الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

لماذا انقلب جيل الشباب التركي على أردوغان؟

كيوبوست – ترجمات

كان خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للطلاب على الإنترنت في 26 يونيو الماضي، أحدث إشارة إلى فشل جهوده لتشكيل جيل الشباب التركي، وفقاً لصورته. حيث قام الآلاف من الطلاب الذين انضموا إلى البث المباشر على “يوتيوب” بالنقر على أيقونة عدم الإعجاب بالفيديو، كما استخدموا قسم التعليقات لانتقاد أردوغان، وأخبروه أنه لن يحصل على أصواتهم. فقد شعروا بالإحباط المبرر؛ لأن الحكومة غيرت موعد امتحان القبول بالجامعة هذا العام ذهاباً وإياباً عدة مرات خلال الأشهر القليلة الماضية، نتيجة سوء التخطيط المرتبط بالجائحة.

اقرأ أيضاً: لماذا أقدم أردوغان على إغلاق جامعة إسطنبول؟

لكن في الأيام التي تلت ذلك، تحول إحباط الطلاب إلى غضب عام ضد أردوغان. وتلقى الفيديو 422 ألفأل علامة لعدم الإعجاب، وأصبح الوسم  #OyMoyYo أو #لا_أصوات_ستذهب_لك، موضوعاً شائعاً على “تويتر” التركي. ولم يقُم مكتب أردوغان بتعطيل التعليقات على الفيديو فقط؛ ولكن بعد ذلك بوقتٍ قصير، أعلن أردوغان خططاً ولوائح جديدة للتحكم في منصات وسائل التواصل الاجتماعي أو إغلاقها بالكامل.

لقد نشأ جيل كامل من الشباب التركي الآن تحت حكم أردوغان؛ أولاً كرئيس للوزراء، ثم كرئيس. وباعتبار أن نصف سكان البلاد تحت سن 32 عاماً، فإن ما يعتقده الشباب له تداعيات سياسية كبيرة. ويبدو أنه لا أحد يعرف ذلك أفضل من أردوغان، فابتداءً من عام 2012، كان الرجل قد شرع في مشروع لتنشئة “الأجيال المتدينة”.

مجموعة من الطلاب الأتراك أثناء ذهابهم لأداء الامتحانات- وكالة الأناضول

وكانت الأداة الرئيسية لتحقيق ذلك هي نظام التعليم في البلاد؛ بما في ذلك ضخّ مليارات الدولارات في التعليم الديني. وقد زاد بشكل كبير عدد مدارس “الإمام الخطيب” الثانوية، التي تأسست في الأصل من قِبل الدولة كمؤسسات مهنية لتدريب الشباب على أن يصبحوا أئمة وخطباء، ووسّع هذا النظام ليشمل الفئات العمرية الأقل. وفي المدارس العامة العادية، زاد من عدد الساعات المخصصة للتعليم الديني، وحظر تدريس نظرة التطور من المناهج الدراسية.

غير أن المدارس الدينية ضعيفة الأداء، ولديها القليل من الجاذبية بين الشباب التركي. وكشف استطلاع حديث عن أن التدين أقل بكثير لدى جيل الشباب، وهناك عدد أقل بكثير يصفون أنفسهم بأنهم “محافظون دينياً” من المجتمع ككل. كما ترفض أعداد متزايدة من الشباب -حتى الطلاب في مدارس الإمام الخطيب- الإسلام تماماً. ووجدت ورشة عمل نظمتها وزارة التربية الوطنية عام 2018 في بلدة قونية المحافظة، أن الطلاب في مدارس “الإمام الخطيب” يتشككون في الإسلام أو يتخلون عنه بأعداد متزايدة.

شاهد: فيديوغراف.. مسؤول تركي يفضح أردوغان على الهواء

ويعتبر الكثيرون أنفسهم “ربانيين”؛ أي أنهم يؤمنون بوجود إله، لكنهم لا يلتزمون بمبادئ الإسلام. وتصور وسائل الإعلام الموالية لأردوغان الربوبية على أنها مجرد مؤامرة غربية أخرى؛ ولكن بالنسبة إلى الشباب، فإن خيبة الأمل من الدين والحكومة تسير جنباً إلى جنب. ويقول المنتقدون إنه تحت حكم أردوغان تم تجريد الإسلام من جوهره الأخلاقي واستخدامه للتستر على الفساد، وإضفاء الشرعية على حكمه الذي يهيمن عليه شخص واحد. وهذا يدفع الشباب للبحث عن مصادر أخرى للسلطة الأخلاقية.

الرئيس التركي يدلي بصوته في الانتخابات بصحبة حفيدَيه.. 2018- وكالة الأناضول

وهناك علاقة ارتباط بين رفض الشباب لسياسة أردوغان الإسلامية المحافظة وسوء نوعية التعليم؛ حيث يحل الدين محل المواد الدراسية الأساسية. حتى الآباء المحافظون قلقون من أن الجرعة الثقيلة من التعليم الديني في المدارس الثانوية تمنع أبناءهم من تعلُّم ما يكفي من الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا؛ للتنافس بنجاح في الامتحانات الجامعية.

شاهد: كيف يتخلص أردوغان من النخبة الفكرية في تركيا؟ (فيديوغراف)

كما أن الأمر له علاقة بتدخل أردوغان المتزايد في النظام الجامعي. فبعد العمل بالنظام الرئاسي عام 2018، أصبح أردوغان يتمتع الآن بالسلطة الوحيدة لتعيين رؤساء جميع الجامعات العامة والخاصة، والعديد من هؤلاء يدينون بالولاء السياسي؛ لكن مؤهلاتهم الأكاديمية ضعيفة.

وأصبحت جودة التعليم واحدة من أهم المخاوف بين الشباب الأتراك، الذين يعتقد الكثير منهم أنه يمكنهم فقط الحصول على تعليم جيد في بلد غربي. وحتى مع زيادة حصة خريجي المدارس الثانوية الذين يذهبون إلى التعليم العالي، يشك الشباب في أن شهاداتهم ستوفر لهم وظائف لائقة. (بلغت نسبة البطالة بين الشباب التركي 27% العام الماضي). ومما زاد من مخاوفهم هو انتشار المحسوبية في عهد أردوغان.

اقرأ أيضاً: سوء إدارة أردوغان للأزمة يسبب حالة من الهلع في تركيا

وتعتقد الغالبية العظمى من الأتراك الآن أن ليس مؤهلك هو ما يؤفر لك وظيفة؛ لكن الشخص (صاحب النفوذ) الذي تعرفه هو مَن سيحقق لك ذلك. وحتى أولئك الذين يدعمون أردوغان يشكون من عدم وجود توظيف قائم على الجدارة في كل من القطاعَين العام والخاص.

مؤيدو أردوغان في تظاهرة احتفال بفوزه في انتخابات 2018.. أنقرة- وكالات

ولعل أكثر ما يعزز الثورة الشبابية ضد أردوغان هو القلق بشأن زيادة الاستبداد وتقليص الحريات. ووفقاً لاستطلاع عام 2018، فإن الغالبية العظمى تقدر حرية التعبير، والشباب الأتراك أكثر تسامحاً تجاه الجماعات العرقية والدينية المختلفة، ونحو المثلية الجنسية، مقارنة بالفئة العمرية المماثلة التي تم استطلاعها قبل 10 سنوات.

كما انخفض عدد المستطلعين الذين قالوا إنه يمكن حظر الأحزاب السياسية إذا لزم الأمر بشكل ملحوظ في السنوات القليلة الماضية. كما تطمح الغالبية العظمى من الجيل الجديد، الذي نشأ في عهد أردوغان، إلى السفر للخارج؛ بحثاً عن الحرية والفرص.

اقرأ أيضاً: أردوغان يواصل قمع معارضيه مروجاً لمحاولة انقلاب جديدة

وإذا كان أردوغان قد فشل إلى حد كبير في تشكيل الجيل الجديد بما يصب في دعمه، فإن جهوده لم تهدر بالكامل. فمنذ عام 2015، قام ببناء استراتيجيته الانتخابية على أساسٍ مناهض للأكراد؛ مما يلغي جهوده السابقة للمصالحة مع أكبر أقلية عرقية ولغوية في تركيا. كما جرَّم أردوغان المعارضة الكردية، وألقى بالأعضاء المنتخبين ديمقراطياً من الحزب الديمقراطي المؤيد للأكراد في السجن، واستبدل برؤساء البلديات أشخاصاً يحظون بالثقة لديه.

في الوقت نفسه، روَّج أردوغان لقومية تركية متزايدة مناهضة للغرب، تسعى لتوسيع القوة التركية في المنطقة. ووجدت المشاعر القومية والمعادية للأكراد دعماً قوياً بين الشباب العلماني والمحافظ؛ مما جعلهم أقل تسامحاً تجاه مطالب الأكراد بالمساواة. ويحمل الشباب الكردي مواقف متشككة بالمثل تجاه العرقية التركية. ويقول الأكراد إنهم يتجنبون الحديث عن السياسة مع أصدقائهم الأتراك، وكذلك انخفض عدد حالات التزاوج في ما بينهم.

عناصر مكافحة الشغب تحاول احتجاز امرأة تتظاهر خلال احتجاج على استبدال مسؤولين حكوميين برؤساء البلديات الأكراد.. إسطنبول أغسطس 2019- “فرانس برس”

كما تحولت قومية أردوغان إلى خطاب “الحضارة”؛ خصوصاً منذ عام 2012. وغالباً ما يتم تمجيد جذور البلاد الإسلامية، وماضيها العثماني الإمبراطوري. ويبدو أن هذه الجهود قد آتت ثمارها، فكثير من الشباب يعتبرون أنفسهم الآن جزءاً من الشرق الأوسط، على عكس الأجيال السابقة في ظل حكومات أكثر علمانية ذات توجه غربي. ومع ذلك، فإن آمالهم وطموحاتهم تحكي قصة مختلفة.

فهم يريدون الحصول على تعليم علماني، والعيش في بلد حديث وحر وديمقراطي. وهم يفضلون العيش في أوروبا عن الشرق الأوسط. وقال أكثر من 70% من الشباب إنهم يفضلون العيش في سويسرا أكثر من السعودية؛ حتى لو كان ذلك يعني الحصول على راتب شهري قدره خمسة آلاف دولار بدلاً من عشرة.

اقرأ أيضاً: “حراس الأحياء”.. هل يسعى أردوغان لتكوين ميليشيا خاصة به؟

ولم يعرف شباب تركيا سوى قيادة أردوغان. فقد راقبوه يتحول من زعيمٍ مفعم بالحيوية يقوم ببناء تركيا أكثر ديمقراطية وازدهاراً وتوجهاً نحو الغرب، إلى آخر أوتوقراطي منهك يكافح من أجل الحكم. وكان تغيير تاريخ امتحان القبول بالجامعة، والذي يعتمد عليه الكثير في حياة الشباب، مجرد أحدث إشارة إلى أن أردوغان قد فشل في ذلك. كما يقولون الآن “لا أصوات لك”. ولم يفشل أردوغان فقط في تنشئة جيل من المؤيدين، بل ربما قام بتنشئة الجيل الذي سيهزمه في النهاية.

الكاتبتان:

  • آيا ألمدار أوغلو؛ المديرة المساعدة لبرنامج تركيا بمركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في جامعة ستانفورد.
  • غونول تول؛ مديرة مركز معهد الشرق الأوسط للدراسات التركية.

المصدر: فورين بوليسي

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة