الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةصحة

لماذا تلقيت اللقاح الروسي؟

وازن مراسل "نيويورك تايمز" بين المخاوف التي أثارها تسييس إطلاق لقاح "سبوتنك 5".. والرغبة في الحماية من الفيروس المميت

كيوبوست- ترجمات

أندرو كرامر♦

هل أنت جاهز؟ سألتني الممرضة وهي تحمل حقنة في يدها. أجبتها بنعم، فقامت بحقني في الحال، ثم طلبت مني المكوث في ردهة المشفى لمدة نصف الساعة؛ لاحتمال حصول نوبة حساسية، ولحسن الحظ لم تحدث.

يوم الاثنين الماضي وضعت مخاوفي جانباً، وأخذت الجرعة الأولى من لقاح “كورونا” الروسي الذي يُسمى “سبوتنك 5″؛ وهو لقاح نزلات البرد العادية، بعد تعديله وراثياً، ويتم تصنيعه في ضواحي موسكو.

كما هي حال الكثير في معظم الأمور في روسيا، هنا أيضاً لعبت الدعاية السياسية دورها في إطلاق لقاح “سبوتنك 5″؛ فقد أعلن الرئيس فلاديمير بوتين، حصول اللقاح على الموافقة حتى قبل أن تبدأ المرحلة الأخيرة من التجارب السريرية عليه.

اقرأ أيضاً: لقاح كوفيد يكشف عن ثغرة في عدالة التوزيع العالمي

لأشهرٍ خَلَت، دأب العلماء الغربيون على السخرية من فعالية هذا اللقاح. وأنا أيضاً كانت لديّ شكوك تجاهه، وكذلك الكثير من المواطنين الروس الذين لم يثقوا في اللقاح الجديد، وفضلوا الانتظار إلى حين تظهر نتائج تلقِّي هذا اللقاح بشكل أوضح.

بحصول اللقاح على الموافقة، في أغسطس الماضي، سارع مسؤولو الصحة الروس إلى التأكيد أنهم تفوقوا بالتوصل إلى لقاح ناجع، وكسبوا السباق مثلما فازت روسيا منذ عقودٍ مضت في السباق إلى الفضاء الخارجي، وذلك بإطلاق القمر الصناعي “سبوتنك”. وفي الواقع، كان هنالك عددٌ من اللقاحات، في دولٍ أخرى، تخضع للتجربة في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً: لقاح أكسفورد يبصر النور.. وبريطانيا تبدأ اليوم حملة التلقيح الوطني

ثم تبعت ذلك سلسلة من التصريحات المضللة.. المروجون للقاح ادعوا أن الحملة الوطنية للتطعيم ستبدأ في سبتمبر، ثم قيل في نوفمبر. وفي الحقيقة بدأت الحملة في الشهر الماضي، ولم تسبق بدء حملات التلقيح في بريطانيا والولايات المتحدة.

وتناقلت وسائل الإعلام الخارجية تقارير تتهم الحكومة الروسية بأنها تزيف تقارير نتائج التجارب؛ لغرض التفاخر القومي أو لغرض الترويج، خصوصاً أن الحكومة الروسية ينظر إليها بريبة في كل ما له علاقة بالعقاقير؛ بسبب ما اتهمت به من تسميم المنشقين عنها، والتستر على الرياضيين الذين يتعاطون المنشطات. 

روسيا تقر استخدام أول لقاح لـ”كوفيد-19″ وسط مخاوف من تفشي أكبر للجائحة مع حلول الشتاء- “غلوبال تايمز”

وعندما أتى إعلان شركة “فايزر” وشركة “بايونتك” الألمانية، أن نتائج التجارب أثبتت فعالية لقاحهما المزمع إنتاجه بنسبة 91%، قامت شركة الاستثمارات المرتبطة بالكرملين التي تدعم إنتاج “سبوتنك 5” بالإعلان أن التجارب أثبتت فعاليته بنسبة 92%، في وقتٍ لاحق عندما أعلنت شركة “موديرنا” أن نسبة فعالية لقاحها كانت 94.1%، قامت الشركة الروسية بالتصريح بأنها تمكنت من التوصل إلى نسبة فعالية 95%، وبعدها اعترف المسؤولون بأنه بعد إتمام المرحلة الأخيرة من التجارب، فإن النتائج أظهرت فعالية “سبوتنك 5” بنسبة 91.4%.

ولكن هل لهذا أهمية من وجهة نظر متلقي اللقاح؟ فالنتائج الأخيرة تقدم له 9 فرص من 10 لتجنب “كوفيد-19”. كان تشكيك الخبراء في الغرب في غالبيته منصباً على صلاحية الموافقة السريعة على العقار، ولم يكن تشكيكاً في نوعية وتصميم اللقاح الذي يشبه كثيراً اللقاح المنتج في جامعة أكسفورد وشركة “أسترا زينيكا” البريطانية.

اقرأ أيضاً: المسنون أم العاملون الأساسيون.. مَن يجب أن يحصل على لقاح فيروس كورونا أولاً؟

على الرغم من أن مخاوف الناس لا تزال قائمة، وعلى الرغم من أن مطوري اللقاح لم ينشروا حتى الآن تفاصيل وبيانات عن أية ملاحظات سلبية خلال مراحل تجربة اللقاح؛ فإن الحكومة الروسية قامت بتلقيح نحو مليون مواطن روسي، وتم تصدير لقاح “سبوتنك 5” إلى روسيا البيضاء والأرجنتين، ودول أخرى أيضاً، فلو كان هنالك أي تأثيرات سلبية للقاح لكانت قد أصبحت معروفة الآن.

هنغاريا تتلقى أول دفعة من لقاح “سبوتنك 5” الروسي- “ذا موسكو تايمز”

في النهاية، فإن تسييس حملة إطلاق اللقاح قد انعكست سلباً، فطمست حقيقة أن نتائج الاختبارات كانت جيدة؛ وهو إنجاز حقيقي للعلماء الروس في استمرارهم لعراقتهم ونجاحاتهم المتكررة في إنتاج وتطوير اللقاحات.

فخلال الحقبة السوفييتية كان القضاء على الأمراض المعدية في الداخل من أولويات مؤسسات الصحة العامة، أما في الخارج فإن تصدير اللقاحات إلى الدول النامية كان أداة من أدوات الحرب الباردة.

 كما أن تعاون الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة أثمر في القضاء على وباء الجدري من خلال اللقاح. وكان علم الفيروسات من أساسيات برنامج الأسلحة البيولوجية السوفييتي الذي استمر بشكل سري لمدة ليست بالقصيرة بعد اتفاقية 1975 التي حظرت هذه الأسلحة.

اقرأ أيضاً: كي نوقف الجائحة.. مقاربة أفضل لمنظمة الصحة العالمية

في عام 1959، قام عالم روسي وزوجته بتجربة أول لقاح مضاد لفيروس شلل الأطفال على أطفالهما وفقاً للعرف السائد في أوساط علماء الطب الروس بأن يجربوا أي عقار قد يتسبب في نتائج مؤذية على أنفسهم أولاً. وفي الربيع الماضي، قام كبير العلماء القائمين على تطوير “سبوتنك 5” ألكسندر ل. غينتسبرغ، وكما جرت العادة، بحقن نفسه باللقاح حتى قبل أن يتم الإعلان عن الانتهاء من الاختبارات على الحيوانات.

وقد شبَّه المروجون الروس هذا اللقاح ببندقية الكلاشينكوف؛ فهو بسيط وفعال.

أشخاص ينتظرون دورهم لتلقي لقاح “سبوتنك 5” في مركز أبوظبي الوطني للمعارض- “رويترز”

لقد كنت محظوظاً فلم أتعرض إلى الآثار الجانبية لـ”سبوتنك 5″ مثل الصداع القوي أو الحمى. وإلى جانب تراجع مخاوفي، فإن سبباً آخر بسيطاً دفعني لتلقي لقاح روسي معدل وراثياً؛ وهو أن العيادات الروسية لا تشهد ازدحاماً أو تواجه صعوبات في وصول الجرعات، كما حصل في مراكز التطعيم في الولايات المتحدة.

إن بداية يناير هي أفضل أيام الشتاء في موسكو، فخلال إجازة لمدة أسبوع يختفي ازدحام السير والفوضى في الشوارع، فيحل محلها الهدوء ومنظر الثلج الجميل، وكذلك كانت الحال في مراكز التلقيح.

ابتدأت الحملة الروسية للتلقيح بعمال القطاع الصحي، ثم المدرسين، ثم توسعت. والآن أصبح اللقاح متاحاً لمَن تجاوز الستين عاماً، أو لمَن يعاني أمراضاً تزيد من خطر إصابته بـ”كوفيد-19″، ولعددٍ من المهن التي تعتبر معرضة أكثر من غيرها إلى الإصابة؛ مثل موظفي الصندوق في المصارف، وموظفي البلديات والرياضيين المحترفين، وسائقي الحافلات ورجال الشرطة. ولحسن حظي فاللقاح متاح أيضاً للصحفيين.

اقرأ أيضاً: شركة أمريكية تبدأ في تجريب لقاح جديد لعلاج فيروس كورونا

من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت روسيا تمتلك الإمكانات لإنتاج ما يكفيها لسد الحاجة من اللقاح على المدى الطويل. لا يثق الكثير من الروس في النظام الصحي في بلدهم ولا في اللقاح؛ فليس هنالك تدافع للحصول عليه، ففي أول مركز للتطعيم قُمت بزيارته، في ديسمبر الماضي، خلال تغطيتي الصحفية، أغلق هذا المركز أبوابه باكراً؛ لأن القليلين فقط حضروا للحصول على اللقاح.

ظهر تناقض غريب في العاصمة؛ حيث وجد اللقاح قبولاً عند الفئة المتعلمة من الناس، وهم عادة الفئة المعارضة سياسياً للسيد بوتين المروج الأساسي للقاح؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بالصحة فإن الكثيرين قد شمروا عن سواعدهم.

خلال تدوينه لتجربته مع اللقاح، كتب الأكاديمي في معهد الدراسات الشرقية أندري ديسنيتسكي على صفحته في “فيسبوك”: “أخذت الجرعة الثانية من اللقاح في كتفي”، وكتب مخاطباً المعلقين على صفحته: “أي تعليقات هيستيرية؛ مثل: لقد بعت نفسك للنظام الدموي أيها الوغد، أو مثل هل يظنون أننا كلنا أغبياء؟ سوف يتم مسحها”.

أحد مراكز إعطاء اللقاح في موسكو.. لم تشهد العيادات الروسية ازدحاماً على أخذ اللقاح- “نيويورك تايمز”

كنت مثل السيد ديسنيتسكي مستعداً للمخاطرة. وفي صباح مثلج في العيادة رقم 5، قُمت بملء استمارة فيها أسئلة عما إذا كنت أعاني أي مرض مزمن أو اضطرابات في الدورة الدموية أو أمراض القلب.

اقرأ أيضاً: سباق مع الزمن لتطوير مصل مضاد لوباء الصين الجديد

أبرزت لهم بطاقتي الصحفية؛ للتحقق من مهنتي، وقام الطبيب بسؤالي بضعة أسئلة عن الحساسية، ثم انتظرت دوري قرابة الساعة في ردهة المشفى. جلست بقربي السيدة غالنا تشيبيل ذات الخمسة والستين عاماً، والتي تعمل موظفة في البلدية.

سألتها عن رأيها في تلقي اللقاح، أجابت: “أنا سعيدة بالطبع، لا أحد يريد أن يُصاب بالمرض”. وأنا أوافقها الرأي.

♦مراسل “نيويورك تايمز” في موسكو.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة