الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

لماذا لا يزال الهولوكوست حدثاً مهماً؟

كيوبوست- خاص

مايكل بيرينبوم

ما بات يعرف بالهولوكوست أصبح من الأحداث المميزة للإنسانية في القرن العشرين، مع تداعيات على مستقبل البشرية، وجوهر الحضارة الغربية بالنسبة لجميع الحضارات. فلماذا؟

تطورت المحرقة ببطء. في ألمانيا، أفسحت الديمقراطية المستقطبة، وغير الكفؤة والفعالة، المجالَ أمام نظامٍ استبدادي شمولي وصل به الأمر إلى ممارسة الإبادة الجماعية. وهذا التطور أصبح الآن يحظى باهتمامٍ أكبر من الباحثين والمؤرخين وعلماء السياسة والاجتماع، وكذلك عامة الناس، حيث أصبحنا نجد الديمقراطيات أكثر هشاشة في العالم الغربي أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في الولايات المتحدة.

وقد اشترك في قتل اليهود اثنتان من الديانات التوحيدية في العالم؛ المسيحية واليهودية، وإلى درجةٍ أقل بكثير الإسلام.

اقرأ أيضاً: معرض لمأساة الهولوكوست في دبي

لقد تطور تدمير اليهود ببطء وبشكل قانوني، من التمييز إلى الاضطهاد، من التعريف القانوني لليهود بناء على دين أجدادهم إلى التحرر الذي أعقبه مصادرة منهجية ومستمرة للأملاك، والحبس في معسكرات الاعتقال، والأحياء اليهودية المغلقة، والإبادة المنهجية النازية. تطورت هذه العملية في ألمانيا على مدى 12 عاماً، بينما في أماكن أخرى مثل المجر، لم يستغرق الأمر أكثر من أشهر قليلة.

كان الجناة من أكثر الدول الأوروبية تقدماً من الناحية الثقافية والعلمية، من ألمانيا البلد المفعم بالفلسفة العميقة، والفن الموسيقي، والعمارة والأدب والعلم. وكل واحدٍ من هذه الحقول أصبح ركيزة لا غنى عنها لعملية القتل هذه.

اقرأ أيضًا: إيخمان في القدس!

اشترك الأطباء في برنامج ترغارتن4 الذي وضعه هتلر لقتل المواطنين غير الكاملين؛ أي المعوقين، والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وكل من كان يتم تصنيفهم على أنهم “مهدرون للطعام”، وكان يقود هذا البرنامج طبيب في الثانية والثلاثين من العمر؛ يدعى إرميفرايد إيبير.

وبالنظر إلى الخبرة التي اكتسبها من عمله في هذا البرنامج تم إرساله إلى تريبلينكا للإشراف على عمليات الإعدام بالغاز. عند مدخل بيركينو كان قرار من سيعيش ومن سيموت بيد الدكتور جوزف مينيلي، وأطباء آخرين. بحركة من الرسغ أو إيماءة بالعصا كان يتم إرسال الرجال والنساء والأطفال المحكوم عليهم إلى غرف الغاز. كان الغاز القاتل، زيكلون بي، يصل في شاحنات الصليب الأحمر، حيث كان يتم تمويه القتل كإجراء طبي، وكان الأطباء يعلنون وفاة الضحايا عندما يتم إخلاء غرف الغاز استعداداً لاستقبال الدفعة التالية.

معتقلات في معسكر أوشفيتز- أرشيف

وطور المحامون النظام القانوني لتشريع مصادرة أملاك اليهود، وإبادتهم في إطار قانوني. القسم الأكبر من الرجال الخمسة عشر المجتمعين في مؤتمر وانسي، اللقاء الذي صادق على قرار القضاء على اليهود في العالم، كانوا من المحامين. والقضاة أيضاً تورطوا بشكل مباشر في عمليات القتل، حيث فصلت محاكم الأسرة في النزاعات حول من هو اليهودي. كانت المحاكم الألمانية هي التي تقرر من هو غير الجدير بالعيش، وصاغ المحامون مبادئ “الفوهرر” ومنحوا كلمات هتلر قوة القانون.

صمم المهندسون غرف الغاز ومحارق الجثث. وطور الكيميائيون الغاز القاتل زيكلون بي، وقام المهندسون المعماريون بتصميم المعتقلات، وأقسام معسكرات الاعتقال. وقد أطلقت مؤسسة بينالي البندقية للفنون على معسكر أوشفيتز لقب “أعظم عمل هندسي إجرامي تم تنفيذه”.

اقرأ أيضاً: ما هو اليوم الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست؟

وقام القادة الدينيون بتسهيل عمليات القتل. بشكل عام كلما كان المجتمع متديناً أكثر ازدادت أعداد القتلى من اليهود. كان رئيس سلوفاكيا كاهناً كاثوليكياً دفع للألمان 300 مارك مقابل كل يهودي يتم ترحيله من سلوفاكيا.

أكد أستاذي الراحل ريتشارد روبنشتاين في كتابه الصغير والمهم «مكر التاريخ» أن الهولوكوست كانت تعبيراً مطلقاً عما هو مشترك في التيار العام للحضارة الغربية في مجالات الاقتصاد والديموغرافيا والدين والسياسة الاجتماعية. ويكشف هذا التطرف عن مدى ضعف التيار العام. من الأمثلة البسيطة على ذلك النظر إلى معسكرات الموت على أنها مزيج فريد من نظرية “البقاء للأصلح” لتشارلز دارون، وخطوط التجميع في مصانع هنري فورد، ولكن في هذه الحالة كانت المكونات الأولية في عملية التصنيع هي الجثث.

كانت هنالك بعض الأمثلة ذات الأهمية الأخلاقية والدينية على المعارضة الدينية لقتل اليهود. أسقف كوبنهاغن، كاهن لو شامبون، رئيس أساقفة رونكالي في تركيا الذي يعرف الآن باسم القديس يوحنا الثالث والعشرين. ولكن بشكل عام كانت المؤسسات الدينية الكبرى صامتة، وغير مبالية، إذا لم تكن متواطئة وداعمة. وانخرط الفاتيكان في “صمت حكيم”.

متحف الهولوكوست في فلوريدا- أرشيف

احتل اليهود مركز سياسة التمييز العرقي النازية، ولكنهم لم يكونوا ضحاياها الوحيدين. فقد تم إرسال النقابيين والديمقراطيين الاجتماعيين إلى معسكرات الاعتقال منذ الأيام الأولى للنظام النازي. بينما دفع آخرون ثمن ما رفضوا القيام به، فقد رفض شهود يهوه أداء قسم الولاء للدولة، ورفضوا التطوع في الجيش، وقالوا إنه يجب على المرء أن يطيع الله وليس الإنسان، ورفضوا ترديد عبارة “يعيش هتلر”.

وكذلك وقع آخرون ضحية ما كانوا عليه، وتم استهداف الأقليات والغجر باعتبارهم غير اجتماعيين، وكذلك المثليين من الذكور في ألمانيا، وفي النمسا بعد مارس 1938. تم استهداف كل يهودي بالقتل والإبادة، في كل البلاد التي خضعت لسيطرة النازيين، وكل الدول التي تحالفت مع ألمانيا النازية.

وقد تطورت عملية القتل إلى تعقيداتٍ متزايدة وتجردت من الإنسانية. وبعد وقتٍ قصير من غزو ألمانيا لبولندا تم إنشاء أحياء يهودية معزولة لغرض فصل اليهود، وعزلهم، إلى درجة أن اليهود والألمان لم يكونوا يعرفون إلى متى.

اقرأ أيضاً: ما قصة كراهية اليهود ومعاداة السامية في مؤسسةدويتشه فيلهالناطقة بالعربية؟

كان اليهود يأملون أن تمكنهم هذه الأحياء اليهودية المعزولة من البقاء على قيد الحياة حتى نهاية الحرب، وهزيمة الألمان أو عودة ألمانيا إلى رشدها. بالنظر إلى أحداث الماضي، كانت الأحياء اليهودية عبارة عن أماكن لتخزين اليهود إلى أن يتم تقرير مصيرهم، أو إلى أن يتم إنجاز بناء معسكرات الموت لاستقبالهم.

في غضون ذلك كانت الأحياء اليهودية وسيلة تدمير ذاتية. فالجوع وسوء التغذية والأمراض واليأس ووباء التيفوس أدت جميعاً إلى موت واحدٍ من كل عشرة يهود في وارسو في عام 1941، وتضاعفت تلك النسبة في عام 1942 قبل التهجير الكبير.

بدأ العمل بوحدات القتل المتنقلة بمساعدة القوات المسلحة الألمانية، وجيوش المحور، وحتى قوات الشرطة المحلية، والسكان المحليين، ممن يعادون السامية. وقرية تلو قرية، ومدينة تلو مدينة، كان يتم قتل الرجال والنساء والأطفال. وعندما أصبح الأمر صعباً جداً بالنسبة للقتلة، وأصبحوا يتعاطون الكحول قبل وبعد العمليات، وحتى أثناء تنفيذها، لم يتم إرغام أحد على المشاركة في القتل، ولم تتم معاقبة أحد من القلائل الذين رفضوا المشاركة. وسرعان ما انعكست العملية، فبدلاً من إرسال وحدات القتل المتنقلة إلى الضحايا الثابتين، تم نقل الضحايا بالقطارات إلى مراكز القتل التي كانت أشبه ما تكون بخطوط الإنتاج لعملية القتل وتجريد الضحايا من إنسانيتهم ومن هويتهم أمام قاتليهم.

من ضحايا الهولوكوست – أرشيف

كانت الهولوكوست حدثاً غير مسبوق من ناحية الغاية والوسيلة

ما الذي يميز مصير اليهود؟

  • نطاق ومدى الإصرار الألماني على قتل اليهود: سعى الألمان لقتل اليهود في كل مكان، الرجال والنساء والأطفال. تم استهداف 11 مليون يهودي في مؤتمر وانسي في 20 يناير 1942.
  • اختلفت أشكال معاداة السامية في الماضي بحسب أسبابها، سواء أكانت دينية أو قومية أو اقتصادية أو سياسية، إلى أن أضاف إليها الألمان الدافع العرقي، الذي يسميه تيموثي شنايدر “دافع علم الحيوان”. ووصف سول فريدلاندر معاداة السامية النازية بأنها “تعويضية”. أي أن قتل اليهود كان ضرورة للخلاص القومي للشعب الألماني. كان اليهود يُعتبرون سرطاناً في جسد العرق المتفوق، وكانت إبادتهم أمراً ملحاً لا بد منه لبقاء الألمان وسيطرتهم.
  • تختلف معاداة السامية وفقاً لمستوى فاعليتها، ومدى خطورتها على المجتمع، ومدى أهميتها بالنسبة للمعادين للسامية. بالنسبة لهتلر وللنازيين كانت في غاية الأهمية منذ بدايته كزعيمٍ نازي إلى وصيته النهائية وشهادته للشعب الألماني.
  • تختلف معاداة السامية وفقاً لغاياتها: فيكون التحول مهماً عندما يكون الدافع دينياً، والإقصاء عندما يكون الدافع اجتماعياً، والتهجير إذا كان الدافع سياسياً، وأخيراً بالنسبة للنازيين كانت الإبادة هي الوسيلة للقضاء على الهديد العرقي.
  • كانت الجهود النازية لإبادة اليهود لا هوادة فيها، حتى على حساب الحرب العالمية الثانية. فالألمان خاضوا حربين، حرباً عسكرية، وحرباً عرقية، وكثيراً ما كانت الأولوية تعطى للحرب العرقية. وفي عامي 1942 و1944 كانت اللحظات الرئيسية من اهتزاز الجيش الألماني محورية في ترحيل اليهود إلى معسكرات الموت. وقد أوضح بيان هتلر في عام 1925 هدفين رئيسيين: التوسع الألماني، واستعمار أوروبا، والهيمنة العرقية الألمانية، وإبادة اليهود.
  • تضمنتِ الأدوات المستخدمة معسكرات الموت، حيث كان القتل الممنهج يتخذ شكل خطوط التجميع في المصانع.

يصف كثيرون الهولوكوست بأنه حدثٌ لا يمكن تصوره، وهذا ما كان عليه الحال فيما مضى، ولكن لم يعد الأمر كذلك. فالبشرية اليوم قادرة على إنتاج شرور أكبر ما لم نفهم القيود المطلوبة، والتضامن المطلوب، وما لم نقدِّر قدسية كل حياة بشرية، ونحتفي بتنوع كل الخليقة.

المحرقة ليست مجرد حدث من الماضي، إنها تحذيرٌ بشأن المستقبل.

♦مايكل برنباوم هو مدير معهد”سيجي زيرينغ Sigi Ziering  ” وأستاذ الدراسات اليهودية في الجامعة اليهودية الأمريكية. مؤلف ومحرر 20 كتابًا ، وكان أيضًا رئيس التحرير التنفيذي للطبعة الثانية من الموسوعه اليهوديه  Judica  Encyclopaedia.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Why is the Holocaust of Enduring Interest

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة