الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

لماذا تعجز الحقائق عن تغيير القناعات؟

كيوبوست- ترجمات

إليزابيث كولبيرت♦

في عام 1975 دعا الباحثون في جامعة ستانفورد مجموعة من الطلاب الجامعيين للمشاركة في دراسة حول الانتحار. أُعطي كل منهم رسالتي انتحار؛ إحداهما كتبت من قِبل شخص لا على التعيين، والأخرى كتبها شخص قام بالفعل بالانتحار لاحقاً، وطلب من الطلاب التمييز بين الرسالة المزيفة والأخرى الصحيحة.

اكتشف بعض الطلاب أن لديهم موهبة حقيقية في التمييز بين الرسائل؛ إذ تمكن عدد منهم من تمييز 24 رسالة صحيحة من أصل 25 زوجاً من الرسائل، بينما لم يتمكن آخرون من تمييز أكثر من عشر رسائل فقط. وكما هي الحال في معظم الدراسات النفسية، كان الأمر كله مرتباً بشكل مسبق، ومع أن نصف الرسائل كانت حقيقية -تم الحصول عليها من مكتب الطب الشرعي في لوس أنجلوس- فقد كانت الدرجات التي حصل عليها الطلاب وهمية. فالطلاب الذين قيل لهم إن إجاباتهم صحيحة بمعظمها لم يكونوا في المتوسط أكثر تميزاً من الطلاب الذين قيل لهم إن إجاباتهم خاطئة بمعظمها.

اقرأ أيضاً: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

في المرحلة الثانية من الدراسة، كُشف الخداع، وأُخبِر الطلاب أن الهدف الحقيقي من التجربة كان قياس استجابتهم للاعتقاد بأنهم على صواب أو على خطأ. (وهذا كان خداعاً أيضاً)، وأخيراً طُلب من المشاركين أن يقوموا بتقدير عدد الرسائل التي تمكنوا من تمييزها بشكل صحيح، وعدد الرسائل التي يعتقدون أن الطالب العادي يمكنه تمييزها. وعند هذه المرحلة حدث أمر غريب؛ فقد كان الطلاب الذين حصلوا على درجات عالية في التجربة يعتقدون أنهم أبلوا بلاء حسناً -أفضل كثيراً من الطالب العادي- على الرغم من أنهم قد جرى إخبارهم بأنه ليس لديهم أي سبب للاعتقاد أن إجاباتهم كانت صحيحة. وعلى العكس من ذلك، فإن الطلاب الذين مُنحوا علامات متدنية، قالوا إنهم يعتقدون أن أداءهم كان أقل من الطالب العادي؛ وهي نتيجة لا أساس لها من الصحة.

لاحظ الباحثون أنه “بمجرد أن يتم تشكيل الانطباعات، فإنها تبقى راسخة بشكل لافت للنظر”.

بعد بضع سنوات، تم تجنيد مجموعة جديدة من طلاب جامعة ستانفورد للمشاركة في دراسةٍ أخرى ذات صلة. أُعطِي المشاركون مجموعة من المعلومات عن رجلَي إطفاء، فرانك وجورج. أشارت السيرة الذاتية لفرانك إلى أنه أب لطفلة صغيرة، ويحب ممارسة رياضة الغوص. أما جورج فكان أباً لولد، ويحب ممارسة الغولف. كما تضمنت المعلومات المقدمة للطلاب إجابات الرجلين على ما سماه الباحثون “اختبار الخيارات الآمنة والمحفوفة بالمخاطر”. في بعض مجموعات المعلومات المقدمة للمشاركين، كان فرانك رجل إطفاء ناجحاً، كان يأخذ الخيارات الأكثر أماناً في الاختبار. أما في مجموعات أخرى من المعلومات المقدمة، فكان فرانك يأخذ الخيارات الآمنة أيضاً؛ ولكنه كان رجل إطفاء سيئاً، كما جاء في عدة تقارير أعدها رؤساؤه. مرة أخرى، أُبلغ الطلاب في منتصف الدراسة أنه قد جرى تضليلهم، وأن المعلومات المقدمة إليهم كانت وهمية تماماً. بعد ذلك طلب من المشاركين أن يدلوا بآرائهم حول المقاربة الصحيحة للمخاطر التي يجب أن يتحلى بها رجل الإطفاء الناجح. أجاب الطلاب الذين تلقوا المجموعة الأولى من المعلومات أنه يجب على رجل الإطفاء الناجح أن يتجنب المخاطر، وأجاب الذين تلقوا المجموعة الثانية أنه يجب عليه اقتحامها.

اقرأ أيضاً: ماسينيون الفرنسي.. قرينُ الحلاج الصوفي والمعرفي!

لاحظ الباحثون أنه “حتى بعد أن تم دحض الأدلة المتعلقة باعتقاداتهم، فشل الأشخاص في إجراء المراجعة الصحيحة لهذه المعتقدات”. وفي هذه الحالة كان “الفشل ذريعاً”؛ لأن تجربتين فقط لا تقدمان بيانات كافية كي يجري التعميم على أساسها.

أحدثت دراسات ستانفورد ضجة كبيرة، وأثار استنتاج مجموعة من الأكاديميين في السبعينيات أن الناس لا يستطيعون التفكير بشكل صحيح صدمة كبيرة. إلا أن الأمر لم يعد كذلك، فقد أكدت آلاف التجارب المشابهة هذا الاستنتاج وألقت الضوء عليه. وكما يعلم كل مَن تابع البحث -أو قرأ بعض أعداد مجلة “علم النفس اليوم”- فإن أي طالب دراسات عليا يمكنه أن يثبت أن الأشخاص الذين يبدون عاقلين ومنطقيين هم غالباً ليسوا كذلك. لم تكن هذه النظرية أكثر وضوحاً مما هي عليه الآن؛ ولكن اللغز الأساسي يبقى في معرفة كيف أصبحنا كذلك.

في كتابهما الجديد «لغز العقل» (The Enigma of Reason) حاول عالما الإدراك هوغو ميرسير ودان سبيربر، الإجابة عن هذا السؤال بشكل مبسط. أشار ميرسير الذي يعمل في مركز أبحاث فرنسي في ليون وسبيربر، الذي يعمل في جامعة أوروبا الوسطى في بودابيست، إلى أن العقل هو ميزة متطورة؛ مثل المشي على قدمين أو الرؤية ثلاثية الألوان، وقد نشأ في سهول السافانا في إفريقيا، ويجب فهمه في هذا السياق.

غلاف كتاب «لغز العقل»- “أمازون”

بمعزل عما يمكن تسميته بالعلوم المعرفية، يرى ميرسير وسبيربر أن الميزة الكبرى للبشر على بقية المخلوقات هي قدرتنا على التعاون؛ فالتعاون هو أمر يصعب البدء به بقدر ما يصعب الحفاظ عليه. لم يتطور العقل البشري من أجل حل المسائل المنطقية المجردة أو حتى لاستخلاص استنتاجات من بيانات ومعلومات جديدة، بل تطور من أجل حل المشكلات التي نشأت بفعل العيش في مجموعات متعاونة.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن أكثر الاضطرابات العقلية شيوعاً في العالم؟

كتب ميرسير وسبيربر “العقل هو تكيف مع المكانة الاجتماعية التي طورها البشر لأنفسهم”. والعادات العقلية التي تبدو من وجهة نظر المثقف غريبة أو جوفاء أو حتى غبية، قد تبدو ذكية جداً عند النظر إليها من منظور تفاعلي اجتماعي.

بالنظر إلى ما بات يُعرف بـ”الانحياز التأكيدي”؛ وهو ميل الشخص إلى تبني المعلومات التي تدعم معتقداته ورفض تلك التي تتناقض معها. ومن بين الأشكال العديدة للتفكير الخاطئ التي تم تحديدها، يعتبر الانحياز التأكيدي من أكثرها فهرسة. فهو لطالما كان موضوع تجارب دراسية كاملة، وإحدى أشهر هذه التجارب قامت بها جامعة ستانفورد أيضاً؛ حيث جمع الباحثون مجموعة من الطلاب الذين يحملون آراء متعاكسة حول عقوبة الإعدام. كان نصف الطلاب مؤيداً لها، واعتقدوا أنها تردع الجريمة، والنصف الآخر يعتقدون أنه لا تأثير لها على الجريمة.

طُلب من المشاركين الاستجابة لدراستين؛ إحداهما قدمت بيانات تدعم وجهة نظر الردع، والأخرى تشكك فيها. كلتا الدراستين كانتا مزيفتَين، وصممتا بحيث تقدمان بيانات مقنعة بالقدر نفسه. صنف الطلاب المؤيدون لعقوبة الإعدام البيانات الداعمة لنظرية الردع على أنها ذات مصداقية عالية، والبيانات التي تدحض نظرية الردع على أنها غير مقنعة، بينما كان تصنيف الطلاب المعارضين لعقوبة الإعدام معاكساً لذلك. وفي نهاية التجربة، سئل الطلاب مرة ثانية عن آرائهم، فتبين أن الداعمين أصبحوا أشد دعماً والمعارضين أصبحوا أكثر عداءً لعقوبة الإعدام.

إذا كان العقل مصمماً لتوليد أحكام صحيحة، فليس هنالك من عيب في تصميمه أخطر من الانحياز التأكيدي. يقول المؤلفان تخيلوا أن فأراً يفكر مثلنا؛ إن فأراً كهذا يميل إلى تأكيد اعتقاده بأنه ليس هنالك قطط حوله، سيكون عشاء لأحدها. إن الانحياز التأكيدي الذي يؤدي بالناس إلى تجاهل الأدلة على وجود تهديدات جديدة هو خصلة كان يجب علينا التخلص منها. وبما أنها استمرت في الوجود، يرى ميرسير وسبيربر أنها تمتلك بعض الخواص التكيفية، ويعتقدان أن هذا التكيف مرتبط “باجتماعيتنا المفرطة”.

هوغو ميرسير ودان سبيربر .. مؤلفا كتاب «لغز العقل»

يفضل ميرسير وسبيربر مصطلح “الانحياز إلى الذات”، ويشيران إلى أن البشر ليسوا مستعدين لتصديق أي شيء بشكل عشوائي؛ فعندما يلقي علينا شخص ما بحجته، نكون بارعين جداً في اكتشاف نقاط ضعفها، والتي غالباً ما نتجاهلها في حججنا.

اقرأ أيضاً: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 5: آراء أهل المدينة الفاضلة.. الفارابي

أظهرت دراسة حديثة أجراها ميرسير مع بعض زملائه الأوروبيين هذا التباين بشكل واضح ودقيق؛ حيث طلب من المشاركين الإجابة عن سلسلة من المسائل الفكرية البسيطة، ثم طلب منهم أن يشرحوا إجاباتهم، وأُتيحت لهم الفرصة لتعديلها إذا وجدوا فيها أخطاء. كانت الأغلبية راضية عن إجاباتها الأولية. وبلغت نسبة الذين غيروا إجاباتهم في المرحلة الثانية 15% فقط.

في المرحلة الثالثة، عُرض على المشاركين إحدى المسائل نفسها مع إجابتهم وإجابة مشارك آخر توصل إلى نتيجة مغايرة. وأُتيحت لهم الفرصة مرة أخرى لتغيير رأيهم؛ ولكن أيضاً كانت هنالك خدعة، فالإجابة التي قدمت لهم على أنها لمشارك آخر كانت في الواقع هي إجابتهم نفسها، والعكس بالعكس. اكتشف نحو نصف المشاركين الخدعة؛ ولكن من بين النصف الآخر أصبح الناس أكثر انتقاداً؛ ورفض نحو 60% الإجابات التي كانوا راضين عنها في وقت سابق.

يرى الباحثان أن هذا الخلل يعكس المهمة التي تطور العقل لأدائها؛ وهي حمايتنا من الانصياع إلى أفراد آخرين من مجموعتنا. كان أسلافنا الذين عاشوا في مجموعات صغيرة من الصيادين وملتقطي الثمار، مهتمين بشكل رئيسي بمكانتهم الاجتماعية وبضمان ألا يكونوا هم من يغامرون بحياتهم في الصيد، بينما يقبع آخرون في الكهوف. لم يكن التفكير الصحيح يقدم الكثير من الفوائد بالمقارنة، مع ما كان يمكن كسبه من الفوز في الحجج.

اقرأ أيضاً: الله والإنسان والطبيعة.. بين العقل العربي والعقل الغربي

ولم تكن الآثار الرادعة لعقوبة الإعدام أو صفات رجل الإطفاء المثالية من الأمور التي تشغل تفكير أسلافنا. ولم تكن عليهم المشاركة في دراسات مفبركة، أو الاستماع إلى أخبار كاذبة، أو قراءة التغريدات على “تويتر”. فلا عجب أن العقل بات يخذلنا كثيراً هذه الأيام. كما كتب ميرسير وسبيربر “هذه واحدة من الحالات الكثيرة التي تغيرت فيها البيئة المحيطة بسرعة كبيرة عجز الاصطفاء الطبيعي عن مجاراتها”.

ستيفن سلومان، الأستاذ في جامعة براون، وفيليب فيرنباخ، الأستاذ في جامعة كولورادو، هما أيضاً عالمان متخصصان في العلوم المعرفية، وهما أيضاً يعتقدان أن السلوك الاجتماعي هو العامل الأساسي في تحديد كيفية عمل العقل البشري، أو بعبارة أصح فشل العقل البشري. وقد استهلّا كتابهما «وهم المعرفة: لماذا لا نفكر وحدنا أبداً؟» بالحديث عن المراحيض.

غلاف كتاب «وهم المعرفة»- “أمازون”

عملياً، كل شخص في الولايات المتحدة، وفي الواقع في جميع أنحاء العالم المتقدم، يعرف ما هو المرحاض. مرحاض نموذجي متدفق مزود بوعاء خزفي مملوء بالماء، وعندما يدار المقبض أو يضغط على الزر، فإن الماء -مع الفضلات- يختفي في مصرف المرحاض ومنه إلى المجارير العامة. ولكن كيف يحدث ذلك بالفعل؟

في دراسة أُجريت في جامعة ييل، طلب من طلاب الدراسات العليا تقييم فهمهم للأدوات التي نستعملها في حياتنا اليومية بما فيها المراحيض، وسحابات الملابس، والأقفال الأسطوانية. ثم طلب منهم كتابة شرح تفصيلي عن كيفية عمل هذه الأدوات خطوة فخطوة، ومن ثم تقييم فهمهم لها مرة أخرى. على ما يبدو، فإن التجربة قد كشفت للطلاب عن جهلهم؛ لأن تقييماتهم الذاتية انخفضت. (وتبين أن المراحيض أكثر تعقيداً مما تبدو عليه).

يرى سلومان وفيرنباخ هذا التأثير الذي يسميانه “وهم العمق التوضيحي” في كل مكان تقريباً؛ فالناس يعتقدون أنهم يعرفون أكثر بكثير مما يعرفونه بالفعل. والذي يسمح لنا بالاستمرار في هذا الاعتقاد هو الآخرون المحيطون بنا. ففي حالة مرحاضي، فقد صممه شخص آخر كي أتمكن أنا من استخدامه ببساطة. وهذا أمر برع البشر فيه. فقد بدأنا بالاعتماد على خبرات بعضنا بعضاً منذ أن تعلمنا كيف نصطاد معاً؛ الأمر الذي ربما كان محطة رئيسية في تاريخنا التطوري. يرى سلومان وفيرنباخ أننا نتعاون إلى حد كبير إلى درجة أننا لا نستطيع أن نحدد أين ينتهي فهمنا لأمر ما وأين يبدأ فهم الآخرين له.

اقرأ أيضاً: العلماء الفائزون بـنوبلما بين العقلانية والغرائبية وتحفيز المجتمع

وكتب الباحثان، “إن أحد الآثار الضمنية لطبيعة تقسيم العمل المعرفي، هو غياب الحدود الواضحة بين معرفة الشخص وأفكاره، وبين تلك العائدة لأعضاء آخرين من مجموعته”.

ستيفن سلومان وفيليب فيرنباخ مؤلفا كتاب «وهم المعرفة»- أرشيف

غياب الحدود هذا أو الارتباك إذا أردت، هو أمر بالغ الأهمية لما نعتبره تقدماً. فبينما يبتكر الناس أدوات جديدة لطرق العيش الجديدة، فهم يقومون في الوقت نفسه بخلق مجالات جديدة من الجهل. فعلى سبيل المثال، لو أن الجميع أصروا على إتقان صنعة الحدادة قبل حمل السكين لما تطور العصر البرونزي إلى ما هو أبعد مما وصل إليه. وعندما يتعلق الأمر بالتقنيات الجديدة، فإن الفهم غير الكامل هو عامل من عوامل القوة.

إلا أن المعرفة غير الكاملة تتسبب في كثير من المشكلات في المجال السياسي، كما يرى سلومان وفيرنباخ. فاستعمالي المرحاض دون فهم آلية عمله هو شيء، وتأييدي أو معارضتي لحظر الهجرة دون أن أعرف ما الذي أتحدث عنه هو شيء آخر. استشهد سلومان وفيرنباخ بمسح أُجري عام 2014 بعد وقت قصير من ضم روسيا لمنطقة القرم الأوكرانية. سُئل المشاركون عن الطريقة التي يعتقدون أنه يجب أن ترد بها الولايات المتحدة، كما طُلب منهم تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة. وظهر أنه كلما كان تحديد الموقع أبعد عن الصواب كان أصحابه أكثر ميلاً لاقتراح التدخل العسكري. (علماً بأن معظم المشاركين فشلوا في تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة، وجاءت إجاباتهم بعيدة عن الواقع بمعدل 800 ميل، “تقريباً نفس المسافة بين كييف ومدريد”).

أسفرت الدراسات الاستقصائية حول العديد من القضايا الأخرى عن نتائج مخيفة مماثلة. كتب سلومان وفيرنباخ “كقاعدة عامة، لا تنبثق المشاعر القوية حول القضايا من فهم عميق لها” وهنا يعزز اعتمادنا على عقل الآخرين المشكلة. فعلى سبيل المثال، إذا كان موقفك من قانون الرعاية الصحية الميسرة لا أساس له، وأنا اعتمدت عليك في موقفي، فإن موقفي أيضاً سيكون لا أساس له. وعندما أتحدث إلى زيد أو عمرو من الناس ويوافق معي فإن موقفه أيضاً لا أساس له، ولكن عندما نتفق نحن الثلاثة، يصيبنا شيء من الغرور، ونتمسك أكثر بموقفنا. وإذا رفضنا واستبعدنا أية معلومات تتناقض مع موقفنا فسوف نكون مثل إدارة الرئيس ترامب.

شاهد: كيف تتسبب بيئة العمل الأكاديمي في مشكلات الصحة العقلية لطلاب الدكتوراه (فيديوغراف)

يقول سلومان وفيرنباخ: “هكذا يمكن أن يصبح مجتمع المعرفة خطيراً”. قام الباحثان بتنفيذ نسختهما الخاصة من تجربة المرحاض؛ حيث استبدلا الأدوات المنزلية بقضايا السياسة العامة. ففي الدراسة التي أجرياها عام 2012 سألا المشاركين عن موقفهم من قضايا مثل: هل يجب أن يعتمد نظام رعاية صحية يقوم على دافع واحد؟ أو هل يجب أن يتم تحديد أجور المعلمين حسب الجدارة؟ وطلب من المشاركين أن يقيموا مواقفهم بناء على مدى قوة تأييدهم أو رفضهم هذه الاقتراحات. وبعد ذلك طلب منهم أن يشرحوا بأكبر قدر من التفصيل الآثار المتوقعة من تطبيق كل من هذه الاقتراحات. وعند هذه النقطة واجه الكثير من المشاركين المتاعب. وعندما طلب منهم مجدداً تقييم مدى قوة آرائهم خفضوا من حدتها، وأصبح دعمهم أو رفضهم للاقتراحات أقل حدة.

يرى سلومان وفيرنباخ في هذه النتيجة شمعة صغيرة في عالم مظلم، فإذا أمضينا -نحن أو أصدقاؤنا أو النقاد والمحللون على شبكة CNN- وقتاً أقل في الوعظ، وعملنا من خلال توضيح تداعيات المقترحات السياسية، فسوف نكتشف مدى جهلنا ونعدل من مواقفنا. وهذا “ربما سيكون الشكل الوحيد للتفكير الذي سيحطم وهم العمق التوضيحي، وتغير مواقف الناس”.

اقرأ أيضاً: نكبات العقل المسلم.. من ابن رشد إلى نصر أبو زيد!

تتمثل إحدى طرق النظر إلى العلم باعتباره نظاماً يصحح الميول الطبيعية للناس، ففي المختبر الذي يدار بطريقة صحيحة لا يوجد مكان للانحياز إلى الذات، فالنتائج يجب أن تكون قابلة للتكرار في مختبرات أخرى يعمل فيها باحثون آخرون ليس لديهم الدافع الذاتي لتأكيدها. ويمكن القول إن هذا هو سبب نجاح النظام. ففي أية لحظة قد تهيمن الخلافات على مجال ما، ولكن في نهاية المطاف تسود المنهجية، ويتقدم العلم إلى الأمام حتى لو بقينا عالقين في أماكننا.

في كتابهما «إنكار حتى القبر: لماذا نتجاهل الحقائق التي ستنقذنا؟»، يبحث الطبيب النفسي جاك غورمان، وابنته سارة المتخصصة في الصحة العامة، في الفجوة بين ما يقوله لنا العلم وما نقوله نحن لأنفسنا. وما يثير قلقهما هو تلك المعتقدات المستمرة والتي ليست خاطئة فحسب؛ بل قد تكون قاتلة، مثل الاعتقاد بأن اللقاحات خطيرة. بالطبع الأمر الخطير هو عدم تلقي اللقاح، ولذلك تم اختراع اللقاحات في المقام الأول. ويشير الطبيبان إلى أن اللقاحات هي إحدى انتصارات الطب الحديث. ولكن بغض النظر عن عدد الدراسات العلمية التي خلصت إلى أن اللقاحات آمنة وإلى أنه لا يوجد أي رابط بين اللقاحات ومرض التوحد، فإن مناهضي اللقاحات يبقون على موقفهم. (يمكنهم الآن الاعتماد على من يقف في جانبهم من أمثال دونالد ترامب الذي قال إنه على الرغم من أنه وزوجته وافقا على إعطاء اللقاح لابنهما بارون؛ فإنهما لم يلتزما بالجدول الزمني الذي أوصى به أطباء الأطفال).

غلاف كتاب «إنكار حتى القبر»- “أمازون”

ولا يريد ثنائي غورمان الاكتفاء بتوصيف وتصنيف طرقنا الخاطئة في التفكير؛ بل يريدان تصحيحها. فلا بد أن تكون هنالك طريقة لإقناع الناس بأن اللقاحات مفيدة للأطفال، وأن الأسلحة خطيرة. (هنالك اعتقاد واسع الانتشار، مع أنه لا يمكن دعمه إحصائياً يقول إن امتلاكك السلاح يجعلك أكثر أماناً)؛ لكن الثنائي يواجه هنا المشكلات نفسها التي عدداها. فإعطاء المعلومات الدقيقة للناس لا يبدو أنه يفيد كثيراً؛ فهم يتجاهلونها بكل بساطة. وربما يكون من الأجدى مخاطبة عواطفهم؛ ولكن من الواضح أن هذا يتناقض مع هدف تعزيز العلم الصحيح. يقول الطبيبان في نهاية كتابهما: “التحدي الذي يستمر هو معرفة كيفية معالجة الميول العامة التي تؤدي إلى اعتقادات علمية خاطئة”.

“لغز العقل”، و”وهم المعرفة”، و”إنكار حتى القبر”؛ كلها كُتب كُتبت قبل انتخابات نوفمبر، ومع ذلك فقد تنبأت بظهور شخصيات؛ مثل كيليان كونواي (مستشارة الرئيس ترامب) وظهور “الحقائق البديلة”. في هذه الأيام يبدو وكأن البلاد برمتها تخضع لتجربة نفسية ضخمة لا يقودها أحد أو ربما يقودها ستيف بانون. سيكون الأشخاص العقلانيون قادرين على إيجاد حل؛ ولكن بما يتعلق بهذا الأمر، فالأدبيات لا تبشر بالخير.

♦كاتبة في صحيفة “ذا نيويوركر” منذ عام 1999، حائزة على جائزة بوليتزر عن كتابها «الانقراض السادس»، وسيصدر كتابها الجديد «تحت سماء بيضاء: طبيعة المستقبل» في فبراير.

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة