الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

لماذا علينا الحفاظ على سلامة الجبال؟

كيوبوست

خلال صراعه الطويل مع الغياب، كتب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، قصيدته الشهيرة “تُنسى كأنك لم تكن”، قاصداً نسيان الباقين للغائب بعد رحيله. وكما وصف درويش النسيان، وعلى الرغم من ضخامة حجمها ودورها الحيوي للإنسان والحيوان والنبات؛ تُنسى الجبال الجاثمات على التخوم بصمتها المدوي، وهذا ما أشار إليه موقع mountain partnership، المدعوم من قِبل منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو)، بأن الجبال “غالباً ما تُنسى” من السياسات الوطنية.

ولأن دور الجبال حيوي وأكبر مما نعرف عنها، اعتمدت جمعية الأمم المتحدة عام 1992، يوماً دولياً للجبال يصادف الحادي عشر من ديسمبر من كل عام.

اعتمدت جمعية الأمم المتحدة عام 1992، يوماً دولياً للجبال يصادف الحادي عشر من ديسمبر من كل عام

ما تقدمه الجبال

تسهم الجبال في توفير وإنتاج العديد من العناصر الأساسية لحياة البشر؛ فهي من حيث المبدأ تعد موطناً لنحو 15% من سكان العالم وربع الحيوانات والنباتات البرية في العالم، ووفقاً لـ”الفاو” توفر الجبال القوت المباشر لنحو 1.1 مليار شخص من سكانها في العالم، ويعتاش بفضلها ملايين البشر القاطنين في أسفل مجرى الأنهار المنهمرة من أعالي الجبال.

وتوفر الجبال 60%- 80% من المياه العذبة في العالم؛ إذ يعتمد بعض أكبر المدن، بما في ذلك ملبورن ونيروبي ونيويورك وريو دي جانيرو وطوكيو، على الجبال للحصول على المياه العذبة. وعلى المستوى الغذائي تُسهم الجبال في إنتاج وفرة من الأطعمة والمنتجات عالية القيمة وعالية الجودة؛ مثل البن والكاكاو والعسل والأعشاب والتوابل، كما تعتبر مصدراً لستة من أصل 20 نوعاً من النباتات المنتجة لمعظم الغذاء العالمي؛ الذرة والبطاطا والشعير والذرة الرفيعة والطماطم والتفاح.

اقرأ أيضاً: ترجمات: ما العلاقة بين التغيُّر المناخي وأمراض المحاصيل الزراعية؟

كما تعد الجبال مصدراً للطاقات المتجددة؛ كالطاقة المائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والغاز الحيوي، التي يستخدمها سكان المدن القائمة عند مصبات الأنهار والمجتمعات الجبلية النائية، في حين تشكل الطاقة الكهرومائية التي تنتجها الجبال نحو خُمس الكهرباء المستخدمة على مستوى العالم، وتعتمد عليها بعض البلدان بشكل شبه حصري لتوليد الطاقة الكهرومائية.

من جهة أخرى، للجبال قيمة ثقافية؛ إذ اعتمدت “اليونسكو” العديد من الجبال كمواقع للتراث العالمي، وكـ”محميات محيط حيوي”؛ أي مناطق برية أو ساحلية محمية تحتوي على نظام إيكولوجي معروف بتنوعه ومنفعيته. كما تعتبر الجبال مقصداً للسياح؛ لذلك تمثل ما يُعرف بـ”السياحة الجبلية” 15%- 20% من صناعة السياحة العالمية. إنها تجذب السياح لمجموعة واسعة من الأنشطة؛ بما في ذلك التزلج والتسلق والمشي لمسافات طويلة والاستكشاف.

اقرأ أيضاً: دراسة علمية: تغيُّر درجة حرارة المحيطات بمعدل سقوط 5 قنابل ذرية من هيروشيما كل ثانية

الأكثر حساسية للتغير المناخي

مقابل المزايا والخيرات التي تقدمها الجبال للبشرية، تعاني كغيرها من المعالم الطبيعية تداعيات التغير المناخي، إلا أنها تتأثر بمعدل أسرع من باقي المعالم الطبيعية، فهي من أكثر النظم البيئية حساسية لتغير المناخ؛ بسبب ارتفاعها وانحدارها وتوجهها نحو الشمس.

وحتى عام 2019م، سجَّل متوسط درجات الحرارة في الجبال الأمريكية والأوروبية والآسيوية ارتفاعاً بمقدار 0.54 درجة فهرنهايت خلال كل عقد، وفقاً لموقع climate Institute، ويقود ذلك الارتفاع إلى ذوبان مياه الأنهار الجليدية، وتغيُّر منسوب تدفق الأنهار النابع من الجبال؛ مما يزيد من احتمالية حدوث فيضانات وانهيارات صخرية، وتدمير الحياة البرية الجبلية وموائلها (نظمها البيئية).

يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى ذوبان مياه الأنهار الجليدية النابعة من الجبال- yale climate connections

كما يؤثر التغير المناخي على مخزون المياه العذبة الجبلية؛ لأن منسوب الثلوج المتراكمة على الجبال يقل نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والأنهار الجليدية تذوب، وبالمقابل تزيد نسبة الأمطار؛ مما سيقلل مع مرور الوقت مخزون المياه العذبة، وسيخلِّف بدلاً من ذلك بحيرات تؤدي إلى غرق أجزاء من المدن.

إضافة إلى التغير المناخي، تعاني الجبال الاستغلال المفرط من قِبل الإنسان؛ مما يتسبب في تدهور البيئات الجبلية، الأمر الذي سينعكس على سكانها والنباتات والحيوانات الجبلية.

كل ذلك دفع بمنظمات ومؤسسات لطرح سُبل من شأنها الحفاظ على سلامة الجبال وفاعليتها، فمثلاً دشنت الأمم المتحدة وسم “#”MountainsMatter، تُفَعِّله خلال كل يوم دولي للجبال، وتختار موضوعاً للاحتفال بالجبال؛ ما يضمن تفاعل الجمهور لخلق حالة وعي حول أهمية الجبال والمخاطر التي تواجهها، وموضوع عام 2021م “السياحة الجبلية المستدامة”، التي يمكن أن تُسهم في طرح أفضل خيارات وبدائل لكسب العيش وللتخفيف من حدة الفقر بين سكان الجبال، وتعزيز الدمج الاجتماعي، فضلاً عن صون المناظر الطبيعية والتنوع البيولوجي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات