ثقافة ومعرفةشؤون عربية

هل تلاشى حلم “الوطن العربي” على غرار الاتحاد الأوروبي؟

لماذا لا يستفيد العرب من تجربة الاتحاد الأوروبي؟

كيو بوست – أنس أبو عريش

بنظر أكاديميين وباحثين عرب، لم يعد من الشائع أو المنطقي استخدام مصطلح “الوطن العربي”، في الأوساط الثقافية، كما اختفت آمال الوحدة العربية الكاملة، من المحيط إلى المحيط، بفعل الظروف السياسية الراهنة التي تعيشها معظم الدول العربية.

وتعيش معظم الدول العربية اليوم حالات من الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي، ما يصعب من عملية الحصول على وحدة داخلية كاملة، بين أفراد الدولة الواحدة، فكيف سيتمكن العرب من تحقيق وحدة كاملة خارج القطر السياسي!

لسنوات طويلة، استولت أحلام وآمال الوحدة العربية الواسعة على مخيلة الشعوب العربية، خصوصًا مع بدايات أفكار القومية العربية التي نشأت أواخر العهد العثماني في مناطق لبنان ومصر وسوريا على وجه الخصوص، وتوسعت لاحقًا لتشمل معظم المناطق التي يعيش فيها العرب.

كما توسعت الآمال عندما نشأ كيان “جامعة الدول العربية”، الذي رأى فيه كثيرون محطة فاصلة نحو تحويل حلم الدولة العربية الواحدة إلى حقيقة على الأرض. في الواقع، كانت نشأة الجامعة العربية دليلًا على استحالة حدوث مثل تلك الوحدة، لأنها كشفت عن عورات الدول العربية وتمسكها الحديدي بأشكال السيادة على الأرض والشعب، بما يوضح عدم رغبتها في التنازل لصالح وحدة جامعة.

 

ماذا عن الاتحاد الأوروبي؟

تصور كثيرون أن نجاح دول أوروبا بتكوين ما يسمى اليوم بـ”الاتحاد الأوروبي”، هو مقدمة لنشوء دولة عربية واحدة، على اعتبار أن تكوين كيان سياسي موحد هو أمر وارد ومنطقي، بل وواقعي، يمكن أن يرى النور بسهولة نسبيًا؛ فإذا تمكن الأوروبيون من إقامة كيان جامع لهم، لماذا لا يفعل العرب؟!

إن الإجابة على مثل هذا السؤال صعبة للغاية؛ فالظروف التي تعيشها الكيانات العربية حاليًا، تختلف عن الظروف التي عاشتها دول الاتحاد الأوروبي قبل تكوّن الاتحاد.

خرجت أوروبا من حرب عالمية طاحنة، دمرت مئات المدن، وسط حالة من العداء الشديد المتبادل بين مختلف الكيانات السياسية التي كانت تعيش في ذلك الوقت. لكن في لحظة ما، قررت تلك الدول أن تخرج من حالة العداء، وأن تتحول إلى حالة السلام المطلق، الذي يستفيد من قوة كل من هذه الدول، من أجل تكوين قوة سياسية جامعة واحدة.

وبالفعل، تحققت الوحدة، بداية بـ6 دول فقط، قبل أن تنضم دول أخرى، لما رأت أن الوحدة تحقق مصالحها الكبرى، ولا تنتقص من سيادتها شيئًا لصالح دول أخرى، علاوة على الفائدة العظمى والمنفعة المتبادلة، التي أسهمت لاحقًا في التخلص من مخرجات الحرب العالمية.

 

هل يفعلها العرب؟

الظروف التي شهدها الاتحاد الأوروبي تختلف عن الظروف التي تعيشها الدول العربية. ومع ذلك، من الخطأ القول إن مسار الوحدة هو طريق مرسوم، أو القول إن تحقق الوحدة العربية منوط بالطريق ذاتها التي سار عليها الاتحاد الأوروبي من أجل الوصول إلى ما وصل إليه.

وقد يقول البعض إن الدول العربية تتحدث لغة واحدة، ولها تاريخ مشترك، على عكس دول الاتحاد الأوروبي التي تتحدث لغات مختلفة، ولا تتشارك في تاريخ واحد. بالنسبة للبعض، كان هذا عاملًا يدعوهم إلى المناداة بإنشاء وحدة عربية قائمة على أساس اللغة المشتركة، لكن التجربة أثبتت أن اللغة ليست المحدد الأساسي في مثل هذه الاتحادات، إنما الرغبة في الحصول على فائدة مشتركة من مختلف الدول التي ترغب في إنشاء الاتحاد، والاستعداد لتقديم تنازلات للكيان الجامع من أجل المصلحة الكبرى.

ويبدو أنه إذا استمرت الأوضاع العربية على ما عليه، لا يُتوقع أن تشهد فترة السنوات المقبلة أي تغيير جوهري تجاه تكوين اتحاد يضم الدول العربية، ما يعني أن الأمور ستظل على حالها حتى وقت طويل.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة