الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربيةمقالات

لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

لقد كانت التجارة والدعوة والجهاد من بين أهم الأسباب التي دفعت الحضارمة إلى ترك بلادهم.. كما كان للصراع والنزاع والفقر والاختلاف دور أيضاً في هجراتهم خلال مراحل تاريخهم الطويل

منير بن وبر

اشتهر سكان حضرموت؛ جنوب اليمن، بكثرة الهجرة والترحال على مرّ التاريخ؛ فمنذ القِدم، ولقرونٍ عديدة منذ ما قبل الميلاد، كان المغامرون الحضارمة يجلبون النفائس والتوابل من آسيا وإفريقيا إلى موانئ حضرموت، ثم يضيفون إلى بضائعهم اللبان الذي ينمو في مرتفعات ظفار، في سلطنة عمان حالياً، لينطلقوا بعدها متاجرين بها في طريقَين؛ الأولى عبر نجد ثم العراق وفارس، والثانية إلى فلسطين حيث تتجه الطرق لاحقاً إلى مصر وأوروبا.

كانت أساطيل الحضارمة تجلب السلع الثمينة من الهند وسيرلانكا والقرن الإفريقي، وقد احتوت سفنهم البخور والتوابل، والذهب والحجارة الكريمة واللؤلؤ، والحرير والقطن، والعاج وخشب الصندل والعطور وريش النعام. كان ذلك أحد مسالك طريق الحرير الشهير، وبقدر ما مرَّت القوافل والأساطيل التجارية من خلاله، مرَّت أيضاً الثقافات والعادات والأنماط الاجتماعية والجماعات البشرية.

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

موقع فريد

لقد تمتَّع الحضارمة بموقع جغرافي فريد، ومهارات ملاحية، وقدرة على قبول الآخر؛ وقد مكنهم ذلك من بناء علاقات وطيدة مع الشعوب الأخرى، وليست مجرد روابط تحكمها تجارة عابرة. وعن ذلك، يشير مؤلف كتاب «الملاحة وعلوم البحار عند العرب» إلى أن المعرفة بالملاحة وهبوب الرياح مكَّنت عربَ الجنوب، من حضارمة وعمانيين وحِميرين، من تأسيس تجارة بحرية كبيرة مع الهند واﻟـﻘـﺮن اﻹﻓـﺮﻳـﻘﻲ وﺳﺎﺣﻞ إﻓﺮﻳﻘﻴﺎ اﻟﺸﺮﻗﻲ وﺟﺰر المالاﻳﻮ وإﻧﺪوﻧﻴﺴﻴﺎ وحتى الصين، وﻛﺎﻧﺖ ﻟﻬﻢ ﺟﺎﻟﻴﺎت فيها وﺻﻼت ﻗﻮﻳﺔ ﺑﺄﻫﻞ ﺗﻠﻚ اﻟﺒﻼد.

لم يقتصر ترحال الحضارمة لأجل التجارة، أو مع دول شرق وجنوب شرق آسيا وإفريقيا فحسب؛ بل ساحوا أيضاً في أرجاء جزيرة العرب وشمال إفريقيا، وغيرها من البلدان، لأسبابٍ مختلفة. وقد استطاع الكثير منهم، أو من أحفادهم وسلالاتهم، أن يصنع لنفسه شهرة عالمية واسعة ومجداً عظيماً، كما أضاف بعضهم الكثيرَ إلى الإنسانية وإلى المجتمعات التي استقروا بها. ولعل من بين الأسماء اللامعة، على سبيل المثال لا الحصر: رأس شُعراء العرب امرؤ القيس، وأبو الفلسفة العربية يعقوب بن إسحق الكندي، ومؤسس علم الاجتماع الحديث عبدالرحمن بن خلدون. وفي التاريخ الحديث والمعاصر: الأُسر الثريَّة ورجال الأعمال والسياسة في دول الخليج العربي وجنوب شرق آسيا؛ مثل: أُسر ابن لادن، وابن محفوظ، والعمودي، وباسويدان، وشهاب.

اقرأ أيضاً: اليمن.. ستون عاماً من البحث عن الدولة

وكما ارتحل الحضارمة الأوائل للتجارة، فقد سافروا أيضاً للمشاركة في الأحداث الملحمية والمهمة في منطقتهم العربية؛ إذ شارك الحضارمة في حروب الرِدَّة في عهد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، كما شاركوا في الفتوحات الإسلامية. وتذكر كتب التاريخ أن الحضارمة قد أسهموا بأعدادٍ كبيرة في هذين الحدثَين؛ حتى إن قُرى بحالها قد هُجرت في حضرموت.

وعلى سبيل المثال، هاجر من حضرموت في بداية الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، ألف وسبعمئة رجل من مختلف القبائل، وذلك كما يذكر صاحب كتاب “قبيلة كِندة”[1]، وقد تجمَّع أولئك في المدينة المنورة، ثم تم توزيعهم على جبهتي العراق والشام. وقد استمر توافد الحضارمة، بعضهم بصحبة عائلاتهم، طوال ذلك العهد. وبطبيعة الحال، استوطنت جموعٌ كبيرة منهم البلاد التي فتحوها.

وصلت الفتوحات الإسلامية إلى رقعةٍ واسعة من الأرض كبلاد الفُرس والأندلس، لكنها لم تصل إلى دول جنوب وجنوب شرق آسيا؛ مثل ماليزيا والهند وسنغافورة وماليزيا. ومع ذلك، كما يقول السياسي الماليزي مهاتير محمد، عرف سكان ماليزيا الإسلام واختاروه طواعية من خلال التجار المسلمين الذين قَدِموا من حضرموت. وقد وصف مهاتير محمد أولئك التجار الحضارمة بأنهم كانوا “غزيري العلم، ولم تكن فيهم حماقة أو جبروت المستعمرين؛ بل كانوا بكل بساطة أخباراً ومرآة صادقة تعكس تعاليم الإسلام السمحة، فأسَرُوا بسلوكهم حكام الولايات؛ فاعتنقوا الإسلام، بل حثُّوا شعوبهم على اعتناقه”.

مسجد كامبونج لاوت أحد أقدم المساجد في ماليزيا- أرشيف

أسباب الهجرة 

لقد كانت التجارة والدعوة والجهاد من بين أهم الأسباب التي دفعت الحضارمة إلى ترك بلادهم؛ لكن إلى جانب تلك الأسباب، فقد كان للصراع والنزاع والفقر والاختلاف دور أيضاً في هجراتهم خلال مراحل تاريخهم الطويل. ففي عام 275م مثلاً، خضعت مملكة حضرموت لحكم مملكة سبأ الثانية، وقد كانت مملكة عظيمة من ممالك اليمن، إلا أن الصراع على السلطة بها أدَّى إلى انتشار الحروب وخوف الناس وإهمال الاقتصاد، والذي كانت الزراعة ركيزته الأساسية؛ مما أدى إلى تهدُّم سد مأرب الشهير.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر الاختلافات الثقافية على أمن واستقرار اليمن؟

ولزيادة الطين بلة، تزامن مع كل تلك الأحداث تحوُّل طرق التجارة، وضعف الطلب على البخور واللبان؛ فهاجرت أعداد كبيرة من أهل حضرموت واليمن عموماً؛ طلباً للأمن والرزق في أنحاء الجزيرة العربية. ومن بين أشهر العشائر المهاجرة الأشعريون واللخميون والكنديون والمذحجيون والغساسنة والأوس والخزرج وخزاعة، وغيرهم من قبائل اليمن وحضرموت. وقد استطاعت بعض الأسر تكوين دول لها في الوجهات التي هاجرت إليها؛ كالغساسنة في أطراف دمشق، ومن ملوكهم المنذر بن الحارث، ودولة اللخمين أو المناذرة في العراق، ومن ملوكها المنذر بن النعمان، ودولة كِندة في نجد، ومن ملوكها حُجر بن عمرو الكندي المشهور بآكل المرار.

لوحة فنية تصور الملكة بلقيس ملكة سبأ الشهيرة في لقائها نبي الله سليمان- للرسّام الإيطالي جيوفاني دي مين

ومثل ما دخلت حضرموت تحت نفوذ مملكة سبأ اليمنية وتأثرت بأوضاعها، فقد دخلت أيضاً تحت حكم الدول الإسلامية كالدولة الأموية، والتي في عهدها انطلقت ثورة من حضرموت ووصلت إلى صنعاء ومكة والمدينة بقيادة عبدالله بن يحيى الكِندي. ولكن سرعان ما تمكن الأمويون من قتل الكندي والقضاء على الثورة، وتسيير حملة انتقامية ضد أهل حضرموت بجيش من القُساة من سكان جبال اليمن[1]. وقد تسببت تلك الحملة الانتقامية في سفك الدماء ونهب الأموال في حضرموت؛ وهو ما اضطر الكثير من الأهالي إلى الهجرة، وكانت من بين أهم وجهاتهم مصر وبغداد والأندلس والهند وجاوا وسواحل إفريقيا الشرقية.

الاضطرابات والفتن وضيق العيش في التاريخ الحديث أيضاً قادتِ الحضارمة في موجات من الهجرة إلى دول الخليج العربي بعد اكتشاف النفط بها. وهكذا، اختلفت أسباب هجرة الحضارمة ووجهاتهم عبر التاريخ؛ لكن ما لم يتغير هو أن الحضارمة بقوا شعباً مهاجراً مترحلاً، مؤثراً في البلدان التي هاجر إليها، وفي أحيانٍ أخرى مؤثراً في وطنه الأم حضرموت.

المراجع:

[1] العبدلي ينّاجي، كتاب قبيلة كِندة، ص116.

[2] صلاح البكري، تاريخ حضرموت السياسي.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة