الواجهة الرئيسيةترجمات

لماذا خرج الإيرانيون إلى الشوارع، ولم يفعل السعوديون كذلك؟

"شراكة ما بين الحاكم والمحكوم.. السعوديون مندهشون وسعداء بإصرار حاكمهم على التغيير"

ترجمة كيو بوست –

نشر الباحث الأمريكي البارز “إيليوت أبرامز” مقالةً في مجلة “ويكلي ستاندارد” الأمريكية، يتحدث فيها عن أسباب غضب الإيرانيين على نظامهم السياسي من جهة، ورضى السعوديين عن حكامهم من جهةٍ أخرى. ويقول أبرامز إننا شهدنا الكثير من المظاهرات العارمة التي اجتاحت شوارع إيران احتجاجًا على سياسات النظام الاقتصادية والسياسية، ورأينا كيف ردت أجهزة الأمن على المتظاهرين بشكلٍ عنيفٍ ومميت، ولكننا لم نشهد أية احتجاجات في المملكة العربية السعودية، فما السبب في ذلك؟

 

“القيادة – اختلاف الأجيال”

هنالك الكثير من الأسباب والاختلافات بين الحالتين. ولو نظرنا إلى القيادة في طهران، سنجد أن رجلًا واحدًا يقود النظام الإيراني، وهو “آية الله علي خامنئي“، الذي يبلغ 78 عامًا من العمر. وليس من قبيل المصادفة أن هذا الزعيم حلّ محلّ “آية الله الخميني”، الذي توفي عن عمرٍ يناهز السادسة والثمانين، فبهذه الطريقة تمشي الأمور في إيران. أما الحالة السعودية، وبرغم تشابه النموذج الانتقالي في الحكم مع إيران سابقًا، إلا أن الأمور تغيرت مؤخرًا؛ فالسلطة تتحرك الآن إلى جيلٍ جديدٍ في الرياض. يبلغ ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان 32 عامًا من العمر، والعديد من مستشاريه الرئيسين صغار السن، من الجيل ذاته.

 

“رضى أو سخط الشعب عن النظام”

لقد بات من الواضح بالنسبة للشعب السعودي أن ابن سلمان يرغب بإحداث تقدمٍ اقتصاديٍ واجتماعيٍ كبيرٍ في البلاد، وقد بدأ بتطبيق ذلك على الأرض. وهذا يعني الكثير بالنسبة للسعوديين؛ يعني لهم أن حكومتهم في أيدٍ جديدٍ قادرةٍ على إحداث التغيير الحقيقي. هذه الخطوات التي أجرتها القيادة السعودية الجديدة تعني أن الحكومة ليست عدوًا للشعب، كما هو الحال في إيران.

 

“قيادة مدنية وليست دينية”

برغم أن الملوك السعوديين يحتفظون بدورٍ خاصٍ في “خدمة الحرمين الشريفين”، إلا أن النظام السعودي مدنيّ وليس دينيًّا في طبيعته. وقد دام الاتفاق بين رجال الدين وعائلة آل سعود لأجيال طويلة، إلا أنهما ظلا منفصلين عن بعضهما البعض. فعلى سبيل المثال، عندما فقدت الشرطة الدينية شعبيتها بين الناس، عملت العائلة المالكة على كبح جماحها، واتخذت إجراءاتٍ للحدّ من صلاحياتها ونفوذها. وفي حين أن رجال الدين لا يزالون محافظين للغاية إزاء القرارات الأخيرة بشأن السماح للنساء بالقيادة، وفتح ملاعب كرة القدم أمام الجماهير من كلا الجنسين، وافتتاح دور السينما، إلا أنهم لا يملكون سلطةً في أيديهم، ولا يستطيعون اتخاذ أية قرارات. الحكومة وحدها هي من تملك القرار وسلطة إنفاذ القانون، على عكس الحالة في إيران.

ولذلك، تبلورت قناعةٌ لدى السعوديين بأن حكومتهم تدفع الأمّة إلى الأمام، حتى لو تطلّب ذلك تحدّي رجال الدين، أما الإيرانيون فيدركون أن السلطة برمّتها تتربّع في أيدي رجال الدين، الذين يفعلون ما يشاؤون ويقاومون التغيير.

من المعروف لدى الشعب في إيران أن نظام “ولاية الفقيه” الذي أنشأه آية الله الخميني بعد عام 1979 غير ديمقراطيّ، بل حكم دينيّ بحت. لذا فإن السلطة في إيران تقع في أيدي رجال الدين، وليس الحكومة، في نهاية المطاف. وبالتالي، فإن آية الله هو المرشد الأعلى الذي يحظى بسلطةٍ أعلى بكثيرٍ من السياسيين المنتخبين. المرشد الأعلى، وليس الرئيس الإيراني، هو من يشغل منصب الرئيس الإداري الكبير؛ صاحب الكلمة الأخيرة، والقرار الأخير، فيما يخص الحرس الثوري والجيش ورجال الدين.

 

“اختلاف سقف التوقعات”

لقد فاجأ الأمير محمد بن سلمان الشعب السعودي بتغييراتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ غير متوقعة، جميعها نحو التحديث والتجديد في المملكة. أما الرئيس روحاني، فلم يوفِ بوعوده إزاء أية تغييراتٍ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ أو اقتصادية. ولذلك، فقد الشعب الإيراني صبره بشكلٍ كبير. وبرغم الكثير من الإشارات في الصحافة الغربية إلى أن روحاني “أكثر اعتدالًا” من غيره، إلا أن الإيرانيين لا يرونه كذلك؛ فهو رجل النظام الذي لن يحقق تغييرًا حقيقيًا في يومٍ من الأيام، بل ويفتقد القدرة والصلاحية، حتى لو أراد ذلك.

وعلى النقيض من ذلك، أدرك وليّ العهد السعودي الجديد أن التغيير الحقيقي هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بيت آل سعود. وأدرك كذلك أن نموذج الحكم القديم، والاقتصاد غير البناء، والأيدلوجية الدينية، جميعها ساهمت في تشكيل صيغة كارثية في القرن الـ21، وحتى في القرن العشرين. ولذلك رأيناه يسارع في ذلك التغيير الذي فاجأ العالم به، وبالطبع، سينفذ الوقت في يومٍ من الأيام، إن لم يفِ ابن سلمان بوعوده كافة، إلا أن الشباب السعودي عازمٌ على منحه الفرصة الكافية.

 

“شرعية الحُكم”

من أكثر المسائل حسمًا في هذا السياق مسألة شرعية النظام. نحن في الغرب نعتبر “الشرعية الديمقراطية” أفضل وأقوى أشكال الشرعية، إلا أن “الشرعية الملكية” موجودة في العديدِ من الدول العربية، وخصوصًا في الخليج العربي. بعض الأسر المالكة بقيت لقرون عدة، وبعضها ادعى النسب للنبي. وبرغم صعوبة قياس قوّة وعمق “الشرعية الملكية”، إلا أنها قوية جدًا ولا يمكن نكران سلطتها على الشعوب. ما نتحدث عنه هنا هو “شرعية الأداء” التي يمكن أن تكسب قلوب الشعوب لمجرد الاتّسام بالكفاءة والفعالية.

ولو نظرنا إلى إيران في هذا السياق، لوجدنا أنها جمهورية مزيفة، شعبها يدرك أن الحُكم يُدار بقوةٍ وحشية، وأن حكامها لصوص يخشون التغيير، وأن الإصلاح يهدد حكمهم. تتّسم الانتخابات بالسرقة، والبرلمان بالعجز، والنظام القضائي بعدم الاستقلال. وبعبارة أخرى، هم يرون مظاهر ديمقراطيةً غربيةً دون أي جوهرٍ ومضمون. ولذلك، فإن عدم شرعية النظام هي نقطة ضعف القادة والزعماء فيها، وهذا ما انطبق تمامًا على الجمهوريات العربية التي اجتاحتها الثورات مثل ليبيا ومصر وسوريا وتونس.

إيران جمهورية مزيفة تمكّنت من البقاء عن طريق القمع الوحشي فقط. وتفيد الدروس المستخلصة من العقود القليلة الماضية أن الانتخابات المسروقة -كما حدث في إيران عام 2009- لن تؤدي إلا إلى اضطرابات واحتجاجات. من شأن فظاعة ونفاق الانتخابات المزيفة، التي تتخذ مظهرًا غربيًا، أن تثير سخط وغضب المواطنين، لا سيّما عندما تقترن بفسادٍ هائلٍ وقمعٍ وحرمان. لقد فقد ملايين الإيرانيين إيمانهم بشرعية الجمهورية الإسلامية.

أما السعوديون فيعملون بجدّ للحفاظ على أنفسهم من خلال الإصلاح والتغيير.

النظام في إيران لم يطرح إلى الآن أيدلوجية ولاية الفقيه على استفتاء شعبيّ، لأنه يعرف مسبقًا أن غالبية الإيرانيين سيرفضونها. النظام غير شرعي في نظر الشعب الإيراني الذي يعرف ما يريده تمامًا؛ نظام ديمقراطي على النمط الغربي، وهذا ما عزز رغبتهم في الإطاحة بالشاه عام 1979، وهذا ما حثّهم على الخروج إلى الشوارع اليوم. يفضّل النظام الإيراني العيش في “ظل المستقبل”، لذا قام بالقضاء على الاحتجاجات الأخيرة تمامًا كما فعل عام 2009، ولا سيّما أن رجال الدين هنالك مستعدون للقتل مقابل البقاء في سدّة الحكم. وبرغم تلاشي مظاهر الاحتجاج، سيخرج الإيرانيون مرة تلو المرة كعادتهم منذ عام 1979 إلى أن يحصلوا على حريتهم.

الحالة السعودية مختلفة تمامًا، فلم تحدث ثورة هناك قطّ، ويبدو أن النظام يحافظ على شرعيته. ومن شأن “شرعية الأداء” التي يتّسم بها الأمير ابن سلمان أن تمنح آل سعود عقودًا من القوّة المطلقة. وكما هو واضح، هنالك شراكة ما بين الحاكم والمحكوم إزاء التحديثات المجتمعية والاقتصادية.

يشعر الإيرانيون الآن بالاشمئزاز لرفض حكامهم التغيير والإصلاح، برغم وعودهم المتكررة. في حين أن السعوديين مندهشون وسعداء بإصرار حكامهم على التغيير. ولذلك، سيمنح الشعب السعودي الأمير ابن سلمان الوقت الكافي، وإن لم يتمكن من إكمال مسيرة الإصلاح، فسنرى عودة المملكة إلى الوراء، وستحدث مشاكل في الشوارع.

هنالك مشكلةٌ في شوارع إيران اليوم، لأن الإيرانيين يعرفون ما يريدون تمامًا؛ الحرية التي لم يحظوا بها منذ عام 1979. ولهذا السبب لن تنتهي موجات الاحتجاج حتى تصبح إيران حرة.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة