة للتاريخ المحلي وانتقلت إلى الإعلام العربي والعالمي، وشكلت صورة ذهنية تربط بين حضارة المجتمع السعودي، والمجتمعات الخليجية عموماً بعصر النفط.

مصافي تكرير النفط في السعودية- أرشيف

مقياس التحضر

من المهم عند قياس أية حالة تحضر أو تخلف مراعاة المؤشرات المنبثقة من مجموعة معايير الاقتصاد والعلم والفكر والتنظيم والعمران والأمن. يقول ول ديورانت في كتاب «قصة الحضارة»، وقد درس حضارات العالم القديمة، وتوصل إلى نتائج دقيقة وعميقة، وبدأ كتابه الضخم الواقع في 32 مجلداً، وفي أول صفحة بقوله: “الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ من حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها”[2].

ويؤكد ديورانت كثيراً أولوية المعيار الاقتصادي، وأن “العوامل الاقتصادية أهم من ذلك؛ فقد يكون لشعب مؤسسات اجتماعية منظمة، وتشريع خلقي رفيع؛ بل قد تزدهر فيه صغريات الفنون، كما هي الحال مع الهنود الأمريكيين، ومع ذلك فإنه إن ظل في مرحلة الصيد البدائية، واعتمد في وجوده على ما عسى أن يصادفه من قنائص، فإنه يستحيل أن يتحول من الهمجية إلى المدنية تحولاً تاماً؛ قد تكون قبيلة البدو، كبدو بلاد العرب، على درجة نادرة من الفتوة والذكاء، وقد تبدى من ألوان الخُلق أسماها كالشجاعة والكرم والشمم، لكنَّ ذكاءها بغير الحد الأدنى من الثقافة الذي لا بد منه، وبغير اطراد موارد القوت، ستنفقه في مخاطر الصيد ومقتضيات التجارة، بحيث لا يبقى لها منه شيء لوشي المدنية وهُدّابها ولطائفها وملحقاتها وفنونها وترفها، وأول صورة تبدت فيها الثقافة هي الزراعة”[3].

غلاف كتاب “قصة الحضارة”

تنطوي الزراعة، بوصفها منتجاً ثقافياً، على دورة حياة اجتماعية واقتصادية متكاملة، لذلك تعد من أهم عوامل الثقافة والمدنية؛ فهي تضمن حداً معيناً من الاستقرار والأمن الغذائي، كما أنه يظهر معها فكرة المخزن والسوق، وهذا ما يميزها عن حياة البادية التي تعتمد على الترحال المستمر؛ فهي عملية أكثر تطوراً من الصيد، لأنها تقوم على إنتاج غذائي طويل المدى متحول من بذور وحبوب، كما أن الإنتاج الزراعي يعكس بالضرورة إنتاج الأفكار والثقافة والعادات في مجالات الطبخ والغذاء.

يعد التاريخ النجدي أحد ضحايا الصورة الذهنية وخداع الذهن بسبب المؤرخ التقليدي الذي يرسخ ما تلقاه ممن قبله، ويكمن ذلك في مسألة أن المجتمع مدمر وفاقد الصحة والأمن والاقتصاد؛ بسبب الفتك المتكرر بمواسم الجفاف والأوبئة، وقد انعكس ذلك على الروايات الشفوية، أو أن الروايات الشفوية التي سبقت التوثيق هي التي رسخت الفكرة، ثم انتشرت وصارت حقيقة مسلماً بها.

واستمرار هذا النمط في توثيق التاريخ لا يزيد الحال إلا تأزيماً، ومن المهم إعادة إنتاج التاريخ كما هو ولكن في سياق سليم، يتمثل في التعاطي مع مواسم الجفاف والأوبئة ونتائجها الوخيمة والكارثية على الصحة والأمن والاقتصاد من منظور أنها مرحلة طبيعية، وتعرض لها جميع تواريخ دول العالم، ولا ينبغي أن يدفع المجتمع ثمن وجودها.

اقرأ أيضًا: 90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

السياق التاريخي الطويل

يعد منهج دراسة التاريخ الطويل لحقبة زمنية تصل إلى مئات أو ألف سنة من مناهج دراسة التاريخ الجديد، وقد تيسر لي دراسة “نجد في العصر الوسيط” مقارنة بنجد في الجاهلية وصدر الإسلام، وتوصلت إلى أن حالة منطقة نجد كانت مزدهرة في ظل غياب الدولة المركزية، ويتمثل ذلك في زمن الجاهلية، ثم تعرضت إلى التهميش في ظل الازدهار الحضاري والسياسي والاقتصادي للدولة المركزية في الشام وبغداد، ثم تعرضت إلى طمس الهوية في ظل وجود الدولة المركزية المتمثلة في الدولة الأخيضرية (250- 453هـ تقريباً)، وعندما دخلت الحضارة الإسلام في عصر الدهور، بدأت تزدهر منطقة نجد من خلال إعادة عمرانها وعودة السكان إليها وهجرات قبائل جديدة لها، واستمرت تلك الحال حتى ظهور الدولة السعودية الأولى التي شهدت معها المنطقة ازدهاراً جديداً لا مثيل له، وما زال مستمراً حتى الآن.

♦  أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض

المراجع:

1-بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زناتي، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، ص 648

2- ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، بيروت: دار الجيل، ج 1 ص 3

3- ول ديورانت، قصة الحضارة، مرجع سابق، ج 1 ص 4، 5

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير

الباحث السعودي، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض

مقالات ذات صلة