الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

لماذا قال أينشتاين لطاغور: أنا أكثر تديناً منك؟!

شايع الوقيان♦

لقاء الشاعر طاغور بالعالم أينشتاين كان لقاء مشهوداً. رجلان حازا على “نوبل”، أعلى جائزة دولية؛ الأول في الآداب، والثاني في الفيزياء. لكن المفارقة أن مضمونَ الحوار لم يكن أدبياً ولا فيزيائياً؛ بل فلسفي بامتياز. الحوار قصير، ويتناول مفهوم العلية والكون والألوهية والحقيقة. وسأتوقف عند مفهوم الحقيقة.

الحقيقة هنا لا يُراد بها المعنى المنطقي (truth)؛ بل الميتافيزيقي (Reality)، وتترجم عربياً إلى “الواقع”. وكان طاغور يرى أن الواقع مرتبط بالوعي الإنساني والخيال البشري؛ بينما يصر أينشتاين على أن هناك “واقعاً” مستقلاً عن الوعي، واستشهد بفيثاغورس الذي كان يرى أن هناك حقائق واقعية مستقلة عن وجود الإنسان. وعندما ذَكر طاغور أن كل الحقائق مرتبطة بوعي البشر، وأن وجود أية حقيقة مطلقة مستقلة مجرد وهم، بادر أينشتاين بالقول: إذن، أنا أكثر تديناً منك! ولكي نعرف مقصده لنُعد قليلاً إلى الوراء. وتحديداً إلى القرن السابع عشر.

اقرأ أيضًا: أينشتاين لطاغور: أنا أكثر تديناً منك

كان ديكارت أول مَن ربط بين نظرية المعرفة ونظرية الوجود من خلال عبارته الشهيرة (أنا أفكر، إذن أنا موجود). التفكير نشاط معرفي وهو يؤسس الوجودَ ويقيمَه. وقرر أنه متأكد من شيء واحد وهو أنه يشك ويفكر؛ ولذا فهو موجود بسبب ذلك. أما وجود العالم الخارجي فهو يصل إلينا عبر الحواس، والحواس كثيراً ما تخدعنا، فكيف نثق فيها؟ فلعل الحواس تقدم لنا صورة غير صحيحة عن العالَم؛ فالبصر يصور القمر على أنه بحجم عملة معدنية وأن الشمس تدور حول الأرض، لكن كل هذا اتضح أنه خطأ. من هنا فأنا متيقن فقط من وجودي لأني أفكر في وجودي. أما العالم الحسي فلعلِّي الآن أحلم؛ فنحن في الحلم لا نعرف أننا نعيش في وهم. فما يمنع أن تكون معرفتنا بالواقع مجرد وهم كما يحدث في الحلم أو الهلوسات؟

ديكارت

بعد ديكارت جاء الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، وقال أنا أعرف أن العالم الخارجي موجود ولكن ليس عندي دليلdemonstration ؛ بل مجرد إيمان faith أو اعتقاد. فقام جورج باركلي، وهو متأثر بلوك، وقال بما أن العالم الخارجي لا يكون معروفاً لنا إلا بالحواس والعقل، فإنه إذن فكرة. ليس هناك مادة مستقلة عن العقل، وطرح شعاره الشهير: لكي يكون الشيء موجوداً يجب أن يكون مدرَكاً. فالطاولة التي أراها في الغرفة الآن موجودة؛ لكن عندما أخرج من الغرفة ما الذي يضمن لي أن الطاولة لا تزال موجودة؟! ألا يمكن القول إنها ذهبت للعدم، وأنها تعود بعودة الإدراك؟

اقرأ أيضاً: حوار مع الفيلسوف يورغن هبرماس

هكذا ربط باركلي، بشكلٍ صريح، بين الوجود والإدراك؛ ولكنه قال إن الكون يظل موجوداً؛ لأن الله يدركه عندما لا ندركه نحن. والله يناظر العقلَ الكلي في كلام طاغور. لكن وبما أن معرفتنا بالله هي نفسها فكرة (تمثيل representation )، فإننا لا نعرف الله مباشرة، مثله مثل العالم الخارجي. هكذا جاء تلميذه هيوم، فقال: حتى العقل وحتى الله ليسا سوى تمثيلات أو أفكار. إذن، الله لم يعد مفارقاً؛ أي مستقل عن العقل، وأن العقل هو من أنشأه، أو على الأقل: وجوده مرتبط بالوعي.

جون لوك

طاغور كان ضد المفارقة، ويؤمن بوحدة الوجود، وأن الله هو الإنسان والإنسان هو الله. بينما أينشتاين كان يؤمن بوجود المفارقة؛ أي بوجود شيء مستقل عن العقل. ويرى أن الجمال مثلاً مرتبط فعلاً بالوعي، فهذا التمثالُ جميل ولو انقرض البشر لما عاد جميلاً ولا قبيحاً. فهي مفاهيم محايثة (إنسانية) وليست مفارقة. ويعقب: لكن هذا لا ينطبق على الحقيقة. فقضية رياضية مثل (2+2=4) صحيحة سواء أكان هناك بشر أم لا. وعندما اعترض طاغور وربط كل شيء بالوعي البشري، قال أينشتاين: إذن أنا أكثر تديناً منك. يعني: أنا أعطي مساحة لوجود كائنات مفارقة للوعي، وموجودة باستقلال عن الوعي، وبالتالي أعطي إمكانية لوجود الله ككائن مفارق وكلي القدرة. وفلسفة طاغور لا تسمح بوجود كائن مفارق؛ سواء الله أو معادلة رياضية بسيطة.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة