الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

لماذا فشل الإخوان المسلمون في استغلال فرصتهم التاريخية؟

تجربة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا

احتكر الوطن العربي في النصف الأخير من القرن العشرين وإلى الآن، “تريند” الحروب الأهلية والصراع على السلطة، والحرب المستدامة بين الحكم العسكري في الدول الجمهورية وصعود تيار الإسلام السياسي. وهو ما جعل الصراع السياسي بين المعسكرين؛ يتحول إلى صراع وجودي، لا ينتهي إلّا بتحطيم الطرف المقابل، فيتصاعد المؤشّر بوتيرة جنونية حتى يصل إلى القمع المحض.

الصراعات في الجمهوريات العربية بين العسكريين والإخوان المسلمين، كانت تفتقد للمبدأية، فالعداء بينهم لم يكن عقائدياً، بل كانوا يتحالفون في القاع، أثناء الصعود للحكم، ومن ثم تبدأ الصراعات بينهما على الدرجة الأخيرة من السُّلم، كما حدث في تحالف الإخوان والضباط الأحرار في ثورة يوليو 52، ضد الملك وحزب الوفد، قبل أن يتحول إلى صراع على المكاسب، أراد الأخوان خلالها تداول السلطة بما يضمن وصولها إليهم، ورفعوا الشعارات المدنية المطالبة بـ”عودة الجيش إلى الثكنات”، فردّ عليهم العسكر بأن الحكم المدني والجمهوري والديمقراطي لا يستحمل هو الآخر حكماً دينياً، وطالبهم ضباط الثورة بعودة رجال الدين أيضاً إلى دور العبادة.

الحرب التي خاضها الأخوان فيما بعد ضد الجمهوريات العسكرية، كانت متناقضة وتفتقد للشرعية “المدنية” التي طالما تغنوا بها بوصفهم مدنيين؛ لمّا تعاونوا بالأساس مع أنظمة عسكرية أخرى، معادية للنظم العسكرية في بلدانهم، فاستبدلوا مثلاً المصعد “المدني” بالمصعد “الطائفي”، لما احتواهم النظام البعثي في العراق، ووجههم لقتال شقه الثاني في سوريا.

ذلك التحالف سيتكرر بعد ثلاثة عقود في بلد آخر، عندما تحالفوا مرّة أخرى في مصر، بعد ثورة 25 يناير، مع المجلس العسكري، في مواجهة القوى المدنية، وعقدوا صفقات سريّة تضمن وصولهم للسلطة بعيداً عن مشورة النشطاء المدنيين، حيث كان ذلك أول انقلاب على قوى الثورة، بعد ثورة يناير. وأخرجوا حاضنتهم الشعبية إلى الشارع في مظاهرات لدعم المشير طنطاوي، وهتفوا بشعارات دعوية على منوال “يا مشير يا أمير” وفاضت ميدان التحرير والعباسيّة بأنصارهم والمؤيدين.

وأثناء تمكنّهم من الحكم الرئاسي، وحيازتهم لغالبية مقاعد البرلمان المصري، كانت فترة “التمكين” والاستقرار تلك تخفي تحتها علامات الفوضى الشاملة، عندما وجهوا إعلامهم ومناصريهم لإثارة قضايا هامشية؛ عن تطبيق الشريعة، ودور السينما في المجتمع، ونوقشت شرعية زواج القاصرات تحت قبة البرلمان. ومن ثم إطلاق حلفائهم من التيار السلفي لتهديد المعارضين، وأصعدوا على السطح قضايا تمس النسيج المصري، مثل التهديد بحرق كنائس الأقباط، في محاولة فاشلة لإصباغ المعارضة بصبغة “طائفية/أقلية” كون حزب الأخوان الحاكم -من منظورهم- يُمثّل الغالبية الإسلامية العظمى من المجتمع، وهي مراهنة طائفية كادت أن تودي بمصير مصر إلى الأبد.

لم يتصرّف الرئيس محمد مرسي كقائد وطني منتخب، بل كانت خطاباته واجتماعاته وتعييناته تعبيراً عن منطلق فئوي، يُمثّل الرؤية السياسية لحزب “الحرية والعدالة” الذي أنشأوه بعد الثورة، فخاض في الصراعات الإقليمية من منطلق طائفي، ووصف الصراعات القائمة بتسميات شعبوية من قاع التاريخ مثل “الروافض”، إرضاءً للكتلة المتشددة التي استند عليها، مع تجاهله للدور التوحيدي الذي انتهجته مصر عربياً وإسلامياً منذ استقلالها. وداخليّاً تعامل حزب الحرية والعدالة بذات النفس، عندما استند شعبياً على الكتلة “الإرهابية” في وطنه، من ذوي الاحكام السابقة بالإرهاب، وجعل بطانته مكونة من أهم رموز الفكر التكفيري.

بعد ثورة 30 يونيو وخروج الملايين إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط الرئيس مرسي، عاد الإخوان لارتداء الوجه الفوضوي، وهو الوجه الحقيقي لأفكار سيد قطب، وقاموا بتقييم مرحلة حكمهم القصيرة من المنطلق التكفيري، الذي يُحمّل الشعب والمجتمع والجيش مسؤولية اخطائهم في الحكم، ودخلوا مرحلة العمل السري الذي تمرسوا عليه طوال قرن كامل، وأحالوا أسباب سقوطهم (لمؤامرة الكفّار!) عليهم، وارتدوا رداء مظلوميتهم التاريخية، من دون أن يناقشوا أخطاءهم الذاتية في التعامل مع مرحلة كانت ستكون “كنزاً” بالنسبة لهم، لو كانوا بحجمها.

سلك الأخوان ذات الطريق في سوريا، عندما تبنّوا الثورة السورية أول أيامها، وسخروا كل إمكانيتهم الإقليمية لجعلها ثورة سيد قطب، بدلاً من أن تكون ثورة ديمقراطية، فكانوا أول من رفع السلاح بوجه الدولة، معتبرين أن طريق الفوضى، هي أسرع الطرق لهدم النظام، حتى وصل الاقتتال في سوريا إلى ما وصل إليه من تهديم للمدن و(400 ألف قتيل)!. بينما كانت القوى الديمقراطية الساعية للإصلاح والتي تجاوزوها وهمشوها منذ البدايات، كانت تسلك الطريق السلمي، الذي حتى لو فشل، لن يكون فشله مكلفاً بهذا القدر من الخسائر. ولكن الإخوان أثبتوا جدارتهم بإفشال كل القضايا التي تبنوها وصعدوا على أكتافها، حتى القضايا العادلة منها، بعد إشباع نهمهم التاريخي للاستحواذ على كل المسالك.

والأهم، كانت مقدرتهم على إفراز كل تلك القوى الإرهابية من “داعش” والنصرة” اللتان نهلتا من أفكارهم حتى الارتواء.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة