الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دوليةملفات مميزة

لماذا تقوم الدول بتنظيم المسيرات العسكرية؟

المسيرات العسكرية تتعلق بمن يأمرون بإقامتها وبمن يشاهدونها، أكثر ممن يشاركون فيها!

كيو بوست – 

هل فكرت يومًا لماذا تنظم دول العالم المسيرات العسكرية الحاشدة، التي يستعرض من خلالها الجيش قواته العسكرية، من الوحدات المختلفة، الراجلة والمدرعة والطائرة؟ هناك الكثير ممن يتساءلون ما هو الهدف من المهرجانات العسكرية؟ ولماذا تقوم بعض الدول بتكرارها بين الفترة والأخرى؟ والأهم، لماذا تدفع جيوش الدول بمعظم قواتها داخل تلك المهرجانات التي لا تتجاوز حدود الاستعراض؟

 

الانتصار

عام 1919، بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، أقامت الولايات المتحدة الأمريكية مسيرات عسكرية ضخمة بمناسبة “الانتصار في الحرب”، في كل من نيويورك وواشنطن. وقد قام قرابة 25 ألف جندي بالمشاركة بهذه المسيرات العسكرية ابتهاجًا بالنصر. وأقيم المهرجان بهدف “شكر الأمة الأمريكية” للمقاتلين على جهودهم في الحرب، قبل أن يعودوا إلى حياتهم الاعتيادية.

وبالطريقة ذاتها، احتفل الأمريكيون بنهاية الحرب العالمية الثانية عام 1946، من خلال مسيرات حاشدة في نيويورك. وقد تركزت الاحتفالات حول الوحدة 82 المحمولة جوًا، بسبب الأداء الذي قدمته خلال الحرب، الذي كان له دور بارز في الانتصار.

آخر مسيرة عسكرية قامت بها الولايات المتحدة كانت بعد حرب الخليج عام 1991، وشملت حوالي 9000 مقاتل. وقد تركزت الاحتفالات حول القوة النظامية (من غير المتطوعين) التي شاركت في الحرب، كما كانت تلك المسيرة بهدف الابتهاج بتوقيع العراقيين على الهدنة على ظهر سفينة ميسوري الحربية، السفينة ذاتها التي أجبرت فيها اليابان على توقيع الاعتراف بالهزيمة خلال الحرب العالمية الثانية عام 1945.

وقد اعتبر كثيرون، أن تلك المسيرة العسكرية جاءت بهدف مسح العار الذي لحق بالولايات المتحدة فيما يتعلق بالفشل بحربي فيتنام وكوريا خلال السنوات السابقة، وطرد أشباح الهزيمة القادمة من تلك الحروب.

 

فرد عضلات

لم تكن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تقوم بتلك المسيرات، إذ قامت كثير من الدول باستعراض قوتها العسكرية لأهداف مختلفة. على سبيل المثال، قامت إسرائيل بمجموعة من العروضات العسكرية بعد إعلان إنشاء دولتها الاستعمارية على أرض فلسطين، وحتى مرحلة السبعينيات، التي شهدت هزيمة مرة لها أمام الجيش المصري في حرب العاشر من رمضان.

وقد كان هدف تلك المسيرات بالنسبة لإسرائيل، هو إثبات أنها ما زالت على قيد الحياة، بالرغم من تحركات العرب للقضاء عليها. ويعتبر كثيرون أن تلك المسيرات كانت تشكل “فرد عضلات” أمام الدول العربية المحيطة، بهدف إيصال رسالة بأن بإمكانها الاعتماد على ذاتها في مواجهة العرب.

 

توحيد

كما قامت فرنسا أيضًا بتنظيم مهرجانات ضخمة احتفالًا باليوم الوطني، الذي يصادف 14 يوليو/تموز من كل عام. ويعود أصل ذلك، إلى فترة الانقسامات الكبيرة التي كانت فرنسا تعاني منها بعد الحرب الألمانية عام 1880؛ إذ كان الهدف من تلك المسيرات هو توحيد الجماعات المختلفة، العلمانيين مع المتدينيين، والديمقراطيين مع الملكيين. وبهذا، كانت المسيرات العسكرية تهدف إلى إعادة الوحدة إلى الفرنسيين كافة، قبل أن يصبح ذلك تعبيرًا عن المجد والسيادة الفرنسيين، بالرغم من هزيمة البلاد من ألمانيا، ومذابح الحرب العالمية، وفضائح استعمار الجزائر والصين الهندية.

في الحرب الباردة، كانت المسيرات العسكرية ترغب بالقول: “إن الولايات المتحدة قادرة على تدمير المدن الروسية بضغطة زر”، من خلال استعراض الأسلحة الثقيلة، والنووية، والذرية في تلك المهرجانات.

 

ابتزاز أخلاقي

في بعض الحالات تكون المسيرات العسكرية وسيلة للإشادة بالقوات العسكرية. ولكن يدعو بعض العاملين في المجالات العسكرية إلى اعتبار أن المدنيين هم أدنى منزلة اجتماعية من الجنود الذين يقاتلون في المعارك. ولذلك، يرى هؤلاء أن الاستعراضات العسكرية هي إحدى وسائل اعتراف الجمهور بأنهم يقبلون بموقف الدونية الأخلاقية.

وبهذا المعنى، تتحول تلك الاستعراضات إلى ابتزاز أخلاقي لغير العاملين في المجالات العسكرية، إضافة إلى احتكار الشجاعة والفضيلة من قبل الجنود، كونهم يواجهون ظروفًا أصعب من بقية المواطنين.

 

نحو الداخل

في نظر آخرين، تعتبر الاستعراضات العسكرية تعبيرًا عن القوة المطلقة التي تمتلكها السلطات، خصوصًا في الأنظمة الاستبدادية والشمولية. ويعني ذلك، أن الحكومة توجه رسالة إلى المواطنين، بأنها تمتلك قوة وحشية تمكنها من السيطرة على مفاصل الحياة كافة.

يقول الروائي والصحفي البريطاني المشهور جوروج أورويل: “الاستعراضات العسكرية هي نوع من أنواع الرقص، شيء يشبه الباليه. إنها تعبير عن امتلاك القوة، بكلمات أخرى، هي شيء يقول: أنا قبيح ولا أحد يجرؤ أن يضحك علي بسبب ذلك”.

 

تكلفة كبيرة

قامت بعض الدول بالتوقف عن إقامة المسيرات العسكرية بقوانين رسمية. ويعود ذلك، إلى أن تلك المسيرات تحتاج إلى أثمان باهظة من أجل الاستعراض فقط. إضافة إلى ذلك، يعتبر بعض الخبراء أن تلك العروض تشوش نشاطات الجيش الاعتيادية، مقابل المحافظة على خطوات الجيش الموحدة، وحركات الجنود المنظمة داخل الاستعراضات.

عادة، لا يشارك الجنود المصابون في تلك المسيرات، لأن أطرافهم المقطوعة، وكراسيهم المتحركة، تتعارض مع جماليات المشهد الخارجي، الذي تحافظ عليه المسيرات العسكرية. وبالطريقة ذاتها، لا تشارك الدبابات المدمرة، ولا الطائرات التي لم تعد تستطيع الطيران.

ومع ذلك، تستمر كثير من الدول، في عصرنا هذا، بتنظيم الاحتفالات العسكرية في المناسبات الوطنية، وذكرى الانتصارات العسكرية على الأعداء، حتى لو اضطرهم ذلك لإنفاق ملايين الدولارات.

 

المصدر: ذي أتلانتك + وكالات

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات