الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

لماذا خرج مهاتير محمد خالي الوفاض من السباق الانتخابي؟

أصبح مشهد الإسلام السياسي أكثر تعقيداً في الانتخابات العامة الخامسة عشرة في ماليزيا؛ إذ ضم كل ائتلاف متنافس تمثيلاً إسلامياً

كيوبوست – منير بن وبر

خسر رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد، مقعده في البرلمان بالانتخابات العامة لأول مرة منذ خمسة عقود. وتشير النتائج شبه النهائية إلى فوز تحالف سياسي أكثر اعتدالاً وتماشياً مع التوجهات الإسلامية والسياسية الحديثة في البلاد.

لقد كان الاقتصاد وارتفاع تكلفة المعيشة مصدر قلق رئيسي للناخبين، لكن القومية والأسلمة لعبتا دوراً أساسياً في النتائج، والمرجح أن تستمرا في تشكيل مستقبل ماليزيا.

لم تكن حظوظ مهاتير محمد كبيرة منذ دخوله الانتخابات، كما لا يُتوقع من التحالف السياسي الذي كوّنه، والمُسمى بحركة الوطن، أن يعمل بفاعلية حتى عند فوزه؛ إذ لطالما اُتهم مهاتير محمد بالاستبداد طوال فترة حكمه، كما ضم حزبه شخصياتٍ متنافرة، أغلبهم لديهم خبرات سياسية ضئيلة أو معدومة. ومع ذلك، كان تنافساً قوياً، وتكّهن العديد من المراقبين بأن تكون له قدرة واضحة على تفريق الأصوات بشكلٍ في غاية التنافس.

اقرأ أيضاً: بعد الإطاحة به من حزبه.. غموض يحيط بالمستقبل السياسي لمهاتير محمد

السمة المشتركة بين جميع الكُتل المتنافسة في الانتخابات الماليزية العامة الخامسة عشرة هي الإسلام السياسي؛ حيث يتنافس العديد من المرشحين ذوي الخلفيات الإسلامية مع بعضهم البعض في دوائر انتخابية متعددة. يزعم الإسلاميون في الائتلافات المتنافسة معارضتهم للمنظمة الوطنية الملاوية المتحدة المتهمة بالفساد، لكنهم يختلفون في استراتيجياتهم السياسية، ومواقفهم الاجتماعية. كان لذلك الاختلاف دور ودلالات في خسارة مهاتير محمد.

آخر جيل من الحراس القدامى

يُعد مهاتير محمد آخر جيل من الحراس القدامى في جنوب شرق آسيا، والذين تمكنوا من تحقيق اقتصادات مزدهرة في منطقتهم التي باتت تُعرف بـ”اقتصادات النمور”. وتشمل القائمة كلا من سوهارتو الإندونيسي، ولي كوان يو السنغافوري.

يُنسب إلى مهاتير محمد الفضل في نمو الاقتصاد الحديث لماليزيا، كما يُنسب إليه الفضل غالباً في قيادة حركة أسلمة ماليزيا. لكن المراقبين ومنتقدي محمد يصفون هيمنته الطويلة على ماليزيا بأنها خانقة؛ وذلك بسبب الاعتقالات التي طالت المعارضين دون محاكمة وتكميم وسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً: هل سيُحلّل مهاتير محمد “أخونة” ماليزيا ويقضي على التعددية فيها؟

إلى جانب كل ذلك، بفضل جهود مهاتير، أصبح الإسلام يؤدي دوراً مهماً في ماليزيا أكثر مما كان عليه عندما تولى منصبه لأول مرة. لتعميق ذلك الدور، استخدم مهاتير عدداً من الوسائل، منها التشجيع على دراسة الإسلام، نشر القيم والأخلاق الإسلامية، إنشاء المؤسسات الإسلامية، وتعيين المسلمين في مناصب رئيسية في الحكومة والخدمة المدنية.

يفوق عدد المسلمين في ماليزيا الستين بالمائة؛ لذلك أدت مثل تلك الإجراءات إلى دعم الماليزيين لرؤية مهاتير محمد لدولة إسلامية، لكنها في المقابل أدَّت إلى بعض التوتر بين المسلمين وغير المسلمين، خاصة مع تزايد ظاهرة القومية الماليزية بين جيل الشباب.

شاب ماليزي يدلي بصوته في الانتخابات- AP

 

ليس سراً أن ماليزيا دولة ذات تراث إسلامي ثري؛ إذ لطالما كان الإسلام جزءاً من الثقافة والمجتمع الماليزيين لعدة قرون. لكن في السنوات الأخيرة، يشير البعض إلى ارتفاعٍ ملحوظ في الأصولية الإسلامية، والقومية في ماليزيا. وقد أدى ذلك إلى زيادة التوترات بين الماليزيين من مختلف الأديان والأعراق، وألقى بظلاله على الانتخابات الأخيرة.

الإسلام والقومية في ماليزيا

لقد أصبح مشهد الإسلام السياسي أكثر تعقيداً في الانتخابات العامة الخامسة عشرة في ماليزيا؛ إذ ضم كل ائتلاف متنافس تمثيلاً إسلامياً. يجمع الإسلام السياسي كل الائتلافات لكن الاستراتيجيات والمواقف تختلف.

 يُعد ائتلاف مهاتير محمد الأكثر تشدداً، وهو يميل إلى استبعاد غير المسلمين. بينما يُوصف تحالف الأمل بقيادة أنور إبراهيم بالانفتاح للتعامل مع غير المسلمين، فيما يُوصف ائتلاف التحالف الوطني بقيادة محيي الدين ياسين بالمحافظة الدينية والدفاع عن “قيادة الملايو المسلمة”.

اقرأ أيضاً: هل تتجه ماليزيا إلى مزيد من الأسلمة في مؤسساتها؟

منذ أن بدأت عملية الأسلمة في ماليزيا في السبعينيات، كان هناك اتجاه متزايد للقومية الإسلامية في البلاد. يتضح هذا في العدد المتزايد للأحزاب السياسية ذات المنصة الإسلامية، فضلاً على صعود المنظمات الشبابية الإسلامية، والحركات الطلابية.

هناك عدد من العوامل التي ساهمت في هذا الاتجاه، من الترويج الحكومي للإسلام كدين وطني، مروراً بالنزعة المحافظة المتنامية داخل المجتمع الماليزي، وليس انتهاءً بالاهتمام المتزايد للعديد من الشباب المسلمين بعقيدتهم ودورها في المجتمع.

لكن بالرغم من وجود اتجاه متزايد للأسلمة والقومية بين الشباب الماليزي، فإن هناك أعداداً متزايدة منهم ينجذبون أكثر إلى الأفكار القومية؛ يشعر هؤلاء بشعور قوي بالفخر ببلدهم وتاريخه، وتعددية أعراقه وأديانه، ويرغبون أيضاً في حماية السيادة السياسية والاقتصادية لماليزيا، بأقل تأثير ممكن للتفضيلات الإسلامية.

محتجون شباب ضد تعيين محي الدين ياسين رئيسا للوزراء، في كوالالمبور، ماليزيا، 2020- AP

 

تتبلور في ماليزيا اليوم المزيد من مظاهر القومية، والتي يمكن أن تساهم في زيادتها مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك زيادة عدم المساواة الاقتصادية، وعدم الرضا عن الوضع الحالي للعلاقات العرقية، والإحباط من تعامل الحكومة مع الفساد والمحسوبية.

الإسلام والانتخابات

خلال الانتخابات العامة الأخيرة في ماليزيا أصبح لدى معظم الإسلاميين في ماليزيا قناعة بأنهم لا يستطيعون الفوز بمفردهم لأسبابٍ، بينها الديموغرافيا متعددة الأديان في ماليزيا، والحقائق السياسية المتنوعة. لذلك حرصوا على التعامل مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.

انضم البعض إلى الحكومة لتنفيذ سياسات الأسلمة، بينما ركز آخرون على المجتمع المدني للدعوة إلى الإسلام و”الدفاع عنه”. بعضهم ركز على التعامل مع غير المسلمين، والبعض الآخر عمل مع القوميين الملايو. كان البعض أكثر شمولية في آفاقهم، بينما اختار البعض الآخر اتخاذ موقف أكثر تشدداً.

اقرأ أيضاً: الصراع من أجل الهيمنة: السلفية الوهابية والإخوان المسلمون في ماليزيا

إضافة إلى الإسلام، كان الشباب والقومية بعض أهم الحقائق التي شكلت التكتيكات السياسية. يخشى العديد من الملايو الريفيين، الذين يشكلون ثلثي سكان ماليزيا البالغ عددهم 33 مليون نسمة، ومن بينهم أقليات كبيرة من الصينيين والهنود، أن يفقدوا حقوقهم في ظلِّ تعددية أكبر، كما انضمت ملايين الأصوات الشابة إلى الانتخابات بسبب دخولهم السن القانوني للتصويت، وقانون خفض سن التصويت القانوني.

تظهر النتائج شبه النهائية للانتخابات تقدم تحالف الأمل بزعامة أنور إبراهيم على منافسيه. يُوصف أعضاء تحالف الامل بالاعتدال النسبي والاستعداد للعمل مع غير المسلمين، إنه ائتلاف متعدد الأعراق، ومتبنياً لفكرة “الإسلام الرحيم”، كما يصف نفسه “كحزب إسلامي معتدل وشامل”.

كان استهداف جيل الشباب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والتقارب بين الإسلاميين والقوميين، والمحافظة الدينية مع التسامح مع غير المسلمين سِمة المتنافسين في الانتخابات، ومن بين العوامل الحاسمة لخسارة مهاتير محمد. يعتقد المراقبون الآن أنه قد ولَّت الأيام التي عرفت بكثرة الجدل حول الالتزام بالإسلام، وأن التركيز الآن على الهوية الملاوية، مع إسلامٍ أكثر اعتدالا وتسامحاً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة