الواجهة الرئيسيةترجمات

لماذا لم نكن مستعدين لفيروس كورونا؟

كيوبوست- ترجمات

ديفيد كومين

في عام 2006، كانت فكرة انتقال فيروس من الحيوانات البرية إلى البشر، ثم انتشاره من شخص إلى آخر، وتحوله إلى وباء قاتل، أمراً أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الحقيقة. لكن الأمر لم يكن كذلك للمختصين في علم الأوبئة؛ ومنهم “علي إس خان”، من المركز الوطني للأمراض الحيوانية والمنقولة من الحيوان والأمراض المعدية، والذي يعبر عنه اختصاراً بـ”NCZVED”؛ حيث “كُلف بالحلم بهذا الكابوس في وضح النهار”.

يعد هذا المركز وحدة ضمن وحدات مجمع مراكز السيطرة على الأمراض المعدية. وهناك يتعامل العلماء مع العديد من الأمراض والفيروسات المعدية؛ بدءاً من فيروسات الإيبولا “Ebola” (هناك أكثر من نوع) وفيروس ماربورغ “Marburg” المشابه له، وفيروس سيمي simian foamy”” في بالي، والذي يحمله قرود المعبد التي تقفز على السياح، وفيروس “Junin” في الأرجنتين، وفيروس “Machupo” في بوليفيا. جميع هذه الفيروسات حيوانية؛ ما يعني أنها يمكن أن تنتقل من الحيوانات إلى البشر.

اقرأ أيضاً: الإنفلونزا الإسبانية.. أم جميع الأوبئة الحديثة

في الغالب كانت مثل هذه الفيروسات تصيب جسم الشخص دون أن تنتقل منه إلى شخص آخر؛ لكن هذه الفيروسات تطورت لتنتقل من شخص إلى آخر، وتؤدي إلى تفشي الوباء. ومن ثمَّ فإن هذه الأنواع هي الشغل الشاغل لمركز “NCZVED”.

للدكتور خان تجربة شديدة الثراء في التعامل مع مجموعة واسعة من الأوبئة وفي مناطق متفرقة في العالم، إضافة إلى متابعته الإشراف على المخزون الوطني الاستراتيجي من المستلزمات الطبية الطارئة والمساعدة في تصميم استراتيجية وطنية للدفاع البيولوجي ضد التهديدات الوبائية.

تتواصل عملية الخضوع لفحوصات طبية حول العالم – وكالات

تجربة الدكتور خان مع “سارس”

سألت الدكتور خان حول فيروس كورونا، ما الخطأ الذي حدث وقاد إلى الكارثة؟ أين كانت الاستعدادات التي يقوم بها مركز الصحة العامة الذي كان يشرف عليه في مجمع السيطرة على الأمراض المعدية (CDC)؟ لماذا كانت معظم الدول -خصوصاً الولايات المتحدة- غير جاهزة؟ هل كان للافتقار إلى المعلومات العلمية أم التمويل المخصص للصحة العامة والتجارب العلمية؟

أجاب: “كان نقصاً في الخيال”، سألته كيف ذلك؟ وكانت إجابته: فلننظر إلى الخبرات السابقة.

لننظر إلى “سارس” (متلازمة الجهاز التنفسي الحادة)، ذلك الفيروس الذي خرج عام 2003 من جنوب الصين وقتل أشخاصاً في تورنتو، وسنغافورة وبعض المدن الأخرى. أصاب أكثر من ثمانية آلاف شخص بقليل، وتوفي منهم نحو 10%، ثم انتهى. كان “سارس” جرس الإنذار الأول.

خلت الشواطئ والشوارع بسبب كورونا – وكالات

بدأت التحذيرات الأولى لهذا الوباء في أواخر عام 2002 مع انتشار مرض رئوي غير نمطي في مدينة قوانغتشو جنوب الصين؛ وهي واحدة من أكبر التجمعات الحضرية على هذا الكوكب. بدأ المرض من تاجر للمأكولات البحرية نُقل إلى المستشفى، وهناك أصيب العشرات من العاملين؛ منهم طبيب أمراض الكلى، حيث عانى أعراضاً تشبه أعراض الإنفلونزا؛ ولكن بعد ذلك شعر بتحسن، واستقل الحافلة لمدة ثلاث ساعات إلى هونغ كونغ، وأقام في فندق متروبول، وهناك مرض مجدداً ونشر المرض على طول ممر الفندق في الطابق التاسع.

اقرأ أيضًا: جائحة فيروس كورونا ستغيِّر النظامَ العالمي إلى الأبد

في الأيام التي تلت ذلك، سافر ضيوف آخرون كانوا مقيمين في الطابق التاسع عائدين إلى سنغافورة وتورنتو، حاملين معهم المرض.

كان هناك لغزان في سارس: ما السبب؟ هل هو فيروس جديد؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن أي نوع؟ ومن أي نوع من الحيوانات جاء؟ سرعان ما تم حل اللغز الأول من قِبَل فريق بقيادة الدكتور مالك بيريس، طبيب سريلانكي حصل على شهادة في علم الأحياء الدقيقة في أكسفورد، اشتبه في أن “سارس” تطور من فيروس إنفلونزا الطيور H5N1″”.

اقرأ أيضاً: “كورونا” يخلِّف آثاراً عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

تجارب ناجحة في التعامل مع “سارس”

في مارس 2003 أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيراً من “سارس”، ووقتها وصل الدكتور خان إلى سنغافورة، وكانت استراتيجية الصحة العامة هي العزل، والحجر الصحي. قال لي دكتور خان: “قبل هذا الوباء لم يكن الحجر الصحي والعزل آليات مستخدمة في التعامل مع الأوبئة المتفشية والأمراض المعدية”.

اتخذت تدابير صارمة للحد من انتشار المرض، وأغلقت المدارس، وأُحرقت جثث الذين ماتوا بسبب (سارس) خلال 24 ساعة. وتتبع المحققون المرضى الجدد ومَن خالطوا، وخلال 24 ساعة، أرسلت هذه البيانات إلى سلطات الحجر الصحي الإلزامي، وكانت التعليمات: “وجود كاميرات مراقبة في أماكن الحجر المنزلي، وهاتف يتم الاتصال به بشكل عشوائي للتأكد من البقاء في المنزل، وسوار يلبس للتتبع”. لكن الحجر الصحي الإلزامي يتطلب التعامل مع تحديات لوجيستية: يجب عليك إطعام هؤلاء الناس، والتأكد من رعايتهم الصحية.

مع الإجراءات المشددة، وفي 13 يوليو 2003، خرج آخر مريض بـ”سارس” من تان توك سينج، وانتهى الأمر.

اقرأ أيضًا: فيروس كورونا يفرض تحديًا جديدًا أمام العلاقات الصينية- الأمريكية

إخفاق في التعامل مع فيروس “ميرس”

“المرض في أي مكان هو مرض في كل مكان”، هكذا يعبر الدكتور خان عن الأوبئة. ويقول في عام 2015، وصل فيروسٌ تاجي مختلف إلى كوريا الجنوبية من رجل يبلغ 68 عاماً عائداً من منطقة الخليج؛ حيث شُخص متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، وأطلق عليها لقب إنفلونزا الإبل. أصيب 160 كورياً وتفشى المرض بسبب قصور في بعض جوانب نظام الرعاية الصحية في كوريا الجنوبية. فمثلاً سمح للمرضى باستقبال الزوار؛ ما أسهم في الانتشار. يقول خان: “لقد أدركوا في ذلك الوقت ما يحدث من قصور في الرعاية الصحية، وأصبحت متلازمة الشرق الأوسط التنفسية في كوريا الجنوبية مثالاً على الأخطاء الفادحة التي أدت إلى تفشيه”.

اقرأ أيضًا: بجعة “كورونا” السوداء تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي

لماذا لم نتعلم من الخبرات السابقة؟

التحذيرات المستمرة من إمكانية تفشي أوبئة مصدرها الحيوان وتنتقل إلى الإنسان، وتتطور للانتقال من شخص إلى آخر توفرت في سلسلة من البحوث نشرت طوال الـ15 سنة الماضية؛ معظمها مع كلمة “الخفافيش”، وأغلبها تجد من ضمن المؤلفين اسم “Zheng-Li Shi” زينغ لي شي، عالمة فيروسية في الخمسينات من عمرها، تلقت تعليماً في ووهان وفرنسا، وتدير مختبراً في معهد ووهان للفيروسات. قامت بأول بحث استكشافي في الكهوف الصينية في عام 2004، وبعد ذلك بعام كتبت أن فيروس “سارس” الذي اكتشفه بيريس انتقل إلى البشر من الخفافيش.

اقرأ أيضًا: حان الوقت لإدخال الصين في عزلة نتيجة عدم أمانتها في التعامل مع فيروس كورونا

عملت شي وفريقها على عينات من الخفافيش ووجدت تنوعاً في الفيروسات التاجية قادرة على إصابة البشر. وحذرت وفريقها، في بحث صادر عام 2017، من “ضرورة الاستعداد لظهور أمراض شبيهة بالسارس في المستقبل”. من جانبه، حذر باحث من فريقها اسمه بيتر دازاك، وهو رئيس تحالف “EcoHealth”، وهي مجموعة علمية غير ربحية، مقرها في نيويورك، من الأمر ذاته.

ومع ظهور “كورونا” الجديد، عملت شي على تحليل للفيروس من خلال تحليل عينات من مرضى مختلفين، وأعلنت وفريقها في 23 يناير، أن الفيروس الذي عثر عليه في هؤلاء المرضى كان مطابقاً بنسبة 96,2% لفيروس الخفافيش التاجي الذي حذروا منه قبل ذلك بثلاث سنوات.

بحلول ذلك الوقت، كان الفيروس ينتشر في ووهان لمدة سبعة أسابيع على الأقل، وأسهمتِ الأخبار الخاطئة من قِبَل القادة السياسيين، ومسؤولي المستشفيات، والمؤسسات الصينية المسؤولة عن السيطرة على الأمراض، من التقليل من خطر الفيروس، وأنه لم ينتقل من شخص إلى آخر. 

تطهير الكنيسة اليسوعية في دايجو- كوريا الجنوبية 2020

سنغافورة وكوريا الجنوبية تستفيدان من الخبرات السابقة

استدعت سنغافورة سريعاً خبرة “سارس” واستجابت بسرعة لفيروس كورونا المستجد، فأغلقت الحدود لغير المقيمين، واستخدمت مستشفيات العزل، وتتبعت الحالات المصابة ومَن اختلط بها وقامت بالعزل المنزلي.

وبالمثل، استخدمت كوريا الجنوبية اختبارات الكشف عن المصابين، والعزل الصحي. ورغم قرب سيول من ووهان؛ فإن حالات الوفيات كانت أقل من السويد مثلاً.

قال لي خان: “كوريا الجنوبية مثال جيد بالنسبة إلينا لننظر إليه”. تم تأكيد أول حالة كورية جنوبية في 20 يناير، في نفس اليوم الذي تم فيه تأكيد أول حالة أمريكية. “لقد اتخذوا نهجاً مختلفاً، وكل ما قُمنا به أننا نظرنا إلى ما يفعلون دون أن نفعل شيئاً”. لقد قامت كوريا الجنوبية فوراً بالاتصال بشركات الإمدادات الطبية وحثوها على تطوير مجموعات اختبار، وبدء الإنتاج الضخم. قال لي خان: “كل يوم بعد يوم 22 يناير اعتبر يوم تأخير في استجابة الولايات المتحدة.. كان بإمكاننا استدعاء Becton Dickinson (شركة تكنولوجيا طبية عملاقة) وطالبناها بإنتاج وسائل الاختبار؛ لكننا لم نفعل.. لأننا افتقدنا القدرة على الخيال”. يمكن للعلماء وصف المخاطر، ويمكن لمسؤولي الصحة العامة رسم استجابة، ولكن فشل بيروقراطيي الوكالات والقيادة الوطنية في فهم مدى سوء التفشي هو الأزمة.

اقرأ أيضًا: القارة الإفريقية ووباء كورونا.. السيناريو الأسوأ عالميًّا لم يبدأ بعد

لقد فشلت الحكومة الأمريكية في الاستفادة من تحذيرات وباءَيْ “سارس” و”ميرس”. وفشلت في أن تعي خطورة إمكانية تفشي الوباء. هذا ما قصد خان بافتقار القدرة على الخيال.

الولايات المتحدة ليست وحدها؛ يواجه المجتمع العالمي صعوبة في الاستثمار في ما تعتقد أنه خطر، حتى إذا كنت تنفقه للتأمين ضد مخاطر أكبر. هناك القليل من الرغبة في الاستثمار في شيءٍ غير ملح، عندما يحدث “سارس” يتفاعل القادة السياسيون والمتبرعون بسخاء شديد؛ ولكن عندما تنتهي الأزمة تنهار تماماً هذه الاستثمارات.  هناك إحجام عن الاستثمار بجدية في التأهب لمواجهة الأوبئة.

اقرأ أيضًا: أزمة “كورونا” العالمية في عصر ما بعد الحقيقة!

نحن بحاجة إلى الاستثمار في التدابير الوقائية؛ لجعل مجتمعاتنا قادرةً على الصمود في مواجهة مثل هذا الكابوس من حيث استراتيجيات لتوفير الإمدادات وتحسين قدرة مقدمي الرعاية الصحية والتخطيط المنسق بين المدن والولايات والمقاطعات والإرادة السياسية للمخاطرة بدفع ثمن التأهب الذي قد لا تكون هناك حاجة آنية إليه.

المصدر: ذا نيويوركر

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة