ترجماتشؤون دولية

لماذا قبلت مجموعات جهادية أجنبية بالعمل تحت مظلة تركيا في سوريا؟

العلاقة الوطيدة بين الطرفين تتكشف

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “مودرن دبلوماسي” الأوروبية، بقلم أستاذ العلوم السياسية، خبير شؤون الإسلام السياسي، د. أوران بوتوبيكوف.

بعد توقيع وتنفيذ مذكرة سوتشي بين تركيا وروسيا حول استقرار الوضع في إدلب السورية، باتت الجماعات الجهادية الآسيوية الناشطة في سوريا، المرتبطة بالقاعدة، تتوجه نحو الأراضي التركية بكل سهولة ودون أن تواجه أية قيود. بعض عناصر هذه الجماعات لا تزال تتنقل بين الحدود، وبعضها الآخر فضل البقاء في الأراضي التركية إلى أجل غير مسمى.

اقرأ أيضًا: قادة داعش اختاروا البقاء في تركيا بعد تهريبهم عبر الحدود مع سوريا

خلال رحلتي الأخيرة إلى تركيا، قمت بزيارة منطقة “زيتينبورنو” في إسطنبول، حيث يعيش قسم كبير من الشتات الإيغوار القادمين من إقليم “سنغيانغ” الصيني، وقد أخبروني أن مقاتلين جهاديين إيغوار تابعين لـ”الحزب التركستاني الإسلامي” يستخدمون الأراضي التركية للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة تحت ستار اللاجئين من سينغيانغ. وخلال وجودي على الأراضي التركية، أجريت مقابلات مع جهاديين آخرين من أصول طاجاكستانية، تحدثوا لي عن إيمانهم بأيديولوجية القاعدة، التي حثتهم على “الهجرة” إلى سوريا مع زوجاتهم للقتال ضد “الكفار” بهدف حماية “الأمة الإسلامية”، وقد انتقلوا حديثًا إلى داخل تركيا.

أخبرني بعض المقاتلين برغبتهم في التوقف عن القتال والسفر إلى الخارج من أجل العيش بسلام، بعيدًا عن الفِكر الجهادي. لكن في الوقت ذاته، عبر الكثيرون عن عزمهم على القتال حتى آخر رمق من أجل ما يصفونه أمجاد الأمة الإسلامية. وما يلفت الانتباه أن عدد الجهاديين من آسيا الوسطى، بالتحديد من وادي فرغانة ومقاطعة سينغيانغ الصينية، يتجاوز الـ5000 مقاتل، الكثير منهم ينتقلون من وإلى الأراضي التركية. هؤلاء الجهاديين الأوزبكيين والإيغوار والطاجيك والقرغيز ينشطون في تنظيمات تحمل أسماء “كتيبة الجهاد والتوحيد” و”كتيبة الإمام البخاري” و”حزب تركستان الإسلامي” و”كتيبة الغرباء التركستانية”.

ومن الجدير ذكره أيضًا أن جميع العمليات العسكرية من تنفيذ مجموعتي “كتيبة التوحيد والجهاد” و”الحزب التركستاني الإسلامي” تجري تحت إشراف “هيئة تحرير الشام” بتشجيع من المخابرات التركية. كما أن “كتيبة الإمام البخاري” تتعاون بشكل وثيق مع كتيبة “الجبهة الوطنية للتحرير” التي تأسست في مايو/أيار 2018 تحت رعاية أنقرة. وبرغم اختلاف مسارات العمل الجهادي بين هذه المجموعات الجهادية، إلا أنها تعمل في إطار أيديولوجية سلفية تحظى بترحيب من ضباط أتراك.

اقرأ أيضًا: اتهامات لتركيا بتجنيد مقاتلين سابقين من داعش في حربها على عفرين!

ومن بين الأسباب التي تحث الأتراك على الإعجاب بجهاديي آسيا الوسطى، هو أنهم عملوا مع القاعدة وهيئة تحرير الشام، وتمتعوا بالقدرة على العمل كجسر رابط بين التنظيمين في أعقاب نشوب خلافات بينهما.

وكما هو معروف، من المفترض أن تعمل تركيا على إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كم في منطقة إدلب، من أجل سحب الجماعات الإرهابية، بما في ذلك أسلحتها الثقيلة. ولكن كجزء من العملية، أجرى جهاز المخابرات التركي محادثات مع جميع الجماعات المسلحة من المعارضة السورية، وكذلك مع الجماعات السلفية الجهادية المدعومة من القاعدة، وعمل على استغلال ذلك من أجل مصالح تركية سياسية – عسكرية داخل الأراضي السورية.

 

أسباب عمل التنظيمات الجهادية مع المخابرات التركية

هنالك العديد من العوامل تشجع المجموعات الجهادية من آسيا الوسطى، بما فيها “كتيبة الجهاد والتوحيد” و”كتيبة الإمام البخاري” و”حزب تركستان الإسلامي” و”كتيبة الغرباء التركستانية”، على العمل مع أنقرة:

أولًا، نظرًا لعوامل دينية وثقافية مشتركة بين شعوب آسيا الوسطى وتركيا، تلقّى جهاديو وادي فرغانة وسينغيانغ دعمًا ماليًا ولوجستيًا خفيًا من أنقرة، شمل تسهيل العبور عبر الحدود التركية – السورية. وقد سمح الرئيس إردوغان لأكثر من 20,000 مقاتل أجنبي من روسيا وآسيا الوسطى والقوقاز والصين بالمرور عبر الأراضي التركية للانضمام إلى المنظمات الجهادية الإرهابية السلفية في سوريا والعراق، بدءًا من عام 2013. وفي حال تمكن بشار الأسد من الاستيلاء على إدلب، فستكون الأراضي التركية هي منطقة الهروب الوحيدة للمقاتلين الأجانب الناطقين بالروسية. ولهذا، لا يريد الجهاديون حرق الجسور التي ستخدمهم في المستقبل.

اقرأ أيضًا: مترجم: تركيا توفر لسجناء داعش الرفاهية الكاملة!

ثانيًا، في بدايات الحرب الأهلية السورية 2011 – 2014، اعتبرت تركيا الجهاديين من آسيا الوسطى قوة مؤيدة للسنة، قادرة على القتال لإبعاد بشار الأسد عن السلطة. ولهذا، سمحت السلطات التركية للمقاتلين الجرحى من آسيا الوسطى بالحصول على العلاج في المستشفيات التركية. في عام 2014، أصيب الزعيم الجهادي أبو صلوح إصابة بليغة أثناء معركة مع قوات الحكومة السورية، فعملت تركيا على نقله لتلقي العلاج في أنقرة.

ثالثًا، توفر تركيا لمجموعات جهادية، على رأسها الحزب التركستاني الإسلامي، منصة لبنية تحتية لوجستية هامة. كما أن هذه المجموعات تستخدم الشتات من الإيغوار على الأراضي التركية لجمع مساعدات مالية من رجال أعمال، لصالح أولئك الذين يرغبون بـ”الهجرة” إلى مناطق الجهاد.

وبالنظر إلى جميع هذه العوامل، تواصل دوائر إردوغان الأمنية التأثير على قادة الجماعات الجهادية من آسيا الوسطى من أجل جذبهم تحت مظلة “الجبهة الوطنية للتحرير”. وكما نعرف جميعًا، تستخدم أنقرة القدرات التسليحية في الجبهة الوطنية للتحرير، ليس للقتال ضد الأسد فحسب، بل كذلك لقتال الجيش الكردي الذي يعمل على الأراضي السورية تحت اسم “وحدة حماية الشعب”.

في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أفادت وكالة “إباء” التابعة لهيئة تحرير الشام أن تركيا أمرت الجبهة الوطنية للتحرير بالاستعداد لمعركة في مناطق شرقي الفرات ضد وحدات الجيش الكردي. واليوم، يعمل جهاز المخابرات التركي على ضم الجهاديين الإيغوار والأوزبك للقتال ضد القوات التركية إلى جانب الجبهة الوطنية للتحرير. وبحسب الآراء الدينية والأيديولوجية، كان الجهاديون في آسيا الوسطى دائمًا ضد الشيوعيين الأكراد.

اقرأ أيضًا: تقرير أمريكي يكشف خطط “داعش” لإعادة التمويل، وتركيا الوجهة

لقد تمكنت أنقرة، بفضل مساعداتها المالية والعسكرية، من حشد نحو 30 جماعة إسلامية سنية متمردة حول الجبهة الوطنية للتحرير، بما فيها أحرار الشام ونور الدين زنكي. واليوم، يبلغ العدد الإجمالي لمقاتلي الجبهة الوطنية للتحرير حوالي 100,000 مقاتل، مرتبطين بالقاعدة والإخوان المسلمين وتنظيمات سلفية أخرى، مستعدين للعمل بناء على تعليمات المخابرات التركية.

 

المصدر: مجلة “مودرن دبلوماسي” الأوروبية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة