الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

لماذا سيخسر بايدن اليسار.. وكيف سيساعده ذلك؟

التحالف الديمقراطي يتفكك فعلاً.. ولكن فقدانه حلفاءه السابقين قد يجعل حكمه أسهل ويعزز مكانته

كيوبوست- ترجمات

جوناثان تيبرمان♦

بعد أقل من شهر واحد من إجماع الديمقراطيين على مساعدة جو بايدن في الفوز بالانتخابات الرئاسية، بدأ الحزب المشهور بالانقسامات يتفكك بالفعل بسرعة قياسية.

نادراً ما يمر يوم من دون ظهور صدع جديد؛ فقد دفع اليسار بسرعة وقوة ضد خيارات بايدن الوزارية بأسرع مما فعل مع أي رئيس ديمقراطي سابق. وعلى ما يبدو، فإن أول ضحايا هذا الأمر هو رام إيمانويل، الذي قيل إنه كان مرشحاً لترؤس وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، أو وزارة النقل. وتحارب الآن مجموعات الناشطين، بالاشتراك مع أعضاء الكونغرس الميالين إلى اليسار؛ من أجل قطع الطريق على تسمية أي مرشح يرتبط بالصناعات الدفاعية (مثل الجنرال المتقاعد لويد أوستن) أو الشركات الكبرى (جيف زينيتس، وبرايان ديز، وأديويل أدييمو) أو السياسيين ذوي الميول العدوانية أو العسكرية من إدارات سابقة (مايك موريل). وذلك بغض النظر عن الخلفيات المتنوعة للعديد من المرشحين.

اقرأ أيضًا: ماذا يريد العالم من جو بايدن؟

في غضون ذلك، لجأ تقدميون آخرون إلى الإنترنت؛ للتحذير من أن إدارة بايدن، التي لم تستلم السلطة بعد، ربما تكون قضية خاسرة بالفعل. وفي السابع من نوفمبر، وفي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه شبكات الأخبار نتائج الانتخابات، أطلقت مجلة “جاكوبيان” الاشتراكية، تغريدة قالت فيها: “من الجيد أن يكون ترامب قد خسر الانتخابات؛ ولكن على اليسار الآن أن يتحول فوراً إلى معارضة إدارة جو بايدن”.

مجلة “جاكوبيان” دعت اليسار إلى معارضة بايدن!

وقد ترافقت المعارضة القوية خلال الشهر الأول من الفترة الانتقالية مع إصرار قادة من أمثال أليكساندريا أوكاسيو كورتيز، الجمهورية، على أن يتخلى بايدن عن اعتداله، ويستغل رئاسته للدفع باتجاه تغييرات تقدمية كبيرة. وهذا ما أثار تساؤلات مهمة: هل يتمكن بايدن من الاحتفاظ بدعم الجناح اليساري لحزبه لفترة أطول؟ وماذا ستعني خسارته التقدميين بالنسبة إليه وإلى رئاسته وإلى البلاد؟

بكل المقاييس، فإن الرئيس المنتخب يدرك نطاق التحديات التي تواجهه، ولديه استراتيجية من ثلاثة أجزاء لمواجهتها؛ الجزء الأول هو الإشارة الخطابية لدعمه القضايا التقدمية، فموقعه الإلكتروني للمرحلة الانتقالية، على سبيل المثال، يصنف المعركة من أجل العدالة العرقية، ومحاربة التغير المناخي، من بين أولوياته العليا.

أما الجزء الثاني، فعندما يتعلق الأمر باختيار الموظفين، فإن بايدن يحاول الموازنة بين تفضيلات السياسة المعتدلة في العديد من خياراته لوزرائه، مع التركيز على الخلفيات المتنوعة (انظر أوستن، مارسيا فادج، زافييه بيسيرا، أليخاندرو مايوركاس، كاثرين تاي، ليندا توماس غرينفيلد). كما أنه كان حريصاً على اختيار عدد من التقدميين البارزين؛ مثل جانيت يلين، وسيسيليا راوز، وهيذر بوشي، لأدوار اقتصادية أساسية.

اقرأ أيضًا: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

قال مات بينيت، نائب الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لمركز أبحاث يسار الوسط، ثيرد واي: “لقد قام بايدن بعمل رائع خلال حملة قمع التوترات بين اليسار والوسط. والسؤال الآن: هل سينجح في القيام بالعمل نفسه بعد أن أصبح رئيساً للبلاد؟”. والجواب عن سؤال بينيت المهم يعتمد على أي يسار نتكلم: هل هو يسار الإنترنت أم اليسار الشعبي أم يسار الكونغرس؟

عندما يتعلق الأمر بيسار الإنترنت، فإن الجواب هو “لا” بكل وضوح؛ فالتقدميون الافتراضيون يتوقون إلى خوض معركة، وقد أعلنت مجلة “جاكوبيانأنه لن يكون هنالك “شهر عسل” للرئيس الجديد، وأن “إدارة بايدن القادمة لا تستحق ذرة من الفضل لامتلاكها النيَّات الحسنة، ولا تستحق أن يصبر عليها التقدميون يوماً واحداً ليروا كيف ستعمل”. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مجموعات اليسار الشعبي، وقد حذرت منظمة “كود بينك”، عبر “تويتر”، أنها بالمرصاد لأوستن، على الأرجح بسبب علاقاته مع مقاول الدفاع رايثون.

أما في الكونغرس، فقد ظلَّ بعض القادة اليساريين؛ مثل السناتور بيرني ساندرز، على موقفهم العلني الداعم للرئيس المنتخب. صرح أحد كبار المساعدين بأنهم يخططون لمنح بايدن فرصة؛ ولكن أعضاء الكونغرس الميالين إلى اليسار يبدون أقل صبراً، وقد حذرت أوكاسيو كورتيز الإدارة القادمة، بشكل غير مباشر، من أن تتخلى عن الأولويات التقدمية؛ مثل العناية الصحية للجميع والاتفاقية الخضراء الجديدة.

السناتور بيرني ساندرز- وكالات

لذا يبدو أن نوعاً من القطيعة هو أمر حتمي؛ لأن توقعات التقدميين عالية جداً من جهة. يقول شون ويلينتز، المؤرخ في جامعة برينستون: “وحتى لو نفَّذ بايدن صفقة جديدة، فإنه سيخيب أمل اليسار؛ لأنه ليس اشتراكياً”. ومن جهة أخرى، فإن تركيبة الكونغرس المقبل سيكون لها دور مؤثر في حدوث القطيعة.

ولكن ما الذي سيحدث؟ هل يمكن لليسار الغاضب أن يعاقب بايدن بأية طريقة من الطرق؟

مرة أخرى يتوقف الجواب على أي يسار نتكلم. بينما يقول المؤرخون؛ مثل مايكل كازين: إن الديمقراطيين دائماً ما يكون أداؤهم أفضل عندما يكونون موحدين، فإن غياب الوحدة ليس من الضروري أن يكون قاتلاً بالنسبة إلى بايدن؛ فأولاً هو لا يهتم كثيراً بما يقوله الناس عنه على “تويتر”، واستراتيجيته في تجاهل وسائل التواصل قد خدمته بشكل جيد جداً حتى الآن. بالنسبة إلى احتجاجات الشارع الذي يقوده اليسار، والتي يمكن أن تحرج الإدارة أو تخيف الناخبين، فمن الصعب تخيلها دون حرب كبرى والتي من المؤكد أن بايدن سيتجنبها.

سوزن كولينز- وكالات

القلق الأكبر يجب أن يكون من العقبات الآتية من المنظمات التقدمية وأعضاء البرلمان؛ فغياب الدعم الشعبي للرئيس يمكن أن يؤدي إلى المزيد من التحديات الأساسية في الانتخابات النصفية عام 2022، والتي بدورها يمكن أن تلحق الضرر بقدرة الديمقراطيين على التمسك بمقاعدهم أو اكتساب مقاعد جديدة في يوم الانتخابات. ويمكن أيضاً للمعارضة التقدمية أن تخفض من نسبة الإقبال على الانتخابات.

كما يمكن لليسار الراغب في الانتقام أن يحاول تصعيب الأمور على بايدن في الكونغرس. التقدميون لن يكونوا قادرين على تمرير أي قوانين يعارضها الرئيس؛ ولكنهم قادرون على إفساد الأمور، وعرقلة مشروعات القوانين التي يدعمها البيت الأبيض، وعقد تسويات مع الجمهوريين. وبعض أعضاء الكونغرس اليساريين بدأوا بالفعل في إطلاق تهديداتهم بفعل ذلك بالنسبة إلى مشروع قانون التحفيز المطروح للتداول حالياً.

رغم أن هذا يبدو سيئاً بالنسبة إلى بايدن؛ فإنه يوجد سيناريو آخر على القدر نفسه من المعقولية، حيث يتخلى اليساريون عن الرئيس، إلا أنه يستمر في العمل بشكل جيد من دونهم.

اقرأ أيضًا: فريد زكريا يُبَشِّر الديمقراطيين بسقوط أيديولوجيا “المحافظين” وصعود نجم “التقدمية اليسارية”

إن قدرة التقدميين على عرقلة التسويات المعتدلة في مجلس النواب -بافتراض أن الجمهوريين سيوافقون على أي منها في المقام الأول، وهذا أمر بعيد عن اليقين- تعتمد على تأثيرهم الفعلي هناك؛ وهو أمر يصعب قياسه، إن حجم التكتل التقدمي في الكونغرس ليس فاعلاً بالقدر الكافي، يصل العدد إلى 100 عضو؛ ولكن نظرة سريعة على القائمة تكشف عن العديد من الأسماء المعتدلة، مثل لويز فرانكل، وحكيم جيفريز.

ماذا عن انتخابات 2022 النصفية؟ هنا أيضاً من غير الواضح ما هو مقدار الضرر الذي يمكن أن يلحقه اليسار الغاضب ببايدن. حتى الآن كان التقدميون حريصين على شن التحديات الأساسية فقط ضد الديمقراطيين المعتدلين في الدوائر الزرقاء الموثوقة (الدوائر التي عادة ما تصوت لصالح الديمقراطيين- المترجم)، وبذلك فهم يتجنبون المخاطرة بالإضرار بالفرص الانتخابية للحزب.

وفي الوقت نفسه، إذا سارت عملية طرح لقاح “كوفيد-19” الجديد بشكل جيد، وإذا بدأ الاقتصاد بالتعافي، وإذا تمكن بايدن من إحراز عدد لا بأس به من الإنجازات من خلال الإجراءات التنفيذية، وعلى صعيد السياسة الخارجية (حيث لا يحتاج كثيراً إلى الكونغرس)، فإن شعبيته -التي هي الآن أعلى من شعبية ترامب في أي وقت مضى- يمكن أن تساعد الديمقراطيين بالفعل في استعادة مقاعد إضافية في انتخابات 2022 مع أو من دون اليسار. وبالنظر إلى كيف يبدو أن خطاب اليسار قد أضر الديمقراطيين في انتخابات 2020 التي تميزت بالمنافسة الشديدة، فإن الانفصال عن التقدميين قد يزيد من فرصهم في المرة القادمة.

اقرأ أيضًا: التحدي الحقيقي لبايدن في مواجهة “كورونا” هو استعادة الثقة في العلم

جرَت العادة أن رؤساء الفترة الأولى عادة ما يخسرون بشكل مريع في الانتخابات النصفية الأولى؛ ولكن هذا النمط يسود فقط عندما يكون حزبهم هو المسيطر على الكونغرس خلال العامَين الأولَين، ويمرر إجراءات رئيسية يرى الكثير من الأمريكيين أنها غير مناسبة، ولذلك فهم يصوتون لتقليل قوة حزب الأغلبية. وبالنظر إلى الاستعصاء الذي تؤكده تركيبة الكونغرس السابع عشر بعد المئة، فلا أحد سيكون قادراً على أن يحمل بايدن أو الديمقراطيين مسؤولية أي تجاوزات في عام 2022.

الرئيس فرانكلين روزفلت- أرشيف

وأخيراً، فإن الاشتباك مع اليسار يمكن فعلاً أن يساعد بايدن على الصعيد السياسي بإعطائه العذر للتمسك بأسلحته البراغماتية، وتجنب قول أو فعل أي شيء يمكن أن يقصي عنه قاعدته المعتدلة. كما قال روث دوذات، من صحيفة “نيويورك تايمز”، مؤخراً: “لن يسمح له بإعادة تفعيل الصفقة الجديدة أو المجتمع العظيم؛ الصفقة الجديدة هي سلسلة من البرامج، ومشروعات العمل العام، والإصلاحات المالية، واللوائح التي سنّها الرئيس فرانكلين روزفلت. (المجتمع العظيم هو مجموعة من البرامج المحلية في الولايات المتحدة أطلقها الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون- المترجم)؛ ولكن لن يتم إغراؤه للتورط في إخفاقات مدفوعة بالأيديولوجيات، مثل إخفاق بيل كلينتون في مشروع الرعاية الصحية وفشل دونالد ترامب في محاولته إلغاء برنامج أوباما كير”. وإذا اشتكى المحللون أو الناخبون من عدم قدرته على فعل المزيد فسوف يمكنه إلقاء اللوم على المتطرفين في اليمين واليسار على حد سواء، واتهامهم بتقييد يدَيه.

اقرأ أيضًا: لماذا يجب انتخاب دونالد ترامب وليس جو بايدن؟

ولكي نكون واضحين، فإن أفضل نتيجة لبايدن، وللديمقراطيين وللبلاد، هي أن يجد الرئيس القادم طريقة للتمسك باليسار وببقية الحزب؛ عن طريق تحقيق ما يكفي من الإنجازات لإرضاء الأغلبية من مؤيديه، وباستخدام هذا السجل والتعافي الاقتصادي الناتج عن اللقاح لبناء نوع من الدعم الشعبي يجعل من الصعب على أي كان أن يتحداه؛ سواء أكان من اليمين أم من اليسار.

ولكن بالنظر إلى كل الاحتمالات والعقبات، فإنه من المهم أن ندرك أنه حتى لو لم تنجح العديد من هذه السياسات، فإن بايدن تبقى لديه القدرة على تحقيق نجاح معقول على الصعيدَين الموضوعي والسياسي. وربما يكون هذا أفضل ما يأمله المرء في ظل الفوضى الكبيرة التي تواجهها البلاد الآن.

♦صحفي ومحرر في “فورين بوليسي”.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة