ترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

لماذا أخفق الخطاب السياسي المبني على الأمل؟

السياسة بحاجة إلى أمل، ولا تلهم الأمل للناس!

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة أيون الثقافية، بقلم أستاذ العلوم الفلسفية في جامعة جرونينجن الهولندية، تيتوتس تساهل.

حظيت كلمة “أمل” بشعبية عارمة في السياسة الغربية ما بين عام ما بين عام 2000 وعام 2010. فقد جرى استخدامها بكثافة في حملة باراك أوباما الرئاسية، واعتمد الحزب اليساري اليوناني سيريزا على شعار “نداء الأمل”، كما أن العديد من الأحزاب الأوروبية تبنّت صرخات ونداءات مماثلة. ومنذ ذلك الحين، لم نعد نسمع بكلمة “أمل” في الطيف السياسي الغربي.

اقرأ أيضًا: كيف تصعد النخب السياسية على سلم عواطف الناس؟

وحتى في ذروتها، لم تحظ “لغة الأمل” بشعبية كبيرة على المستوى العالم، فالعديد من الخبراء يرون بأن الأمل في اللغة السياسية غير واقعي، بل وهمي كذلك. ولو طرقنا باب الفلسفة من أفلاطون إلى رينيه ديكارت، سنجد أن العديد من الفلاسفة اعتبروا الأمل شيئًا ضعيفًا لا يرتقي إلى مستوى التنبؤ، ولا يمنح الثقة كذلك؛ لأنه يعتمد على الاعتقاد باحتمالية حدوث الشيء فحسب، وليس مبنيًا على دليل يشير إلى ترجيح حدوث الشيء.

بالنسبة لهؤلاء الفلاسفة، الأمل ليس سوى طريقة رديئة، من الدرجة الثانية، للارتباط بالواقع، ولا يكون مناسبًا إلا عندما يفتقر المرء إلى المعرفة المطلوبة لتكوين توقعات “مناسبة”. يقول عالم التنوير الهولندي باروخ سبينوزا إن الأمل يشير إلى “نقص في المعرفة، وضعف في العقل”. ويشير الفيلسوف كذلك إلى وجود علاقة متناقضة بين العقل والأمل، “فكلما سعينا للعيش بتوجيه العقل، كلما حاولنا الاستقلال عن الأمل”. ووفقًا لهذا الرأي، فإن الأمل غير ملائم على وجه الخصوص كدليل إرشادي للعمل السياسي. وبناء عليه، يجب على المواطنين أن يبنوا قراراتهم على التوقعات العقلانية حول ما يمكن أن تحققه الحكومات، وعدم ترك أنفسهم رهينة لمجرد وعود بالأمل.

يجب أخذ هذا التشكيك على محمل الجد، فقد يرشدنا إلى فهم أفضل حول صعود وسقوط خطاب الأمل في الطيف السياسي الغربي، فهل هنالك مساحة للأمل في السياسة؟ علينا أن نكون دقيقين بشأن نوع الأمل الذي نتحدث عنه؛ فالسياسة التي تؤثر على حياة الناس ترتبط بالأمل بطريقة أو بأخرى. ولكن، عندما تَعِد الأحزاب السياسية الناس بتحقيق “الأمل”، فمن الواضح أنها لا تتحدث عن الأمل بمفهومه الطبيعي العام، بل تتحدث عن شكلٍ سياسيّ من أشكال الأمل، ذات الطبيعة المميزة الجذابة، التي تروق للناخبين.

اقرأ أيضًا: دراسة جديدة: هل نميل للزحف نحو اليمين كلما تقدمنا بالسن؟

أليس من الأفضل أن تقوم الحركات السياسية بتعزيز التوقعات المبررة المبنية على الأدلة العلمية، بدلًا من مجرد إيصال الأمل؟ وهل يعتبر خطاب الأمل اعترافًا ضمنيًا بأن الحركات السياسية تفتقر إلى إستراتيجيات إلهام الثقة؟

في الحقيقة، يمتاز المجال السياسي بسمات خاصة فريدة من نوعها، تفرض قيودًا على ما يمكن توقعه بعقلانية. وقد تحدث الفيلسوف الأخلاقي الأمريكي جون رولس عند أحد هذه القيود، وقال إن “الناس في المجتمعات الحديثة يختلفون بشدة حول القيم الأخلاقية، وبالتالي لا يمكن حل الخلافات الجمعية بحجج معقولة، وهذا يعني أن التعددية تجعل من غير المعقول الوصول إلى توافق نهائي حول المسائل المختلف عليها”.

بكلمات أخرى، لا يمكن للحكومات تحقيق الغايات التي لا يمكن تبريرها لجميع المواطنين، بل إن أقصى ما نتوقعه في السياسة هو السعي وراء مبادئ العدالة، التي يتفق عليها العقلانيون، مثل حقوق الإنسان الأساسية، وعدم التمييز، وصنع القرار الديمقراطي. وعلى ضوء هذه الحقيقة، لا يمكن للحكومات أو الحركات السياسية أن تعد بـ”أمل” حقيقي مبني على أدلة علمية فيما يخص مسائل الخلافات الجمعية، وهذا هو السبب الذي جعل الأمل يختفي من الخطاب السياسي الغربي.

ولذلك، من المنطقي أن نعمل على تجنيد مفهوم الأمل لأغراض العدالة فحسب، التي تحظى بتوافق مجتمعي، خلافًا لغيرها من القيم، لا سيما بعد التطورات الأخيرة التي كشفت عن مدى الانقسامات في الديمقراطيات الغربية.

اقرأ أيضًا: كيف تآكلت الدبلوماسية الأمريكية؟

 

المصدر: مجلة أيون الثقافية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة