الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

لماذا اقتنى الرئيس الأمريكي المؤسس مصحفاً؟

رحلة الكتاب إلى دبي ليعرض في أكسبو 2020 هي الأولى من نوعها منذ القرن الثامن عشر

كيوبوست

ليستِ المرة الأولى التي تخطف فيها نسخة توماس جيفرسون المترجمة من القرآن (مصحف جفرسون) الأضواءَ، بعد عرضها مؤخراً في الجناح الأمريكي في “إكسبو 2020 دبي”، فقد سبق أن أثار اهتمام الكثيرين خاصة بعد أن انتخبت الأمريكية من أصل فلسطيني رشيدة طليب نائبة في الكونغرس عام 2018، وأدت اليمين عليه، وسبقها في ذلك “كيث أليسون” أول مسلم يُنتخب في الكونغرس عام 2006.

ليطرح السؤال: ما هو مصحف جيفرسون؟ ولماذا يقتني أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وثالث رؤسائها، وأحد مؤلفي إعلان استقلالها؛ توماس جيفرسون، نسخة مترجمة من القرآن؟

حول “مصحف جيفرسون”

يحتوي الكتاب (مصحف جيفرسون) ترجمة لمعاني القرآن، وليس ترجمة حرفية لآياته، على يد المحامي البريطاني المستشرق “جورج سيل”، ويتألف الكتاب الصادر عام 1734م من مجلدين، وخمّن مؤرخون أن جيفرسون اقتناه بطبعته الثانية عام 1765م، عندما كان طالب حقوق بعمر الثانية والعشرين.

وتعد ترجمة سيل، أول ترجمة مباشرة للقرآن من العربية إلى الإنجليزية، وكانت من أكثر الكتب مبيعاً خلال القرن الثامن عشر، فيما سبتقها ترجمة إنجليزية عن نسخة فرنسية للقرآن صدرت عام 1649م، وبقيت ترجمة سيل الترجمة الإنجليزية الوحيدة حتى أواخر القرن التاسع عشر.

نسخة توماس جيفرسون الشخصية لترجمة القرآن- مكتبة الكونغرس

وكان مصحف جيفرسون واحداً من مجموعة كتبٍ نُقلت من مدينة مونتايسلو إلى ولاية واشنطن قبل حوالي مئتي عام، بعد أن وافق الرئيس الأمريكي جيمس ماديسون على قانون شراء الكونجرس لمكتبة توماس جيفرسون الخاصة، وبذلك اقتنت مكتبة الكونغرس أحد أندر وأهم الكتب.

اقرأ أيضًا: بعد تحطيم ثماثيله.. كرستوفر كولومبوس مُستعمِر أم مستكشف؟

وبحسب البيان الصحفي الصادر عن إكسبو 2020 دبي، فقد نُقل الكتاب إلى دبي بصندوق خشبي مجهز للنقل الآمن، وأرفق فيه جهاز استشعار للاهتزازات ومراقبة التغيرات في درجة الحرارة، ورافقه على طول الطريق موظفو حفظ المكتبات ورجال أمن، وشركة شحن دولية متخصصة في التعامل مع نقل الأدوات النادرة”، وبذلك تكون رحلة الكتاب إلى دبي هي الأولى من نوعها منذ القرن الثامن عشر.

بين الفضول والدبلوماسية

قبل الحديث عن السبب وراء اقتناء جيفرسون لنسخة قرآن مترجمة، بالضرورة الإشارة إلى غاية المترجم سيل من الترجمة، ففي مقدمة الكتاب الممتدة على 200 صفحة، شرح سيل الظروف التاريخية لنزول القرآن، وقدَّم نبذة عن العرب والمسلمين، وعاداتهم ومعتقداتهم.

اقرأ أيضًا: الولايات المتحدة والمسلمون وعالم ما بعد 11 سبتمبر

كما امتدح شخصية النبي محمد ووصفه بأنه “جميل الشخصية، ذو ذكاء لامع، وسلوك محبب، يظهر ليبرالية تجاه الفقراء، واحتراماً للجميع، وصلابة في مواجهة أعدائه، وفوق كل هذا لديه تقديس كبير لاسم الله”، كما وصفه بـ”مشرع القوانين للعرب”.

أما في ما يتعلق بدافع جيفرسون، الذي عُرف عنه اهتمامه الدائم بالإسلام، فيمكن الاعتماد على كتاب «قرآن توماس جفرسون- الإسلام والمؤسسون» للمؤرخة “دنيز سبلبرغ” من جامعة تكساس في أوستن، والتي أوضحت من خلاله أن جيفرسون استخدام القرآن لفهم الإسلام، وصياغة التسامح الديني، الذي كان يشغله فعلاً، تحديداً أنه عايش في فيرجينيا اضطهاد الأنجليكان البروتستانت للمسيحيين الآخرين.

توماس جيفرسون للرسام رامبرانت بيل- أرشيف

وهذا ينسجم مع ما كتبه جيفرسون في سيرته الذاتية؛ أنه كان مهتمًا بالحرية الدينية. وقد اقترح قانونًا لها (الحرية الدينية)، قائلا: “إن حقوقنا المدنية لا تعتمد على آرائنا الدينية”، بحسب سبلبرغ.

جاء ذلك في سياق ثبوت عدم إمكانية إقامة أمة بروتستانتية في الولايات المتحدة، بسبب وجود أقليات كانت مستصغرة هناك؛ كاليهود والكاثوليك والمسلمين، الذين رأى فيهم جيفرسون مواطنين مستقبليين يجب أن يُمنحوا حقوقا مدنية متساوية، وكانوا (المسلمون) يشكِّلُون حوالي 20% من المستعبدين في أمريكا، وغالباً ما مارسوا شعائرهم سراً؛ الأمر الذي يؤكد وجود الإسلام في أمريكا منذ تأسيسها، ولم يطرأ عليها حديثاً، كل ذلك أثار فضول جيفرسون الذي كان ينتمي لعائلة غنية من ولاية فيرجينيا، وامتلك خلال حياته 600 عبدٍ!

اقرأ أيضًا: حول موقفها من العبودية.. “المسيحية” لم تهاجمها إنما فككتها من الداخل

وفي كتابها، فنَّدت سبلبرغ الرواية التقليدية القائلة: “إن هدف جيفرسون من اقتناء القرآن المترجم، كان معرفة عدوه أكثر”، والتي تستند إلى حروب القراصنة التونسيين والجزائريين الذين كانوا يخوضون نزاعاً في المياه المشتركة في المحيط الأطلسي ضد الأمريكيين؛ إذ أكدت سبلبرغ أن جفرسون اشترى مصحفه قبل بدء تلك الحروب.

إضافة إلى ذلك كله، تفيد فرضية أخرى أن جيفرسون كان معنياً بتطوير مهاراته الدبلوماسية، ودرايته بعلاقاتها، خاصة مع المسلمين، لا سيما أن أول دولة اعترفت بجمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، كانت المغرب عام 1777م، وكان قد استقبل سفراء من دولٍ إسلامية كتونس على خلفية حروب القراصنة، كما بعث برسالة لحكام طرابلس وتونس، ختمها قائلا: “دعائي أن يحفظكم الله أيها الأصدقاء العظام، والطيبون في رعايته المقدسة”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة