الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

لماذا عادت قيادات “العدالة والتنمية” إلى المواعظ الدينية؟

الكاتب والمفكر المغربي سعيد ناشيد لـ "كيوبوست": الإخوان المسلمون في المغرب لا يترددون في تغيير الوجه والوجهة ويوظفون النصوص بما يخدم مصالحهم

المغرب- حسن الأشرف

بعد أشهرٍ قليلة من الهزيمة الانتخابية المدوية التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية المغربي، في شهر سبتمبر الماضي، انكفأ عددٌ من أبرز قياداته، وعلى رأسهما رئيسان سابقان للحكومة، هما سعد الدين العثماني، وعبد الإله بنكيران، على إلقاء محاضراتٍ أو مواعظ فقهية ودينية، فالعثماني ينشط محاضرات فقهية، ويكتب مقالاتٍ في صفحته الشخصية على موقع “تويتر” تدعو إلى التمسك بالإيمان للحصول على صحة نفسية جيدة، باعتباره طبيباً نفسياً أيضاً، بينما بنكيران شرع مؤخراً في نشر مواعظ مصورة على صفحته الفيسبوكية، يقدم فيها قراءاته التفسيرية لبعض الآيات القرآنية.

ويرى البعض أن “عودة” قيادات حزب العدالة والتنمية المغربي إلى هذا النوع من “الأنشطة الدعوية والدينية” بشكلٍ عمومي، هو مجرد رجوع إلى الأصل ما دام الحزب ينافح عن المرجعية الإسلامية، وبأنه لا توجد أهداف سياسة أو انتخابية وراء ذلك، وما دامت هذه القيادات قيادات إسلامية بالأساس، بينما يرى آخرون أن ما يقع هو “إعداد نفسي وأيديولوجي للأتباع والكتائب، بهدف العودة إلى مرحلة الدعوة مجدداً، كما أنه نوعٌ من الاحتياطي الاستراتيجي للإعداد للانتخابات القادمة”.

اقرأ أيضًا: “العدالة والتنمية” المغربي يمتطي صهوة “المرجعية الإسلامية” ويتبرأ من “الإخوان”

سلفي خالص

وشرع سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، في نشر مقالاتٍ على “تويتر” بعنوان “الإيمان والصحة النفسية”، يوضح فيها -بحسبه- التأثير الإيجابي والمهم للإيمان في الصحة النفسية، والحاجة الفطرية لدى الإنسان للإيمان، معتبراً أن كثيراً من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية اعتنت بشروط توفير “الحياة الطيبة” و”النفس المطمئنة” و”اطمئنان القلب” و”السكينة” و”طيب النفس” و”قرة العين”، والتوجيهات الواردة فيها توصي بالتوازن في سلوك الإنسان مع نفسه ومع الآخرين، وتحثّ على التوكل على الله، والصبر عند الشدائد، والتفاؤل وعدم اليأس..

ويبدو أن العثماني بعد أن نُزعت عنه جبة رئيس الحكومة وزعامة الحزب، وجد متسعاً من الوقت ليعود إلى مجال الفقه الذي يتقنه، حيث شارك في ندوة قبل أيامٍ تحت عنوان “آيات القتال في القرآن..نحو فهمٍ مقاصدي”، تحدث فيها عن كون آيات القرآن التي ورد فيها القتال خاصة بزمن النبوة، وليست أحكاماً تشريعية.

وفي ذات الندوة، وصف العثماني نفسه بأنه “سلفي خالص”، لكنه ليس من أهل المعقول (أي تقديم المعقول على المنقول)، وبأنه يتعين إعادة فهم قواعد القرآن الكريم حسب تأصيلات علماء السلف، لكن بما يساير تطور ومستجدات العصر.

سعد الدين العثماني

مصدر مقرب من العثماني قال في تصريحٍ لـ”كيوبوست” إن الرجل لم يعد إلى الفقه، لأن الفقه لم يفارقه أصلاً حتى وهو رئيس للحكومة، إنما انشغالاته السياسية كرجل دولة لم تكن تسمح له بالبحث والكتابة، وإلقاء المحاضرات في مجال العلوم الشرعية، وبالتالي فعندما أزيحت عنه مهام تدبير الشأن العام تخفف قليلاً ليجد الوقت للكتابة ومواصلة تأصيله الفقهي.

تفسير الآيات

من جانبه، شرع بنكيران قبل أيام قليلة في بثِّ حلقات مصورة عبارة عن مواعظ ومداخلات دينية وجد لها عنوان “آية استوقفتني”، يحاول أن يقدم تفسيره لآيات من القرآن الكريم، كما فهمها هو، وغير المواعظ الدينية المصورة وحلقات تفسير الآيات القرآنية، صار بنكيران لا يفوت فرصة في لقاءاته ومؤتمراته الحزبية دون أن يُذكر الحاضرين، وعبرهم المواطنين والناخبين، بأن مرجعية “العدالة والتنمية” هي المرجعية الإسلامية.

خسر “إخوان المغرب” الانتخابات البرلمانية الأخيرة بشكل فاجأ الكثيرين- أرشيف

وقال في هذا الصدد، في أحد آخر لقاءاته، قبل أيامٍ خلَتْ، إن “هذه المرجعية هي التي كان لها فعلها الإيجابي الكبير في التاريخ، منذ مجيء وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مروراً بإقامة الدولة والفتوحات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وصولاً إلى قدرتها على الاستمرار وتكاثر المنتسبين لها”.

ودعا بنكيران إلى ضرورة الرجوع إلى “هذا الأصل وإشاعة معانيه، حتى لا يفتتن أعضاء الحزب بالطموحات الشخصية والمناصب والكراسي، بحسبه، مبرزاً حتمية التفكير في المصير الأخروي للمشتغلين في المجال السياسي”.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف ودعوات الجهاد بضبط وتقنين الفتوى

“في كل واد يهيمون”

ويعلق الكاتب والمفكر المغربي سعيد ناشيد على هذا الموضوع بالقول في حديثٍ مع “كيوبوست”، إن عبد الإله بنكيران في تقلباته السريعة في المواقف والآراء، لا يمثل ظاهرة متفردة في حقل الإسلام السياسي بالعالم، فقد سبقه حسن البنا كما هو مسجل في الوثائق التاريخية للإخوان المسلمين، وكذلك نجم الدين أربكان، الأب الروحي للإسلام السياسي التركي، الذي كان يلقب بصاحب الأرواح السبعة، والذي برع في تغيير تكتيكاته خارج كل التوقعات لقاء البقاء على قيد الحياة السياسية.

وأردف ناشيد بأن “هناك أيضاً تجربة حسن الترابي في السودان، والذي تواطأ مع كل الانقلابات منذ جعفر النميري إلى عمر البشير، مروراً بالصادق المهدي، مقابل البقاء في الحياة السياسية، قبل أن توافيه المنية”، مضيفاً أن “السر في ذلك أنهم قوم في كل وادٍ يهيمون، ولا يترددون في تغيير الوجه والوجهة، طالما آيات القرآن حمالة أوجه وفق الحديث، ومن ذلك لا يشرعنون انفتاح النص بل يشرعنون توظيفه على الوجه الذي يطلبون”، وفق تعبيره.

اقرأ أيضًا: المرجعية الفكرية للإسلاميين بالمغرب

سعيد ناشيد

ويتابع المتحدث بأنه “في سياق ما كان يسمى بالربيع العربي، نجح بنكيران في تقديم نفسه بعدة أوجه في الآن نفسه، فقد كان يسوِّق صورته أمام ملك البلاد باعتباره حامي إمارة المؤمنين من العلمانيين، ويسوِّق صورته أمام الشعب المغربي باعتباره حامي المستضعفين من الطاغوت، ويسوِّق صورته أمام الديمقراطيين في العالم باعتباره يواجه التحكم، ويسوِّق صورته أمام الدولة المغربية باعتباره يسحب البساط من تحت أقدام المتطرفين أو الأشد تطرفا، وهكذا دواليك، ضمن لعبة خطرة”.

ويرى الباحث ذاته أن توجه بنكيران مؤخراً إلى تقديم الدروس الدينية الدعوية “يمثل نوعاً من الإعداد النفسي والأيديولوجي للأتباع والكتائب لأجل العودة إلى مرحلة الدعوة مجدداً، باعتبارها لا تمثل فقط خط الرجعة الأخير بعد الفشل الانتخابي الذريع، بل باعتبارها تمثل نوعاً من الاحتياطي الاستراتيجي للإعداد للانتخابات القادمة، لاسيما إذا تأزمت الأوضاع وتفاقمت الأزمة كما يحسبون”.

ومن خلال درسه الديني الأول، يقول ناشيد إن “بنكيران، وهو الخبير ببعض الدواليب، حاول أن يسوِّق نفسه مجدداً باعتباره الشخص المؤهل لكي يقنع المواطنين بالتقشف في مواجهة تداعيات الأزمة جراء تداعيات كورونا، والجفاف، والحرب في أوكرانيا، لاسيما إذا تمت الحاجة إلى خدماته التواصلية في انتخاباتٍ سابقة لأوانها كما أومأ بنفسه في إحدى خرجاته الإعلامية”، ليخلص إلى أن “بنكيران يتوقع الأسوأ حتى يفرض نفسه باعتباره “المنقذ من الضلال”، على حد تعبيره.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة