الواجهة الرئيسيةترجماتمقالات

لماذا أصبح الملك عبدالله ملكاً؟

لكن الملك حسين أخبرني أن ندمه الشديد وأعظم ألم كان يعانيه هو تجريد ابنه عبدالله من حقه ولياً للعهد.. وكان من الواضح أن الملك حسين هو الذي يشعر بالألم نتيجة هذا الموقف وليس الطفل الصغير.. حيث أخبرني بكلمات واضحة وضوح الشمس أنه خطط في نهاية المطاف لتغيير ترتيب الخلافة الملكية وإعادة ابنه الأكبر إلى دور ملك المستقبل

روبرت ساتلوف♦

كيوبوست – ترجمات

في غمار معركة الدول ضد تفشي وباء كورونا، يستمتع القادة في جميع أنحاء العالم بلحظة “الالتفاف حول العلم”. وملك الأردن، عبدالله الحسين، ليس استثناءً؛ فبعد 21 عاماً من جلوسه على العرش، أصبح في ذروة شعبيته، مدعوماً بشعور وطني على إثر مشاركة المؤسسة الوطنية التي يرتبط بها بشكل وثيق (الجيش العربي الأردني) في جهود فرض إجراءات الإغلاق على المملكة، ومنع الوباء من إلحاق أضرار كارثية بها. وكما كتب لي أحد الصحفيين، وهو عادةً ناقد حاد للملك: “أنا أثني على الملك بإخلاص، وما زلت أضغط على نفسي لقبول ذلك؛ لكنه رائع حقاً”.

شاهد: فيديوغراف.. انتشار الجيش الأردني في شوارع عمَّان

وكانت إحدى علامات شعبية الملك عبدالله صورة يتم تداولها على “فيسبوك” و”تويتر” تظهره وسط حشد من الجنود الأردنيين الذين يهتفون، وهي صورة تستحضر صوراً مماثلة لوالده، الملك حسين، محاطاً بقوات مُحبة في اللحظات السابقة من الانتصار. والرسالة التي لا لبس فيها هي أن عبدالله هو ابن أبيه، الذي يتصرف اليوم انطلاقاً من الدافع نفسه والتصميم والقيادة التي ميزت إدارة الملك حسين للبلاد في الظروف الضاغطة.

وبالنسبة إلى الملكية التي يجب أن تختبر باستمرار مدى رضا الرأي العام المضطرب في كثير من الأحيان، فإن الاتصال البصري (وبالتالي النفسي) بين حسين وعبدالله هو إضافة أساسية. وفي نهاية المطاف، ستمر هذه اللحظة، وكما هي الحال ستختفي الذكريات ويزداد النقاد حدة. وفي النسخة الأردنية، سينسى الكثيرون كيف تعامل الملك عبدالله مع الوباء بالطريقة التي نسوا بها كيف تعامل مع أزمات أخرى، من تداعيات هجمات 11 سبتمبر، إلى غزو أمريكا للعراق، ومن الإرهاب في عمَّان، وما تلاه من صعود “داعش” إلى التدفق الجماعي للاجئين السوريين، ومن الاضطرابات المحلية للربيع العربي إلى إدارة ترامب و”صفقة القرن”.

اقرأ أيضاً: المملكة الأردنية.. العائق الهش أمام خطة ترامب للسلام

وبدلاً من ذلك، سيركزون على أخطائه، التي كان له منها نصيب بالتأكيد. وسيؤدي هذا المسار حتماً إلى وصول البعض منهم إلى طريق النقد الأصلي ضده، والتهمة التي التصقت به وهي أن حكم عبدالله الذي دام عقدين جاء بصدفة من الزمن، صدفة كانت عرضاً جانبياً لعلاج السرطان المُنهك الذي قضى على والده بدنياً وعقلياً. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على تربعه على العرش؛ فإن بعض الهامسين في عمَّان سيظلون يقولون إن عهد عبدالله لم يكن شرعياً عندما بدأ، ولا يزال كذلك حتى اليوم.

الملك عبدالله خلال تفقده إجراءات الوقاية من فيروس كورونا في إحدى مناطق العمل بالمملكة- 2020

وربما ليس من شأني الخوض في معارك الملك عبدالله السياسية؛ لكن في هذه المسألة لديَّ معرفة خاصة، وهي أن الهامسين عندما يعودون سيكونون مخطئين، وفي ما يلي تجدون أسباب ذلك:

لقد سافرت إلى الأردن لأول مرة عام 1985؛ من أجل الدراسة ضمن برنامج اللغة العربية في جامعة اليرموك في مدينة إربد شمال البلاد. وخلال ذلك الصيف، كان لي لقاءان ملكيان: أولهما مصافحة الملكة نور، الزوجة الرابعة للملك حسين، خلال حفل استقبال وتحية للطلاب الأمريكيين في القصر الملكي بعمان، ثم ترحيب سريع بالأمير عبدالله، آنذاك، الابن الأكبر للملك حسين، وكابتن المنتخب الأردني لسباق السيارات.

شاهد: فيديوغراف.. توصيل الخبز إلى المنازل في الأردن بسبب “كورونا”

ولم أقابل الملك حسين نفسه إلا بعد 4 سنوات؛ أي في عام 1989، عندما عدتُ إلى عمان لأجري بحثاً في أطروحة دكتوراه في جامعة أكسفورد؛ حيث كان موضوعي هو السياسة المحلية الأردنية في الخمسينيات. وعلى وجه التحديد، كنت مفتونًا بكيفية نجاة هذا البلد الصغير، شبه الساحلي، الذي يفتقر إلى الموارد، والغني باللاجئين في مركز إحدى مناطق الصراع الكبرى في العالم، خلال السنوات العاصفة بعد اغتيال مؤسسها، جد حسين، الملك عبدالله الأول.

الملك حسين والأمير عبدالله خلال استعراض عسكري- أرشيفية

ولإتمام بحثي، أجريت مقابلات مع عشرات من الوزراء ورجال الحاشية والجنرالات المسنين، واستخدمت الحيل التي أتمتع بها للدخول إلى مجموعة الكتب والمنشورات والمذكرات المحظورة التي ملأت “الغرفة الممنوعة” في الجامعة الأردنية، وكنت أول باحث غربي يقوم بالتنقيب عن الموارد الرائعة للأرشيف الوطني الأردني. وقد كنت محظوظاً أيضاً؛ لأنني قابلت كثيراً من كبار مستشاري القصر الملكي، كما كنت ضمن الجماهير في لقاءات مع الملك حسين نفسه.

شاهد: فيديوغراف.. ذبول الورد في زمن “كورونا” بالأردن

وفي وقتٍ مبكر، أدركت أن أفضل طريقة للتأكد من أن تكون اللقاءات مع الملك حسين ذات مغزى، هو أن لا يتم تضييع الوقت في السياسة المعاصرة. ولم أغتنم هذه الفرص قط للسؤال عن أحدث تطور أو تحول في دبلوماسيته الهادئة مع إسرائيل، أو الخطوة الأخيرة في السباق الذي استمر لعقود مع ياسر عرفات، أو أحدث تطور في علاقاته الصاعدة والهابطة مع واشنطن؛ حيث كانت تلك هي الأسئلة نفسها التي يطرحها الصحفيون الذين يأتون إلى عمان لمقابلة الملك حسين، ومن غير المحتمل أن يخبرني بأي شيء لم يخبرهم به بالفعل.

الملك حسين والأميرة منى يحملان طفليهما عبدالله وفيصل- 1964

لقد ركزت في مقابلاتنا دائماً على التاريخ؛ مثل ذكرياته مع الشخصيات والأزمات في شبابه، وسألته عن لحظات محورية في مسيرته؛ مثل قراره بطرد قائد الفيلق العربي الأسطوري غلوب باشا عام 1956، ثم نجاحه في قمع مؤامرة انقلاب دبرها متطرفون أردنيون داخل الجيش بعد بضعة أشهر فقط. كما سألت عن علاقاته المتطورة مع القوى الغربية، ثم اعتماده على أمريكا التي، في رأيه، استهزأت بسذاجة الرجل الذي اعتبره أخطر أعدائه، وهو الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون يضعون أعينهم على الأردن

غير أن الأهم من ذلك كله، كان سؤالي للملك حسين عن عائلته. ولم يكن هذا سهلاً دائماً؛ حيث كان حسين رجلاً متحفظاً بحكم خلفيته العسكرية، ولم يكن ممن يتاجرون بالثرثرة العائلية أو يسعون إلى تسوية الحسابات عبر مآخذ تاريخية. وفي منزله بالريفر هاوس، في يونيو 1996، أجريت معه آخر محادثة وجهاً لوجه؛ تلك التي كانت أكثر المحادثات حميمية على الإطلاق.

اقرأ أيضاً: شائعات الأردن: هجوم على الأسرة الحاكمة.. لصالح من؟

تصادف وصولي إلى المنزل مع رحيل جوديث كيبر، المنتجة التليفزيونية السابقة، وإحدى الشخصيات البارزة على مسرح واشنطن في الشرق الأوسط. وعندما دخلت، بدا المنزل خالياً تقريباً -بدا أنه لم يكن هناك أحدٌ باستثناء مساعد أو اثنين والملك- جلسنا في غرفة معيشة مريحة، مليئة بكراسٍ وأرائك فاخرة ذات لون فاتح، ومزينة بصور عائلية كبيرة ذات إطار معدني. وعلى الفور، التقط الملك علبة سجائر وأشعل سيجارة، كانت مفتاح الحوار بيننا.

مراسم تنصيب الملك عبدالله بن الحسين على العرش- فبراير 1999

قُلت: “أرى أنك ما زلت تدخن يا صاحب الجلالة”، مشككاً ضمنياً في حكم رجل خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في المسالك البولية وإزالة الكلى قبل 4 سنوات. فقال: “نعم يا سيدي”، حيث كان دائماً ما يدعو الناس بـ”سيدي”؛ وهو تأثير من أيام دراسته الداخلية، وأضاف: “لكن كما ترون، إنها مارلبورو لايت”. وأثار هذا التجاذب للحديث الذي لم يكن لدينا مثله من قبل، نقاشاً حول المصير والمخاطر والاختيارات، ليتحول النقاش ويصبح تأملياً أكثر من أي وقت مضى.

اقرأ أيضاً: أزمة الاقتصاد الأردني: هل باتت الطريق مسدودة أمام حل جذري؟

وسألت الملك حسين، الذي كان في الستين من عمره في ذلك الوقت، عما يعتبره مصدر ندمه الأكبر. وكنت أتوقع منه أن يقول شيئًا عن خسارة القدس، التي حكمتها الأردن من عام 1949 إلى عام 1967؛ ولكن إسرائيل احتلتها في حرب يونيو، ولم تتنازل قط عنها للأردنيين؛ لكنه فكر للحظة ثم قال شيئاً غير متوقع تماماً.

قال: “ندمي الشديد هو عن الأذى الرهيب الذي سببته لابني عبدالله”.

وسألته: “أذى رهيب؟”.. ثم أدركت بسرعة ما كان يقوله. وسألت: “هل تقصد انتزاع ولاية العهد منه؟”.

قال: “نعم”. “أعرف كم كان هذا مؤلماً، وأتعهد أنه قبل أن أموت سأصلح هذا، سأصحح ما فعلته”.

فعبدالله، المولود في يناير 1962، كان ولي عهد الأردن حتى بلغ من العمر ثلاث سنوات، عندما أقنع المستشارون الملك بأنه من الخطر للغاية أن يكون هناك طفل صغير وريث للعرش؛ حيث كان هناك العديد من التهديدات لحياة الملك. كما لم يكن هذا الأمر جيداً بالنسبة إلى تقاليد القصر؛ حيث إن والدة الطفل -زوجة حسين الثانية، منى، هي ابنة ضابط بريطاني، ولم يكن ذلك أمراً جيداً في لحظة يسود فيها مناخ القومية العربية الشديدة عبر الشرق الأوسط. وبعد مراجعة مجلس مستشاريه، قام الملك حسين بتعديل القانون الأردني عام 1965؛ ليعين أخاه الأصغر، الحسن، البالغ من العمر 18 عاماً، آنذاك، ولياً للعهد.

الملك عبدالله خلال حضوره مباراة كرة قدم بين منتخب الأردن وأوروجواي- استاد عمان

وفي وقت لقائي، في ريفر هاوس، الملكَ حسين، عمل الحسن باقتدارٍ وولاء كولي للعهد لمدة 30 عامًا، وكان يلعب مؤخراً دوراً رئيساً في قرار الأردن بإحلال سلام رسمي مع إسرائيل. لكن الملك أخبرني أن أعظم ألم كان يعانيه هو تجريد ابنه من حقه -وكان من الواضح أن الملك حسين هو الذي يشعر بالألم نتيجة هذا الموقف، وليس الطفل الصغير- حيث أخبرني بكلماتٍ واضحة وضوح الشمس أنه خطط في نهاية المطاف لتغيير ترتيب الخلافة الملكية، وإعادة ابنه الأكبر إلى دور ملك المستقبل.

لقد كنت أستمع إلى الملك مندهشاً بهذه التفاصيل الحميمة حول من سيكون بمثابة ملك الأردن التالي. ومع ذلك، تابعت الحديث دون أن أوضح مدى حماسي لإفصاح الملك حسين عن أفكاره العميقة، وربما أهم قضية في حياته -وهي من سيخلفه- وعلى غير المعتاد، لم يكن الأمر يتطلب مني الكثير لأجعله يستمر في الحديث؛ فبعد تصريحه الذي وعد فيه بإعادة عبدالله إلى ولاية العهد، أوضح مدى أهمية رعاية ابنَي أخيه طلال وغازي، ابنَي شقيقه الأوسط محمد، الذي عمل هو نفسه كولي للعهد خلال العقد السابق لولادة عبدالله.

ثم بعد ملاحظةٍ وجيزة أكدت أهمية الحفاظ على وحدة الأسرة للجيل القادم، انتهت المحادثة بسرعة. وعندما نهضت من الأريكة، وبدأت في المغادرة، نظر الملك حسين إليَّ مباشرةً، وقال: “سيدي، ما قلته لك للتو، سأكون ممتناً إذا احتفظت به لنفسك”. ووعدته بذلك.

الملك عبدالله والملكة رانيا في حفل تخرج ولدهما ولي العهد- مايو 2019

ولم يكن من السهل دائماً الوفاء بهذا الوعد. فعندما غيَّر الملك حسين، في النهاية، خط الخلافة الملكية قبل أسبوعين فقط من وفاته، كان هناك في عمَّان من زعموا أن قراره ليس راسخاً، وأنه يتأثر بالجرعة الثقيلة من الأدوية التي كان يتناولها لعلاج آلام سرطانه المتقدم. بينما رجح البعض أن الملك تصرف بغضب من الجرائم المزعومة لشقيقه الحسن وأفراد عائلة الحسن. وكانت النتيجة تشير إلى أن إعادة تعيين عبدالله ولياً للعهد، وفي النهاية، صعوده إلى العرش لم يكن قرارًا مفاجئاً فحسب؛ بل غير شرعي إلى حد ما، وملوث بسحابة المرض ومؤامرات حاشية القصر الذين يستغلون تهاوي قدرة حسين.

اقرأ أيضاً: محطات توتر متعاقبة بين الأردن وإسرائيل.. ما مستقبل العلاقة؟

ومن محادثتي مع الملك حسين قبل وفاته بثلاث سنوات، كنت أعرف أن هذه الشائعات خاطئة؛ كانت خاطئة عندما توفي الحسين عام 1999، وظلت خاطئة بعد عقدين من الزمن. وعندما احتفل الملك عبدالله بمرور 20 عاماً على توليه العرش قبل عام، شعرت أنه حان الوقت لأوضح أن تحول الملك حسين في الخلافة قبل أسبوعين من وفاته لم يكن مفاجئاً، ولا من سكرات الموت، وقررت أن أشرح فهمي لنيته، بناء على كلماته الخاصة لي.

وبناء على طلب الملك الراحل، كنت قد احتفظت بالمحادثة لنفسي لما يقرب من ربع القرن؛ لكنني استنتجت أنني أوفيت بوعدي للملك حسين، ويمكنني الآن، بضمير مرتاح، أن أروي هذه القصة. وأول من يعرف يجب أن يكون عبدالله نفسه؛ لذلك بحثت عن فرصة لأخبر الملك بما قاله لي والده.

اقرأ أيضاً: من المبايعة لاتفاق الدفاع.. هكذا بقي الأردن وصيًّا على الأقصى لـ9 عقود

وجاءت فرصتي في نوفمبر الماضي؛ إذ كنت محظوظاً لحصولي على ما يقرب من 30 دقيقة في غرفة جلوس صغيرة في الفندق معه وزوجته الملكة رانيا، وابنهما الأكبر ولي العهد الحسين. ومع عدم وجود حراس أو مصورين، كنا نحن الأربعة فقط، أوضحت أن الملك حسين كان يخطط لفترة طويلة لتغيير ترتيب الخلافة، وأن استعادة ابنه الأكبر كانت طريقة لإصلاح الأذى المؤلم الذي يعتقد أنه قد لحق بعبدالله لعقودٍ في وقت سابق، وأن القرار لا علاقة له باستياء حسين المزعوم من الحسن أو عائلته.

♦ الكاتب: روبرت ساتلوف، كاتب أمريكي، والمدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

المصدر: ذا أمريكان إنتريست

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات