الواجهة الرئيسيةترجمات

لماذا قررت الولايات المتحدة تنفيذ قرار استهداف سليماني الآن؟

كيوبوست – ترجمات

  • مايكل دوران

أكثر من أية عملية عسكرية أمريكية أخرى منذ غزو العراق في 2003، فإن اغتيال اللواء قاسم سليماني قائد “فليق القدس” بالحرس الثوري الإيراني، هو حدث زلزالي بالشرق الأوسط. صحيح أن مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، ومقتل أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش، كانا حدثَين مهمَّين ذوَي مغزى بالتأكيد، لكنهما كانا رمزيَّين إلى حد كبير؛ فالمنظمات التي توليا رئاستها كانت دُمِّرت في الغالب، لكن اغتيال سليماني يمثل تحولًا جذريًّا في سياسات الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: أبراهام لينكولن”.. رسالة الردع الأمريكية الحاسمة لإيران

ترجع أهمية مقتل سليماني إلى أنها تساعد على فهم اللعبة الجيوسياسية التي كرَّس حياته للعبها.. في لبنان، قام سليماني ببناء “حزب الله”؛ ليكون دولة قوية داخل الدولة، وليكون منظمة إرهابية تتلقى أموالها وأسلحتها وأوامرها من طهران؛ فالحزب يمتلك ترسانة من الصواريخ أكبر من معظم دول المنطقة، وكان نجاحه هائلًا في مساعدة إيران ليس فقط على تعزيز نفوذها في لبنان، ولكن في مختلف أنحاء العالم العربي.

عناصر من حزب الله يحملون أعلامهم الصفراء -رويترز

بناءً على هذه التجربة الناجحة، أمضى سليماني العقد الماضي في محاكاة نموذج “حزب الله” في العراق وسوريا واليمن، ودعم الميليشيات المحلية بأسلحة دقيقة ومعرفة تكتيكية؛ ففي سوريا تحالفت قواته مع روسيا لدعم نظام بشار الأسد، وهو أمر تسبب في طرد أكثر من 10 ملايين شخص من منازلهم وقتل أكثر من نصف مليون شخص. وفي العراق، كما رأينا في الأيام الأخيرة، فإن ميليشيات سليماني تتسلل إلى مؤسسات الدولة الشرعية، فقد صعدت إلى السلطة بعد مشاركتها في تمرد كان هو مهندسه، ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف، فقد قتل مئات الجنود الأمريكيين بسبب الأسلحة التي قدمها “فيلق القدس” إلى وكلائه العراقيين.

شاهد : فيديوغراف: قاسم سليماني يفشل في إحباط حراك العراقيين

بنى سليماني إمبراطورية الميليشيات مراهنًا على تجنُّب الولايات المتحدة المواجهة الصريحة. ومن المؤكد أن هذه المناورة أثمرت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، لكن في عهد ترامب تعامل معها باعتبارها رهانًا آمنًا؛ فسياسات الرئيس الأمريكي المعلنة المتمثلة في ممارسة “أقصى قدر من الضغط” مكتفيًا بالضغط الاقتصادي، فُسِّرت بأن ترامب يخشى الوقوع في حرب.

اقرأ أيضًا: ميليشيات الحشد الشعبي.. دولة إيرانية داخل الدولة العراقية

في سبتمبر الماضي، قام سليماني ورفاقه بتنظيم الهجوم على حقل النفط في السعودية، وهو عمل حرب، وتبعته سلسلة من الهجمات التي نفذها وكلاء إيران على الأمريكيين.. صحيح أن إدارة ترامب أكدت بوضوح أن مهاجمة الأمريكيين خط أحمر؛ لكن سليماني سمع في الماضي تهديدات من القادة الأمريكيين واعتقد أن بإمكانه محو الخط الأحمر للرئيس الأمريكي.

دخان حريق بمنشأة تابعة لشركة أرامكو في بقيق بالسعودية سبتمبر الماضي – رويترز

المؤكد أن رحيل سليماني سيجعل إيران أضعف بكثير، وسوف يشجع الخصمَين الإقليميَّين -إسرائيل والسعودية- على متابعة مصالحهما الاستراتيجية بحزم أكبر، كما أنه سيغرس في المحتجين بإيران ولبنان؛ خصوصًا العراق، الأمل في أن ينجحوا في فرض سيطرتهم على الحكومة بدلًا من الجمهورية الإسلامية القائمة الآن.

يعتبر قرار قتل سليماني نهاية لاستراتيجية أوباما في الشرق الأوسط، والتي سعت لإعادة تنظيم المصالح الأمريكية مع مصالح إيران؛ فطريقة أوباما بمحاولة تحقيق توازنات وتفاهمات مع طهران لم تقترن بالطابع الأساسي للجمهورية الإسلامية وطموحاتها الإقليمية. وفي المقابل أدرك ترامب أن هدف إيران هو استبدال أمريكا كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: العراق يسعى للصلح كي لا يكون حطب الحرب

ليس لدى واشنطن خيار، فإذا كانت تسعى للبقاء في الشرق الأوسط فإن التحرك كان ضروريًّا؛ فلم تكن مواجهة إيران قرارًا سهلًا، فلا شك أن ترامب يفضل التفاوض مع طهران حول برنامجها النووي بدلًا من الأمر باغتيال جنرالها الأكثر شهرةً؛ لكن الرئيس أدرك أن تأمين المكانة الإقليمية لبلاده يتطلب استجابة قوية لتصعيد سليماني.

في الواقع، كان هذا الرد الأمريكي أمرًا طال انتظاره. أعلم من تجربتي الخاصة كمسؤول كبير سابق في البيت الأبيض ووزارة الدفاع، أن الولايات المتحدة كان أمامها في عديد من المرات فرصة لقتل سليماني؛ لكن في كل مرة قررت معارضتها، لكن هذا التقييد لم يجعل العالم أكثر أمانًا، فقائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني عزَّز من قوة وجوده كرجل يتمتع بقدرات خارقة تقريبًا تمنع اكتشافه.

اقرأ أيضاً: هل نجحت قمة وارسو في تشكيل تحالف دولي لردع السلوك الإيراني؟

اتهم منتقدو ترامب فور العملية الرئيس باستفزاز إيران دون داعٍ؛ بحجة أن اغتيال سليماني قد يؤدي إلى الحرب، لكن هذا التحليل يتجاهل حقيقة أن سليماني يشن حربًا على أمريكا وحلفائها منذ سنوات، وكان مشاركًا رئيسيًّا في التخطيط للهجمات؛ فالتخلص من أكثر الإرهابيين فتكًا في العالم أمر يبعث على السعادة، ومقاطع الفيديو التي تنتشر للاحتفال بمقتله تؤكد البؤس الذي سببه، فمن المهم أن تستمر الولايات المتحدة في إلغاء إرث سليماني القاتل المعادي لها.

  • كبير الباحثين في معهد هدسون، عمل في وزارتَي الخارجية والدفاع الأمريكيتَين، وفي مجلس الأمن القومي.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة