الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

لماذا تعمد أوروبا إلى محاصرة الهيئات الممثلة للجاليات الإسلامية؟

كيوبوست – حسن الأشرف

يبدو أن دولاً أوروبية بدأت تتجه نحو التضييق على الهيئات الممثلة للمسلمين فيها، سواء بالحل أو بسحب الاعتراف والدعم، فبعد فرنسا التي أقدمت على حلِّ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، والتشيك التي أصدرت قانوناً يحظر على تمثيلياتٍ إسلامية تلقي الدعم الخارجي، جاء الدور على بلجيكا التي حجبت الاعتراف الرسمي والدعم المالي لـ”تنفيذية مسلمي بلجيكا”.

ويرى مراقبون أن الدول الأوروبية دخلت في هذا السلسلة من القرارات بسبب انتشار ما يسمونه “التطرف السلفي والإخواني” الذي يصادم اندماج الجالية المسلمة مع مؤسسات الدول المضيفة، بينما يرى آخرون أن مثل هذه التدابير لا تراعي جهود المغرب في التأطير الديني للجالية المغربية في أوروبا عموماً، وبلجيكا بالخصوص.

اقرأ أيضاً: فرنسا تترصد لتحركات “الإسلام الإخواني- السلفي”.. فهل تنجح؟

السحب البلجيكي

وسحبت بلجيكا الاعترافَ الرسمي والدعم المالي لـ”تنفيذية مسلمي بلجيكا”، جراء اتهامها من طرف سلطات هذا البلد الأوروبي، بكونها تخضع لتدخلاتٍ أجنبية ممثلة في المغرب وتركيا، وبكونها باتت مؤسساتٍ وهيئات غيرَ مستقلة، بل تخضع لأجنداتٍ خارجية.

وكان وزير العدل البلجيكي، فانسان فان كويكنبورن، واضحاً وصارماً عندما أعلن مؤخراً سحب الدعم المالي من هذه الهيئة الممثلة لمسلمي بلجيكا، إذ سبق أن تلقت من السلطات البلجيكية ما قدره 639 ألف يورو في عام 2021.

وزير العدل البلجيكي

ودعا المسؤول الحكومي البلجيكي صراحةً آلاف المنتمين إلى هذه الهيئة -التي تعد المحاور الرسمي للسلطات والمسؤولة عن الإدارة الزمنية للمسلمين- إلى الخروج من هذه الهيئة، لتحل نفسها بنفسها، والبحث عن هيئة جديدة تمثلهم وفق “اندماج أفضل”.

ويعمل المنتسبون إلى هذه الهيئة الممثلة لمسلمي بلجيكا، والذين يقدَّر عددهم وفق تقارير إعلامية زهاء 400 ألف شخص، في مجالات الإمامة والتدريس أيضاً، ويتلقون أجورهم من وزارة العدل البلجيكية التي تُعنى بشؤون التعبد.

اقرأ أيضاً: تأسيس هيئة جديدة.. فرنسا تواجه حركات الإسلام السياسي

وأبدت السلطات البلجيكية رفضها لما سمته “استيراد” الأئمة والوعاظ الدينيين من بعض البلدان الإسلامية، في إشارة إلى المغرب وتركيا، حيث أوردت صحف فرنسية بأن المغرب ينشط بشكلٍ جيد وفاعل داخل هذه الهيئات التي تمثل الجاليات المسلمة في هذا البلد.

تصادم مع الدولة

ويعلِّق الكاتب والباحث أحمد عصيد على الموضوع بقوله إن سحب الاعتراف بالسلطة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، ووقف الدعم المادي لها، يشير إلى نهاية الدور التمثيلي لهذه الهيئة التي كانت بمثابة الإطار المرجعي الذي تعود إليه الدولة البلجيكية رسمياً فيما يخص مسلمي البلد.

أحمد عصيد

وسجل عصيد، في حديثٍ مع “كيوبوست”، أن هذا الحدث جاء في إطار مسلسل تعرفه الدول الأوروبية التي تعاني من شيوع “التطرف الوهابي والإخواني” بين ظهرانيها، مما يعيق بشكلٍ كبير اندماج الجالية المسلمة بشكلٍ طبيعي، ويؤدي إلى تصادمها مع مؤسسات الدول المضيفة.

وتابع المحلل ذاته “في إطار هذا المسلسل المذكور عرفت التشيك قراراً مماثلاً بإصدار قانونٍ يمنع على مسلمي ذلك البلد تلقي الدعم الخارجي، حيث يكون الدعم المالي دائماً مرفقاً بالتوجيهات الإيديولوجية، كما قامت فرنسا خلال الشهر الماضي فقط بنفس الإجراء حيث أقدمت على حل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”.

اقرأ أيضاً: منتدى الإسلام في فرنسا: هل هو بداية جديدة في العلاقات بين الدولة والمسلمين؟

ويرى عصيد أن السلطات البلجيكية تقصد بالجهات الخارجية التي تتدخل في الشأن الديني الإسلامي في أوروبا، تركيا تحديداً، وقطر والمغرب كذلك، رغم أن هذا الأخير يتبنى مشروعاً لتدريب “الأئمة المعتدلين”، وقد حصل على دعم أوروبي لهذا الغرض، نتج عنه إنشاء مؤسسة بالرباط لتكوين الأئمة والخطباء الدينيين غير المنخرطين في تيار الإسلام السياسي.

واعتبر عصيد أن الإشكال الذي يعترض المشروع المغربي الذي أدى إلى سحب ثقة الجهات الأوروبية منه، هو الانقلاب الذي يعيشه الأئمة بين تواجدهم بالمغرب، وخروجهم إلى الخارج، حيث ما إن تطأ أقدامهم أرض المهجر حتى يقلبوا خطابهم من الاعتدال إلى التشدّد.

مسلمو فرنسا

ويشرح: هؤلاء يكتشفون أن الصيغة الوحيدة للإسلام في أوروبا هي الصيغة الوهابية والإخوانية، حيث لا وجود لـ”إسلام معتدل” إلا لدى أقلية صغيرة جداً من أبناء الجاليات المسلمة التي تضع ثقتها في الدعاة الإخوانيين والسلفيين، باعتبارهم الذين يمثلون “الإسلام الصحيح”، وهذا هو ما يفسر أن بلجيكا، وقبلها فرنسا وهولندا ودول أخرى، قررت أن تتولى بنفسها تكوين أئمتها في إطار مبادئ الجمهوريات العلمانية.

ولفت عصيد إلى أنه تنبأ شخصياً بهذه الوقائع منذ أكثر من عشر سنوات، عندما أشار إلى أن تنامي الإسلام السياسي بأوروبا، وتحوله إلى شبكات “مافيوزية” غنية مادياً، وقوية بأعداد الأفراد الذين تستقطبهم، سيؤدِّي حتماً إلى التصادم مع الدول الأوروبية، وإلى صعود اليمين المتطرف بشكلٍ مهول، لأن الإسلام السياسي لا يمكن أن يقف عند حدّ معين، وهدفه الأسمى هو فرض ما يسميه “تطبيق الشريعة” في الدولة الغربية التي يعتبرها “دار حرب”؛ أي دولة “كافرة” ومعادية للإسلام.

حاضنة بلجيكية

من جهته، قال الباحث المغربي سعيد لكحل، في حديثٍ مع “كيوبوست”، إن بلجيكا أدركت خطورة تواطئها مع المتطرفين، وحتى الإرهابيين، متأخرة بعدما تغلغل التطرف في صفوف فئات واسعة من الجالية المسلمة، وامتد ليشمل أعداداً مهمة من المواطنين البلجيكيين.

سعيد لكحل

وفق لكحل “كانت النتيجة أن بلجيكا تحتضن المتطرفين والإرهابيين الفارين من عدالة دولهم الأصلية، وترفض تسليمهم إليها، فضلاً على تورط العناصر الإرهابية البلجيكية في كثيرٍ من العمليات الإرهابية، داخل بلجيكا وخارجها؛ بل إن نسبة البلجيكيين الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا، مقارنة بالجنسيات الأوربية الأخرى، نسبة مرتفعة.

وسبق لوزير الخارجية البلجيكي، سنة 2016، أن أعلن التحاق 457 بلجيكياً بصفوف التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق أو حاولوا الذهاب إلى هناك، ثلثهم من النساء والأطفال؛ كما حذرت الاستخبارات المدنية البلجيكية في 2019، من التهديدات الإرهابية المستمرة بسبب التطرف داخل السجون، وخطر معاودة المتهمين بالإرهاب لأنشطتهم من جديد عقب الإفراج عنهم.

اقرأ أيضاً: مكافحة التطرف العنيف في بلجيكا: نظرة تحليلية

ويرى لكحل أن السلطات البلجيكية ظلت تتجاهل تلك التقارير، وتغض الطرف عن أنشطة التنظيمات المتطرفة، الأمر الذي شجع التنظيمات المتطرفة على تطوير أنشطة الاستقطاب والتجنيد، خصوصاً أن القوانين البلجيكية توفر الحماية الكافية للإرهابيين، باعتراف وزير الهجرة البلجيكي السابق، حين أكد أن “مجلس التقاضي للأجانب يرفض أن يتم الترحيل بدعوى أنه يعارض المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان”.

واستدرك لكحل بأن الإجراءات التي تتخذها السلطات البلجيكية، وعلى رأسها، سحب الاعتراف والدعم من “تنفيذية مسلمي بلجيكا”، تبقى إجراءاتٍ متسرعة لا تستحضر جهود المغرب في التدريب الديني للجالية المغربية بأوروبا عموماً، وضمنها بلجيكا.

واستطرد الباحث ذاته قائلاً “لعل مثل هذا القرار أن يسمح لجهاتٍ أخرى، مثل إيران وجماعة الإخوان المسلمين، أن تستغل الفراغ في الاستقطاب والتأطير للجالية المسلمة، وفق مشاريع مجتمعية مناهضة للقيم وللحضارة الأوروبية”.

وخلص لكحل إلى أن “بلجيكا تسير على خطى فرنسا في حل “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”، ورغم أن فرنسا حلت المجلس فإنها لم تستطع تجفيف منابع التطرف، بدليل مطاردتها للإمام حسن إكويسن الذي بات في حماية السلطات البلجيكية”، مبرزاً أن “محاربة التطرف والإرهاب تقتضي التنسيق بين الدول والأجهزة والمؤسسات المختصة”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة