الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

لقاح كوفيد يكشف عن ثغرة في عدالة التوزيع العالمي

لا توجد مساواة بين الدول في مَن يحصل على اللقاح أولاً.. وأفضل فرصة للناس للحصول على اللقاح هو الانضمام إلى التجارب السريرية..

كيوبوست- ترجمات

مات أبوزو وسيلام غيبريكيدان

بعد أشهر قليلة من الآن، من المتوقع أن يبدأ أحد مصانع الأدوية في جنوب إفريقيا بإنتاج مليون جرعة من لقاح “كوفيد-19” يومياً في البلد الإفريقي الأكثر تضرراً بالجائحة.

ولكن من المرجح أن يتم شحن هذه العبوات إلى مركز توزيع في وسط أوروبا، ثم إرسالها بسرعة إلى الدول الغربية التي طلبت مئات الملايين من الجرعات من هذا اللقاح في وقتٍ سابق. لم يتم تخصيص أي من هذه الكميات لجنوب إفريقيا.

البلد الذي سيساعد في إنتاج اللقاح، والذي انخرط مواطنوه في التجارب السريرية على اللقاح، لن يحصل على الدفعة الأولى من اللقاح قبل منتصف العام المقبل (كُتب هذا التقرير في أواخر عام 2020- المترجم). وفي ذلك الوقت ستكون كل من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة قد أعطت اللقاح لأكثر من 100 مليون شخص فيها.

أثبت العام الأول للجائحة أن ثروات الدول لن تقيها من انتشار الفيروس. الثقة الزائدة بالنفس والتخطيط السيئ وتجاهل التحذيرات أدَّت إلى فشل كبير في بعض من أغنى دول العالم؛ ولكن الآن أصبح المال يترجم إلى مزايا واضحة.

اقرأ أيضاً: لقاح أكسفورد يبصر النور.. وبريطانيا تبدأ اليوم حملة التلقيح الوطني

على مدى الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الدول الغنية؛ مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، صفقات مع العديد من مصنعي الأدوية، وضمنت الحصول على ما يكفي من جرعات اللقاح لجميع مواطنيها عدة مرات. وقامت كل من الصين وروسيا بإجراء تجاربهما الخاصة، وبدأتا برامج تطعيم كبرى.

متطوعة في التجارب السريرية تتلقى اللقاح في جوهانسبرغ- “نيويورك تايمز”

ولكنّ دولاً مثل جنوب إفريقيا تمر بمأزق؛ فهي لا تأمل في الحصول على مساعدات. فمع أن حكومتها متعثرة مالياً ونصف سكانها يعانون الفقر، فإنها تعتبر دولة أغنى من أن تكون مؤهلة للحصول على لقاحات بتكاليف مخفضة من منظمات الإغاثة الدولية. يقول سليم عبدالكريم، عالم الأوبئة الذي يقود المجلس الاستشاري لمواجهة كورونا في جنوب إفريقيا: “عندما لا تكون غنياً بما فيه الكفاية، ولا فقيراً بما فيه الكفاية، فإنك ستكون عالقاً في مأزق”.

الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل عادة ما تكون عاجزة عن المنافسة في الأسواق المفتوحة، وتعتمد على برنامج معقد لتوزيع اللقاح يُعرف باسم “كوفاكس”. وهذا البرنامج تم تصميمه بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية؛ بهدف تجنب عدم المساواة في الأسواق الحرة، ولكن صفقاته تـأتي بشروط كثيرة يشكك في شفافيتها ومسؤوليتها الكثير من المهتمين بأمور الصحة العامة.

يأمل المسؤولون بجنوب إفريقيا في الحصول على الجرعات الأولى من اللقاح في منتصف العام المقبل، حسب الجدول الزمني لـ”كوفاكس”، على الرغم من أنهم يتفاوضون على شراء إمدادات مكملة من مصنعي الأدوية؛ ولكن في بلد تكون مناطقه الغنية معزولة عن القرى الفقيرة المتناثرة، يتوقع كثيرون أن تبقى الدفعات الأولى من اللقاح محصورة في مَن يستطيع دفع ثمنها من جيبه أو من خلال التأمين التكميلي؛ وهو برنامج تأمين صحي معظم المستفيدين منه هم من البيض.

يقول فرانسوا فينتر، الباحث في جامعة ويتواترساند في جوهانسبرغ: “سيكون المرء قادراً على التوجه إلى صيدلية قريبة ودفع مئتي راند (نحو 15 دولاراً أمريكياً) والحصول على اللقاح فوراً”.

اقرأ أيضاً: المسنون أم العاملون الأساسيون.. مَن يجب أن يحصل على لقاح فيروس كورونا أولاً؟

ربما سنحصل على اللقاح عام 2025

وتبقى الفرصة الأفضل بالنسبة إلى مواطني جنوب إفريقيا للحصول على اللقاح في وقتٍ قريب هي التطوع في تجارب سريرية لتجريب لقاحات غير مثبتة على أجسادهم؛ ولكن هذه المسألة أثارت تساؤلات أخلاقية.

أول هذه التساؤلات هو أن بلداً مثل جنوب إفريقيا، يسهم في التجارب من خلال أربعة مصانع أدوية، يجب أن يضمن حصوله على جرعات من اللقاح في حال نجاح التجارب. الحكومة لم تتلقَّ أية ضمانات بهذا الشأن. وعلى كل حال، فإن ترتيبات كهذه ستكون ضبابية من الناحية الأخلاقية؛ حيث ستعاقب الدول التي شاركت في تجارب لم يحالفها النجاح.

وبينما تستعد بريطانيا للبدء في حملة توزيع اللقاح هذا الشهر، خرج العشرات من الناس من أكواخهم في بلدة ماسيفوميليلي جنوبي كيب تاون، وتوجهوا إلى بوابات مؤسسة ديزموند توتو الصحية؛ حيث انتظروا ساعات تحت ظل أشجار الصمغ في انتظار فرصة الانضمام إلى التجارب السريرية للقاح جونسون آند جونسون.

الأمل الوحيد لسكان الأكواخ المعدنية في جنوب إفريقيا للحصول على اللقاح هو المشاركة في التجارب السريرية- “نيويورك تايمز”

قال متشابا مزوامادودا، الذي يعيش في كوخ معدني من غرفة واحدة مع زوجته وأطفاله الثلاثة: “سيحصل الأغنياء وأصحاب النفوذ على اللقاح؛ ربما سنحصل نحن عليه عام 2025، ولذلك سجلنا مشاركتنا في التجارب. هذه فرصتي الوحيدة للحصول على اللقاح”. وقال برودينس مونزاميديانتي، وهو خادم منزلي من البلدة نفسها: “سنكون في عداد الأموات في ذلك الوقت”.

الباحثة في مرض الإيدز الدكتورة كاثرين جيل، التي تقود التجربة السريرية، تدافع عن مثل هذه التجارب، وتقول: “ما لم نبدأ بإجراء الدراسات فلن نتمكن من الحصول على أي لقاح في المدى المنظور، وبالطبع هذا أمر محزن”.

في التسعينيات وعندما كان يجري تطوير مضادات الفيروسات التراجعية لمعالجة مرض نقص المناعة المكتسب، تطوع مواطنو جنوب إفريقيا في التجارب السريرية؛ لأنهم أدركوا أنهم لن يكونوا قادرين على تحمل نفقات العلاج بأية طريقة أخرى. يقول الدكتور فينتر: “إذا كان لديك المال، يمكنك شراؤه، وإلا فإنك ستواجه الموت، واليوم الأمر نفسه يتكرر مجدداً”.

تم وضع برنامج “كوفاكس” لتجنب هذا السيناريو، وجاء بتمويل ودعم من منظمة الصحة العالمية ومن ائتلاف ابتكارات الاستعداد للأوبئة، ومنظمة تحالف اللقاحات. ويمكن للدول غير القادرة على المنافسة في الأسواق الحرة أن تشتري اللقاح من خلال برنامج “كوفاكس” الذي سيكون مجانياً للدول الفقيرة.

اقرأ أيضاً: بوادر إيجابية حول تجارب لقاحات فيروس كورونا

صفقات سرية

يقول مستشارو الصحة العامة في جنوب إفريقيا إن نظام “كوفاكس” حيوي؛ ولكن محبط للغاية، فالحكومات يجب عليها أن تدفع مسبقاً دون أن تعرف ما اللقاح الذي ستحصل عليه، ومن دون الحصول على أية ضمانات حول موعد وصول هذا اللقاح. كما أن “كوفاكس” يعطي تقديراً أولياً لسعر الجرعة الواحدة؛ ولكنه يفتقر إلى الحلول في حال كان السعر النهائي أعلى بكثير، أي أن الحكومات يجب أن تتحمل كل المخاطر في حال فشل اللقاح أو في حال وقوع خطأ ما؛ إلا أن مسؤولين عن نظام “كوفاكس” وصفوه في حوار مع مراسلين صحفيين بأنه “الحل الدولي الوحيد لمواجهة الجائحة العالمية”.

يقول سيث باركلي؛ المدير التنفيذي لمنظمة تحالف اللقاحات: “لا نزال نحتاج إلى المزيد من الجرعات. ونعم، لا نزال نحتاج إلى المزيد من الأموال؛ ولكننا نمتلك خارطة طريق واضحة للحصول على مليارَي جرعة أولية، ومن ثمَّ المتابعة”.

الرئيس التنفيذي لمنظمة تحالف اللقاحات: ما زلنا بحاجة إلى المزيد من الأموال- “نيويورك تايمز”

ومع ذلك، رفض السيد باركلي ومسؤولون آخرون، الإعلان عن مضمون ترتيباتهم مع شركات الأدوية، واصفين إياها بأسرار الشركات. وكذلك لم ينشروا تفاصيل الصفقات التي عقدوها مع دول بعينها. تقول محامية حقوق الإنسان فاطمة حسن: “هم يتفقون على شراء شيء ما بالمال العام، ولن يكون لنا أي تأثير على الأسعار.. (كوفاكس) يقول إن السعر عادل؛ ولكننا لسنا متأكدين.. أين الشفافية؟”.

اقرأ أيضاً: كي نوقف الجائحة.. مقاربة أفضل لمنظمة الصحة العالمية

ربما تكون مثل هذه الصفقات مقبولة بالنسبة إلى الدول التي تحصل على اللقاح بشكل شبه مجاني؛ ولكن جنوب إفريقيا ستدفع نحو 140 مليون دولار مقابل حصتها من لقاحات برنامج “كوفاكس”؛ كي تتمكن من تلقيح ما يقارب 10% من سكانها، من بينهم العاملون في القطاع الصحي والأشخاص الأكثر تعرضاً للخطر. وتأمل الحكومة في تأمين حاجة الخمسين مليوناً المتبقين من مواطنيها، من خلال صفقات خاصة مع شركات الأدوية.

يهدف برنامج “كوفاكس” إلى التوزيع العادل للقاحات بين الدول الغنية والفقيرة- “نيويورك تايمز”

على الصعيد الدولي، فإن العملية تبقى سرية؛ إذ لا تكشف الحكومات عن الأسعار التي تدفعها في مقابل اللقاحات. وعندما كشفت وزيرة بلجيكية، مؤخراً، عن قائمة أسعار الاتحاد الأوروبي، ظهر أن الأسعار تعتمد بشكل كبير على الجهة التي تقوم بالشراء.

يشكك العديد من مواطني جنوب إفريقيا بشدة في شركات الأدوية ويخشون من الفساد المتفشي في حكومتهم. وقد صرح وزير الصحة زويلي مخيزي، في اتصال مع مراسلين جرى مؤخراً، بأنه من الضروري ألا تقوم الدول الغنية بتكديس اللقاحات. وكان هذا كل ما صدر عن الحكومة حول خططها بشأن اللقاح. وقد هدد المهتمون بالصحة العامة بمقاضاة الحكومة؛ لإجبارها على الإعلان عن خططها.

اقرأ أيضاً: شركة أمريكية تبدأ في تجريب لقاح جديد لعلاج فيروس كورونا

وفي نهاية المطاف، يبقى المال هو ما يصنع الفرق. ومنذ البداية، أدركت حكومة جنوب إفريقيا أنها لن تكون قادرة على طلب الجرعات، قبل اختبارها والموافقة عليها، كما فعلت الدول الغنية.

قال آميس دهاي، أستاذ أخلاقيات علم الأحياء وعضو اللجنة الاستشارية للقاح التابعة للحكومة، لمجموعة من الأطباء، في ندوة عبر الإنترنت: “بينما انطلقت هذه الدول في موجة تسوق كاسحة، نحن لم نبدأ بعد باستعراض البضائع المعروضة على الواجهات”.

لا ضمانات

كانت جنوب إفريقيا قد شهدت مثل هذه التجربة من قبل؛ ففي عام 2009 عندما كان العالم خائفاً من تفشٍّ مميت لفيروس  “H1N1″قامت الدول الغنية بتخزين الدفعات المبكرة من اللقاحات. في حينه ظهر أن تفشي المرض كان أقل بكثير مما كان متوقعاً؛ ولكنه كشف عن عدم المساواة التي تنشأ عندما تتنافس الدول على الأدوية المنقذة للحياة.

أحد الأمثلة على ذلك هو لقاح سرطان عنق الرحم (HPV) الذي لا يتوفر في جنوب إفريقيا. الكميات المتوفرة من اللقاح تقل كثيراً عن الطلب؛ ما دفع منظمة الصحة العالمية لأن تصدر توصية بأن تتوقف الدول الغنية عن توسيع برامج التلقيح فيها بحيث تشمل الأولاد؛ كي تتمكن الدول الأخرى من توفير اللقاح للفتيات الصغيرات فيها.

أما بالنسبة إلى لقاح “كوفيد-19″، فيقول المسؤولون والمستشارون إنهم تلقوا استفسارات أولية من معظم شركات الأدوية الكبرى في العالم.

الصين قررت الانضمام إلى برنامج “كوفاكس”.. “تشاينا دايلي”

يقول عبدالكريم، رئيس لجنة فيروس كورونا، إن البلاد يجب أن تتحلى بالحكمة في اختيار اللقاح الأنسب لجنوب إفريقيا. والاستعجال في شراء لقاح فايزر، على سبيل المثال، الذي يتطلب درجات حرارة متدنية للغاية أثناء نقله وتخزينه، لن يكون أمراً منطقياً عندما تلوح في الأفق لقاحات أخرى أقل كلفة وأكثر سهولة في التعامل معها.

شاهد: فيديوغراف: إطلاق “ائتلاف الأمل” لتوفير حلول من أجل نقل لقاح “كورونا”

وبما أن جنوب إفريقيا لم تطلب مسبقاً جرعات من شركات خاصة، فقد تضطر الدولة إلى التفرج على شركة الأدوية المحلية الخاصة بها (آسبن فارماكير) وهي تنتج لقاحات لدول أخرى قبل أن تتوفر محلياً؛ إذ إنه من المتوقع أن تقوم شركة “آسبن” بموجب عقدها مع شركة “جونسون آند جونسون” بإنتاج الملايين من جرعات اللقاح. ويعلق المسؤولون في جنوب إفريقيا آمالاً كبيرة على اللقاح الذي لا يحتاج إلى تبريد شديد والذي من المتوقع أن تكفي جرعة واحدة منه بدلاً من اثنتَين. تقول السيدة حسن: “سوف نشارك في اختباراتكم، وسوف نصنع لقاحاتكم؛ ولكننا لا ندري إن كنا سنحصل على هذه اللقاحات”.

وكانت شركة “جونسون آند جونسون” قد وعدت بأن تبيع اللقاح بسعر التكلفة، وأن تقدم نصف مليار جرعة لبرنامج “كوفاكس” لمساعدة الدول الفقيرة. وقد صرح السيد تسيفن ساد؛ الرئيس التنفيذي لشركة “آسبن”، بأنه فخور بهذا الالتزام؛ لكنه أشار أيضاً إلى أنه ليس هنالك من ضمانات بالنسبة إلى جنوب إفريقيا، وقال: “إن الأمر يرجع إلى شركة (جونسون آند جونسون) في ما يتعلق بالمكان الذي يذهب إليه المنتج”.

متطوع يتلقى لقاح “جونسون آند جونسون” التجريبي في جنوب إفريقيا- “نيويورك تايمز”

تواجه جنوب إفريقيا، حالياً، الموجة الثانية من الجائحة، بعد أن تجاوز عدد الإصابات فيها مليون إصابة. ويشعر مسؤولو الصحة فيها بقلق شديد بشأن التحور الأخير للفيروس الذي جعله أكثر قابلية للعدوى.

وأكثر ما تخشاه البلدات الفقيرة والطبقة العاملة هو الإغلاق الشامل مجدداً؛ فقد دمرت الإجراءات الشديدة التي اتخذتها الحكومة سابقاً الاقتصاد، وأجبرت الناس على البقاء في أكواخهم المعدنية المتراصفة؛ حيث تشترك عشرات العائلات في مرحاض خارجي وصنبور ماء. يقول السيد مزوامادودا الذي تم اختياره لتجربة اللقاح: “من المستحيل المحافظة على التباعد المكاني هنا.. أريد أن أستعيد حياتي”، وهو يعتمد في ذلك على اللقاح، ويأمل في أن يُعطى اللقاح الفعلي وليس الجرعة الوهمية.

عندما استيقظ السيد مزوامادودا، صباح اليوم التالي، لتلقيه الحقنة كان يشعر أنه بخير. تحدث مع زوجته، وقررا أن تذهب إلى عيادة الدكتورة جيل لتنضم إلى التجربة في عطلة نهاية الأسبوع؛ إلا أن الدكتورة جيل تلقت رسالة من شركة “جونسون آند جونسون” مفادها أن الشركة لم تعد بحاجة إلى متطوعين جدد في منطقتها.

كانت البيانات تتدفق، والنتائج جيدة؛ ولكن بالنسبة إليها، فإن ذلك يعني أنه في صباح اليوم التالي سيكون عليها أن تخذل الناس الذين يقفون في الطابور أمام عيادتها.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة