الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

لماذا قلصت فرنسا منح التأشيرات لمواطني المغرب العربي؟

القرار يأتي ضمن ضغوط فرنسية لا سيما على الجزائر في ظلِّ خلافاتٍ متراكمة بين الجانبين

تونس- فاطمة بدري

أعلنت باريس، الثلاثاء الـ28  من سبتمبر الماضي، تشديد شروط منح التأشيرات لمواطني المغرب والجزائر وتونس؛ رداً على ما اعتبرته رفض الدول الثلاث إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لاستعادة مهاجرين من مواطنيها. خطوة أثارت حفيظة الدول المغاربية المعنية بالقرار التي بادرت بالرد على القرار بأشكالٍ مختلفة؛ لا سيما في ظلِّ ما بات يروَّج، سواء في فرنسا أو خارجها، عن أن إعلان فرنسا المفاجئ هو محاولة من الرئيس إيمانويل ماكرون، لاستمالة الناخبين الفرنسيين عبر ملف الهجرة الذي بات أحد أبرز المسائل المهمة في البلاد، وسحب البساط من تحت أقدام اليمين واليمين المتطرف اللذين يراهنان على هذا الملف في حملاتهما الانتخابية.

المتحدث باسم الحكومة الفرنسية غابريال أتال، قال في تصريحاتٍ عبر إذاعة أوروبا: “إنه قرار جذري وغير مسبوق؛ لكنه كان ضرورياً؛ لأن هذه الدول لا تقبل باستعادة رعايا لا نريدهم، ولا يمكننا إبقاءهم في فرنسا”.

كما أشار المسؤول الفرنسي إلى زياراتٍ أجراها رئيس الوزراء جان كاستكس، وأعضاء من حكومته، إلى الدول الثلاث؛ لمناقشة المسألة، وإلى اجتماعاتٍ عُقدت مع سفرائها، قائلاً “عندما لا يتحرك ملف ما بعد فترة معينة، علينا تطبيق القوانين”.

اقرأ أيضًا: جدل في فرنسا مع بدء إغلاق مساجد وحل جمعيات متهمة بالتطرف

ردود أفعال

أثارت الخطوة الفرنسية حملة من ردود الأفعال من الدول المغربية؛ حيث استدعت وزارة الخارجية الجزائرية، الأربعاء 30 من سبتمبر، السفير الفرنسي في الجزائر؛ للاحتجاج على قرار باريس خفض عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين الجزائريين.

وقالت الوزارة، في بيان رسمي صدر عنها، إنه تم إبلاغ السفير فرنسوا غوييت، بـ”احتجاج رسمي من الحكومة الجزائرية بعد قرار أحادي الجانب من الحكومة الفرنسية؛ ما سيؤثر سلباً على سلاسة حركة المواطنين الجزائريين الراغبين في السفر إلى فرنسا”.

خطوة فرنسية قد تعمِّق التوترات بين فرنسا والجزائر- (صورة وكالات)

واعتبر البيان، نقلاً عن صحف محلية، أن القرار “يتنافى مع احترام حقوق الإنسان والالتزامات التي تعهدت بها الحكومتان”.

وكانت فرنسا قد أصدرت، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2020، نحو 63 ألف تأشيرة لـ96  ألف طلب تأشيرة جزائري، أي بمعدل إصدار 65  في المئة. وتراجُع هذا الرقم ازداد خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021؛ حيث وافقت فرنسا على طلبَين من أصل ثلاثة طلبات تأشيرة من الجزائر.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أمر الرئيس الفرنسي بإصدار 31500 تأشيرة، بحد أقصى للأشهر الستة المقبلة من 2021؛ أي بمعدل نصف العدد خلال السداسية الأولى من نفس السنة. ويعد هذا الرقم ضعيفاً جداً مقارنةً بمعدل التأشيرات الفرنسية للجزائريين في السنوات الماضية؛ إذ سجَّل عام 2019 رقماً قياسياً بلغ275  ألف تأشيرة ممنوحة للجزائر.

اقرأ أيضًا: في حربها ضد الانفصالية.. فرنسا تغلق 9 مساجد متطرفة في شهر واحد!

وحسب تقارير فرنسية، فإن المهاجرين الجزائريين يحتلون المركز الأول بين الأجانب الآخرين القاطنين في فرنسا في 2015؛ إذ بلغ عدد المهاجرين الجزائريين الذين يقطنون العاصمة الفرنسية باريس وحدها460  ألف شخص، من مجموع 5.5 مليون مغترب يوجدون بفرنسا.

ومن شأن القرار الفرنسي أن يزيد في تأزيم العلاقات الجزائرية- الفرنسية التي دخلت مرحلة من الفتور اللافت منذ أن رفضت باريس تسليم المطلوب الأول للسلطات الجزائرية، زعيم ومؤسس حركة استقلال القبائل (ماك) فرحات مهني، في بداية سبتمبر الماضي.

اقرأ أيضًا: لماذا تراجعت فرنسا عن سحب قواتها من منطقة الساحل؟

قرار غير مبرر

وردَّ المغرب، على لسان وزير خارجيته، ناصر بوريطة، الذي قال، خلال مؤتمر صحفي بالرباط: إن المغرب “أخذ عِلماً بهذا القرار الذي نعتبره غير مبرر”، مؤكداً أن السلطات المغربية سوف “تتابع الأمر عن قرب مع السلطات الفرنسية”.

علماً بأن فرنسا قد منحت خلال النصف الأول من هذا العام18579  تأشيرة لدخول أراضيها لمواطنين مغاربة، من أصل 24191  طلباً؛ وهو رقم ضعيف مقارنةً بسنة 2019 حيث منحت باريس346  ألف تأشيرة من أصل 420 ألف طلب.

المغرب غاضب- (صورة وكالات)

أما تونس، فقد أجرى الرئيس قيس سعيّد، اتصالاً هاتفياً، السبت الثاني من أكتوبر، مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، أعرب خلاله عن “أسفه” لإعلان باريس تخفيض عدد التأشيرات الممنوحة للتونسيين، وَفق بيان الرئاسة التونسية.

وجاء في بيانٍ للرئاسة: “عبَّر رئيس الجمهورية عن أسفه لقرار التخفيض في عدد التأشيرات الممنوحة للتونسيين الراغبين في التوجه إلى فرنسا”.

واعتبر سعيّد أنه “لا يمكن معالجة مسألة الهجرة غير النظامية إلا بناء على تصور جديد”، مشدداً على أنه “سيتم الانكباب على البحث عن حلٍّ لهذه الظاهرة بعد تشكيل الحكومة التونسية الجديدة”، علماً بأن عدد التونسيين المهددين بترحيلهم من فرنسا إلى بلادهم يُقدر بـ3424  شخصاً.

اقرأ أيضًا: الإخفاق المقلق في مراقبة الإرهابيين المفرج عنهم في فرنسا

وكانت حادثة نيس الإرهابية التي ذهب ضحيتها ثلاثة أشخاص في أكتوبر 2020، قد أحدثت هزة كبيرة في فرنسا، بعد التوصل إلى أن الهجوم الإرهابي نفذه شاب تونسي بعد دخوله إيطاليا بطريقةٍ غير قانونية؛ حيث التقط السياسيون الفرنسيون هذه الحادثة، وجعلوا منها منطلقاً لربط الهجرة غير الشرعية من بلدان المغرب العربي، بخطر التطرف والإرهاب.

ومنذ ذلك الحين اتخذت فرنسا جملة من الإجراءات للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وطالبت، في لقاءاتٍ دبلوماسية متتالية مع دول المغرب العربي، بضرورة استعادة مهاجريها غير الشرعيين.

حادثة نيس الإرهابية- أرشيف

كما ضاعفت عدد قوات الأمن المنتشرة على الحدود الفرنسية من 2400 إلى 4800 جندي، لمكافحة خطر الإرهاب وعمليات التهريب والهجرة غير القانونية. وتضم فرنسا 231 أجنبياً مقيمين بطريقةٍ غير قانونية، وملاحقين بشبهات تطرف، ينتمي 70 في المئة منهم إلى أربع دول؛ ثلاث منها من المغرب العربي.

ووقع 14 هجوماً على الأراضي الفرنسية في الفترة من 2013 إلى 2019 وفقاً لمركز تحليل الإرهاب، بينما فشلت العشرات من المحاولات أو أمكن إحباطها.

ورغم أن باريس تعلل قرارها بتراخي الدول الثلاث عن استعادة مواطنيها الموجودين في فرنسا بشكلٍ غير قانوني؛ فإن المراقبين يعتبرون أن القرار يدخل في سياق الحملة الانتخابية السابقة لأوانها لماكرون؛ إذ يحاول الرئيس الفرنسي استمالة الرأي العام في بلاده عبر قرارات على علاقة بالهجرة، باعتبارها أحد الملفات الأكثر أهمية بالنسبة إلى الفرنسيين في السنوات الأخيرة. كما أنه بهذه الخطوة يسعى أيضاً لمزاحمة اليمين واليمين المتطرف اللذين يستخدمان ورقة الهجرة لجلب الناخبين إلى صفهما، ويروجان بقوة لكونها خطراً يستحق المواجهة.

ماكرون يزاحم اليمين على ملف الهجرة- (صورة وكالات)

الصحفي والمحلل السياسي محمد الهادي حيدري، اعتبر أن قرار فرنسا خفض عدد التأشيرات لدول المغرب العربي، هو قرار سيادي لا جدال فيه؛ لكن المثير للاستغراب هو عدم إصدار تونس رداً رسمياً والتزام الصمت حتى الآن، في موقف يبدو أقرب للتسليم بوجاهة القرار الفرنسي، على خلاف موقفَي الجزائر والمغرب، على حد تعبيره.

وقال حيدري لـ”كيوبوست”: “الموقف التونسي قد يفسر في جانب منه بمنطق أن الدبلوماسية التونسية تأسست تاريخياً على الهدوء وعدم الجنوح للصدام، والتأني بدل التصعيد واختيار التوقيت المناسب لرد الفعل دون الخروج عن تلك السياقات (الهدوء والتريث). ويبدو واضحاً أيضاً أن الدبلوماسية التونسية تضع في اعتبارها أن قرار تقليص التأشيرات موجه أساساً إلى الداخل الفرنسي ضمن حسابات انتخابية للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يواجه وضعاً صعباً، ويستعد لخوض الانتخابات الرئاسية لولاية ثانية برصيدٍ من النكسات السياسية داخلياً وخارجياً”.

محمد الهادي حيدري

وأضاف حيدري: “ملف الهجرة يعتبر مفصلاً أساسياً في المعركة الانتخابية في فرنسا، وهو ملف حاضر بقوة في السجال الانتخابي بين اليسار واليمين واليمين المتطرف؛ لكن هذا لا يحجب في المقابل أن قرار تقليص عدد التأشيرات لدول المغرب العربي يأتي أيضاً ضمن ضغوط فرنسية خاصة على الجزائر، في ظلِّ خلافاتٍ متراكمة مع الشريك والمستعمر الفرنسي السابق؛ ومن ضمنها ما يتعلق بتوتر العلاقات بسبب ملف الحركيين، وملف الذاكرة، وأيضاً ملف مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، وقد رفضت الجزائر، حتى بعد تعديل الدستور بما يسمح لجيشها بالتدخل في مهمات خارجية، مدّ يدها لمساعدة فرنسا للخروج من ورطتها في مالي. تونس تبدو بعيدة نسبياً عن هذه التجاذبات والحسابات الجيوسياسية، وتُقدر ربما أن مسألة تقليص عدد التأشيرات مسألة ظرفية سيهدأ ضجيجها قريباً مع انتهاء مسبباتها”.

وتُعتبر مسألة إعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم الأصلية خطوة في غاية التعقيد؛ خصوصاً في الحالات التي لا يمتلك فيها المهاجر أوراقه الثبوتية. وحسب القوانين والاتفاقيات، لا يمكن ترحيل شخص عديم الجنسية، ويجب أن يعترف بلده الأصلي به ويوافق على استقباله. ويتم إثبات هذا الاعتراف من خلال إصدار تصريح قنصلي، وهو خطوة غالباً ما لا تُقدِم عليها دول المهاجرين غير الشرعيين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة