شؤون عربية

لماذا لم يصدر الملك المغربي عفوًا عن معتقلي الحراكات الشعبية؟

لم يتطرق في الخطاب إلى تلك القضايا

خاص كيو بوست –

اكتسى خطاب العرش، الذي ألقاه الملك محمد السادس الأحد الماضي إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى 19 على حكمه البلاد، أهمية خاصة؛ نظرًا لحجم الترقب الشعبي للخطاب، في انتظار إجابات شافية لقضايا البلاد الهامة، كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات منذ سنة 1999.

وشكلت تلك الخطابات مرجعًا أساسيًا في صياغة مفهوم جديد للسلطة، يرتكز على القرب من المواطنين، وإشراكهم في عملية تدبير القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وفق فلسفة جديدة وتعاقد اجتماعي حديث، توج بدستور يوليو/تموز 2011 القائم على التعاون بين السلطات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد ديمقراطية تشاركية.

ورغم الثورة التي حققها المغرب طيلة 19 سنة من حكم محمد السادس، نتيجة الأوراش الكبرى التي فتحها في المجال السياسي والحقوقي والاقتصادي، ظل القطاع الاجتماعي يتميز بالهشاشة، ما جعل الملك يقر بفشل النموذج التنموي المغربي صراحة.

والتعثر في هذا الجانب هو السبب المباشر الذي جعل عددًا من المواطنين يقاطعون منتوجات بعينها، ويخرجون في التظاهرات مطالبين بتكافؤ الفرص، وبالكرامة، وتوفير فرص العمل، والعدالة المجالية، من مدينة زاكورة إلى جرادة، حتى الحسيمة التي يواجه نشطاء حراكها بتهم ثقيلة وصلت الأحكام الصادرة في حقهم 3 قرون و8 سنوات! ما جعل العديد من المتتبعين يعتبرونها “ردة حقوقية”، وينتظرون تطرق الخطاب الملكي لهذه الإشكالية التي باتت حديث الخاص والعام، أو إصدار عفو شامل.

لم ينف المحلل السياسي محمد بودن في اتصال مع “كيوبوست” هذا الأمر قائلًا: “لقد كانت هناك انتظارات شعبية مهمة سياسيًا من طرف مجموعة من الفاعلين، في المجتمع المدني والهيئات الحقوقية، حول إمكانية حصول عفو عن المعتقلين في أحداث الريف وجرادة”، مضيفًا أن هذه الأحكام ليست نهائية، وبالتالي فإن الحديث عن سيناريو عفو أو تخفيض أمر سابق لأوانه الآن، ويبقى واردًا جدًا عند الانتهاء الكلي من البت في الملف قانونيًا.

محمد بودن

وأضاف المتحدث أن خطاب العرش تميز بواقعيته، كما قدم حلولًا عملية لعدد من الإشكالات السياسية والاجتماعية، وحدد الأولويات بشكل واضح، ورسم الملفات التي يظهر على أنها استعجالية، مثل التعليم، والمنظومة الصحية، والتشغيل، وكذلك الحوار الاجتماعي، رغم الصعوبات والعقبات التي تعترض النموذج التنموي، في امتداد لمضامين الخطب السابقة التي أكدت على أهمية تعزيز موقع الاستثمارات لتحسين الظرفية الاقتصادية، وتوفير فرص العمل لحاملي الشهادات العليا في كل التخصصات، خصوصًا الصناعية، مثل الطاقات المتجددة وصناعة السيارات ومجال الموانئ.

وحول الإشكالات القانونية التي يمكن أن تكون قد حالت دون إصدار هذا العفو الملكي عن رموز حراك جرادة والحسيمة، قال الخبير الدستوري رشيد لزرق في حديث إلى “كيو بوست” إن المشرع المغربي نص في الفصل 71 من الدستور على العفو العام ضمن مجال القانون، بمعنى يمكن للبرلمان إصداره، في شكل مقترح قانون يصوت عليه بغرفتيه، لإزالة الصفة الجنائية تمامًا عن الفعل المرتكب ومحو آثاره، في أي مرحلة من مراحل المتابعة، سواء قبل رفع الدعوى أو بعدها، وقبل صدور الحكم أو بعده، فهو بذلك يوقف إجراءات الدعوى والمحاكمة ويمحو العقوبة.

رشيد لرزق

وتابع لرزق: “هناك صعوبة في تشريع العفو العام، بالنظر لخصوصية الأحكام الصادرة بشأن النشطاء للاعتبارات السابقة من جهة، ولخطورة الأفعال التي قام بها نشطاء الحراك، إذ تمت إدانتهم بموجب القانون الجنائي المغربي ابتدائيًا، بتهم مثل: تهديد سلامة واستقرار الدولة، ومحاولة القتل العمد، وعرقلة سير ناقلة بغرض تعطيل المرور، وإشعال النار عمدًا، والقيام بشكل متعمد بتهديدات وأعمال عنف ضد الموجودين على متن طائرة”.

وعندما يصدر العفو من البرلمان، فهو يقوم بواسطة نص، بمحو الجريمة بأثر رجعي، وتزول معه العقوبة على الأشخاص المحكوم عليهم، كأنهم لم يرتكبوا أية جريمة، بخلاف العفو الخاص الذي يحصر آثاره في إسقاط العقوبة، أو التخفيف منها، أو استبدالها بعقوبة أخرى أخف، أو استبدالها بعقوبة أخرى.

وقال الناشط الحقوقي مصطفى المنوزي في تصريحه إلى كيو بوست: “لم أكن أنتظر عفوًا ولا تخفيفًا، وكنت أقول دائمًا لا تضخموا من انتظاراتكم، وإن سقف ما يمكن أن يحصل، هو أن يخاطب الملك الشعب المغربي من مدينة الحسيمة، دون إثارة قضية حراك المدينة أو جرادة أو المقاطعة”.

وحول مضمون الخطاب الملكي بصفة عامة، قال المانوزي: “إن الدولة ستحتكر كل ما له علاقة بالشأن التنموي، وذلك بضخ دماء جديدة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حتى تتمكن من التحكم في الخريطة المستقبلية، وحتى لا يصبح مجال (التنمية) للمزايدات الانتخابية الرخيصة بين الأحزاب، لخلق نوع من التوازن”.

مصطفى المنوزي

ويرى المنوزي أن الملك محتاج لهذه التوازنات، وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تخول ذلك، لا سيما أن المؤسسات الحزبية -باختلاف مرجعياتها- ثبت عجزها، ولم  ينفع معها التأهيل ولا التهذيب، ولا حتى التأديب، بعدما فسح المجال أمامها لأكثر من 18 سنة، على أمل خلق ديمقراطية تمثيلية، وتحقيق الانتقال الديمقراطي، في غياب المشروع الحداثي كفلسفة تؤطر كل التسويات والتعاقدات، التي اندثر صداها ووقعها  الثقافي منذ حراك 20 فبراير/شباط 2011، رغم محاولة الاستدراك الدستوري، الذي حاول فتح إمكانية خلق التوازن بين الدمقراطيتين التمثيلية والتشاركية.

ومع ذلك، كان الخطاب الملكي صريحًا، ويكفيه إغلاق الباب الاجتماعي باعتباره شأنا إستراتيجيًا، لأن الدولة المغربية دولة رئاسة وإمارة للمؤمنين، يختلط فيها الإحسان مع التنمية، في ظل المنافسة القوية للإسلاميين في الساحة، بعد سنة من التفاعل والاحتكاك والصدام المادي أو اللفظي أحيانًا، على حد قول المانوزي.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة