الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

لماذا قررت واشنطن إنشاء قوات دولية لحماية البحر الأحمر؟

إنشاء فرقة العمل رقم153 يمكن أن يُسهم في تقليل مخاوف الحلفاء العرب ويعيد بعض الثقة في العلاقة مع الولايات المتحدة

كيوبوست- منير بن وبر

أنشأت القوات البحرية المشتركة (CMF) فرقة عمل بحرية دولية جديدة في17 أبريل؛ لتعزيز الأمن البحري في منطقة البحر الأحمر. تأسست القوات البحرية المشتركة في عام2001  باشتراك12  دولة مهتمة بمواجهة تهديد الإرهاب الدولي. تم توسيع المنظمة لاحقاً؛ لتشمل عمليات مكافحة القرصنة، ووصل عدد أعضائها إلى34 بحلول عام 2021.

جاء الإعلان على إنشاء القوة الجديدة، والتي أُطلق عليها اسم فرقة العمل رقم 153، خلال حفل تكليف بالمهمة أُقيم في المقر الإقليمي للبحرية الأمريكية في البحرين. خلال الحفل، قال نائب الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية والأسطول الأمريكي الخامس: إن هذه الخطوة “دليل ملموس وهادف على التزامنا بضمان الأمن والاستقرار البحري الإقليمي من خلال التعاون الدولي”.

اقرأ أيضاً: تصدير الموت والجريمة إلى اليمن

يأتي الإعلان عن فرقة العمل متعددة الجنسيات هذه في لحظة لا تعيش فيها العلاقات الأمريكية بدول الخليج العربي؛ خصوصاً السعودية، أحسن أوقاتها؛ بل إن هذه النكسة في العلاقات تمتد إلى حلفاء آخرين في المنطقة -حسب مراقبين- مثل إسرائيل؛ وذلك نتيجة رغبة واشنطن في إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما يمثل تهديداً لأمن إسرائيل ودول الخليج العربي. لقد أصبح دور واشنطن بالفعل –حسب مسؤول سعودي– مخيباً للآمال، كما أن صورة الولايات المتحدة لدى شعوب المنطقة في تراجع مستمر، حسب أحدث استطلاعات الرأي.

لماذا هناك حاجة إلى مزيد من الحماية؟

القوات البحرية المشتركة هي أكبر شراكة بحرية متعددة الجنسيات؛ إذ تتكون من34 دولة ملتزمة بالنظام الدولي القائم على قواعد الملاحة البحرية. تم إنشاء أربع فِرق قوات مشتركة منذ التأسيس؛ آخرها فرقة العمل رقم 153، والتي ستركز على الأمن البحري الدولي وجهود بناء القدرات في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

براد كوبر قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية والأسطول الأمريكي الخامس والقوات البحرية- البحرية الأمريكية

تُعد منطقة البحر الأحمر وخليج عدن حيوية للغاية، ومهمة للاقتصاد والأمن العالمي؛ من خلال هذا الممر يمر أكثر من10  في المئة من التجارة العالمية سنوياً، كما يتم من خلاله نقل كميات هائلة من النفط القادم من دول الخليج العربي؛ حيث يتم إنتاج نحو ثُلث النفط المستخدم عالمياً.

لكن الاضطراب في بعض المناطق المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بشكل أساسي اليمن والصومال، جعل من هذه المنطقة الحيوية مسرحاً للأنشطة غير المشروعة أيضاً، والتي تهدد الأمن والاستقرار السياسي، وذلك يشمل القرصنة وتهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر. يشكل الحوثيون أحد أكبر التهديدات في المنطقة؛ بسبب استغلالهم شواطئ اليمن الطويلة على البحر الأحمر والعربي؛ للحصول على الأسلحة من إيران.

اقرأ أيضاً: خليج عدن.. خط التهريب المزدهر منذ عقود

في حديث له مع موقع Breaking Defense،قال  براد كوبر، قائد الأسطول الخامس الأمريكي والقوات البحرية الأمريكية: “في العام الماضي، ارتفعت مضبوطات المخدرات والأسلحة بشكل صاروخي”، موضحاً أنه تمت مصادرة كمية كبيرة من المخدرات تُقدر قيمتها السوقية بنصف مليار دولار؛ وهي قيمة أعلى من قيمة كل ما تم مصادرته خلال السنوات الأربع الماضية مجتمعة. كما تم مصادرة -حسب كوبر-9000  قطعة سلاح كانت متجهة على الأرجح إلى الحوثيين في اليمن، وهذه الكمية تعتبر ثلاثة أضعاف ما تم مصادرته في عام 2020.

الألغام البحرية والقوارب المفخخة التي يتم التحكم بها عن بُعد، هي مصدر آخر للتهديدات في البحر الأحمر، ولا يقتصر تأثير ذلك على سفن الشحن فقط؛ بل أيضاً على مجتمعات الصيد الصغيرة التي تعتمد على الأسماك كمصدر أساسي للدخل. كما أنه -بلا أدنى شك- سيكون هناك تأثير كارثي على البيئة البحرية ومصانع تحلية المياه على طول البحر الأحمر في حالة تسريب أية كميات من النفط نتيجة استهداف ناقلات النفط.

ميناء عدن- “فرانس برس”

كما لا ننسى أن عدم قدرة اليمن على تنفيذ القانون وحماية مياهه يجعل من مصائده هدفاً للصيد غير المشروع، والذي يُفقد البلد الفقير أحد أهم مصادر الدخل الذي تشتد الحاجة إليه.. كل ذلك يجعل من أمن منطقة البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي مسألة حاسمة للاستقرار الاقتصادي والسياسي الإقليمي والدولي.

 إصلاح العلاقة بالحلفاء

يُنظر إلى إنشاء فرقة العمل رقم153  والتعهد بمزيد من الحماية الدولية للبحر الأحمر كرسالة أيضاً من الولايات المتحدة إلى حلفائها في المنطقة، وبالتحديد المملكة العربية السعودية، مفادها أن واشنطن لا تزال إلى جانب الرياض، ولا تزال ملتزمة بأمن الخليج المهم للولايات المتحدة التي تعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة المتدفقة منه.

تتعرض علاقة واشنطن بالرياض إلى اختبارات صعبة؛ لأسباب بينها حرب اليمن وموقف الرئيس بايدن العدائي تجاه المملكة. ومؤخراً، أعادت الحرب الروسية-الأوكرانية تأكيد أهمية الحفاظ على مستوى معقول من الانسجام بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، وأهمية إظهار المزيد من القوة في منطقة البحر الأحمر.

في تصريح حديث، أشار الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية السابق، إلى أن السعوديين يعتبرون علاقتهم بالولايات المتحدة استراتيجية؛ لكنهم يشعرون بالخذلان بسبب موقف واشنطن من الهجمات الحوثية على المملكة. وأوضح الفيصل لموقع “عرب نيوز” أن السعوديين يشعرون بالإحباط من سياسات واشنطن في الوقت الذي يعتقدون فيه أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، يجب أن تواجها معاً التهديدات؛ لاستقرار وأمن منطقة الخليج.

الأمير تركي الفيصل- جيتي أمجس

حديث الأمير تركي الفيصل يمكن تأكيده أيضاً من خلال أحدث استطلاعات الرأي التي رعاها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في السعودية والإمارات والكويت ومصر؛ والتي تم من خلالها استكشاف نظرة شعوب تلك الدول إلى الولايات المتحدة وروسيا، وكان من نتائج الاستطلاع المفاجئة أن نحو أكثر من نصف العينة المستطلعة في الدول الخليجية الثلاث تشعر “أنه لا يمكن الاعتماد على واشنطن”. أما نتائج استطلاع الشعب المصري فقد أظهرت أن المصريين ينظرون إلى “العلاقات مع موسكو على أنها أكثر أهمية من العلاقات مع الولايات المتحدة”.

تأتي تلك النتائج في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى كسب المزيد من التأييد في حربها الباردة الجديدة -إلى الآن- مع روسيا، وتطلعها إلى مواقف عربية موافقة لرغباتها، ومن أهم تلك الرغبات تلك المتعلقة بتحسين أسواق الطاقة من خلال تعويض نقص الإمداد الروسي للطاقة وخفض الأسعار.

اقرأ أيضاً: ماذا لو ربح بوتين؟ كيف ستغير سيطرة روسيا على أوكرانيا وجه أوروبا؟

ولتقليل حدة التوتر وتحسين صورتها، يرى بعض المراقبين أن إنشاء فرقة العمل رقم153  يمكن أن يُسهم في تقليل مخاوف الحلفاء العرب ويعيد بعض الثقة في العلاقة مع الولايات المتحدة؛ حيث يمكن أن تسهم فرقة العمل في تقليل فرص حصول الحوثيين على السلاح والدعم من إيران، وهي خطوة مهمة في إضعاف القوة المهددة للسعودية والإمارات وأسواق الطاقة العالمية.

لكن إنشاء الفرقة يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد من تحسين العلاقة مع دول الخليج العربي كذلك؛ إذ يمكن أن يكون خطوة في إطار المنافسة مع روسيا، والتي تظهر اهتماماً أيضاً بمنطقة البحر الأحمر؛ لأسباب عسكرية أكثر مما هي اقتصادية. ففي عام2020  مثلاً اتفقت موسكو مع السودان على إنشاء قاعدة عسكرية لها في بورتسودان المطلة على البحر الأحمر.

سوف تستوعب القاعدة الروسية في السودان -ولـ25 عاماً قابلة للتجديد- ما يصل إلى300  فرد وأربع وحدات بحرية؛ بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية. سيكون من المهم إبقاء تلك الأصول الروسية تحت مراقبة صارمة من قِبل الولايات المتحدة؛ خصوصاً في الظرف العالمي الجديد.

سفينة عسكرية روسية في بورتسودان- AP

هناك العديد من الأسباب الواجبة لجعل منطقة البحر الأحمر وخليج عدن منطقة آمنة تستوجب حماية دولية؛ ليس لأمن واستقرار الولايات المتحدة وأوروبا من خلال ضمان تدفق التجارة والطاقة فحسب، بل أيضاً لدول الخليج العربي التي تعتمد كذلك على صادرات النفط عبر مضيق هرمز وباب المندب. إن تحقيق المزيد من الأمان وإظهار المزيد من قدرات الردع يمكن أن يطمئن حلفاء واشنطن ويبقي المخاطر والتوترات في حدها الأدنى؛ لكن قد يتطلب الأمر كذلك أكثر من فرقة العمل رقم 153؛ ليس أقله تغيير الخطاب الأمريكي المعادي للسعودية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة