الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

لغز الطيور المهاجرة

كيوبوست

في كل مرة هاجرت فيها الطيور عبر السماء بأسراب، نظر الإنسان القديم إليها بذهول محاولاً تفسير تلك الظاهرة؛ لذا شكلت بعض الثقافات أساطيرها الخاصة حول هجرة الطيور، فمثلاً ذكر الشاعر الملحمي الإغريقي “هوميروس”، في ملحمته الشعرية “الإلياذة”، أن طيور الغرنوق تهاجر من أوروبا إلى إفريقيا، وتخوض معركة شعواء عند الفجر ضد رجال أقزام.

فهجرة الطيور ظلت لغزاً في نظر الإنسان، خصوصًا أن معظم الطيور تعود بعد رحلتها من حيث انطلقت. من جانبه، حاول الفيلسوف اليوناني أرسطو، تفسير ظاهرة هجرة الطيور، فتوصل إلى تفسيرات؛ منها ما صاب ومنها ما خاب، كقوله إن الطيور لديها بيات شتوي، تنام داخل الأشجار طوال فصل الشتاء؛ لكن لا عتب على أرسطو، فالبشرية لم تبدأ بفهم هجرة الطيور فعلياً سوى خلال المئة عام الماضية.

اقرأ أيضاً: حيوانات تستشعر الكوارث!

وفي عام 2006م تم تدشين اليوم العالمي للطيور المهاجرة، الذي يصادف ثاني سبت من شهر مايو، من قِبل أمانة اتفاقية الحفاظ على الطيور المائية المهاجرة الإفريقية- الأوروبية- الآسيوية (AEWA)، بالتعاون مع أمانة اتفاقية حفظ الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية (CMS)؛ لزيادة الوعي وتسليط الضوء على الحاجة إلى الحفاظ على الطيور المهاجرة وموائلها.

لماذا تهاجر الطيور؟

قديماً علمت الشعوب القاطنة شمال الكوكب، أن هجرة الطيور إليها هي إعلان لقدوم الربيع وعودة للطبيعة والحياة؛ فالطيور تهاجر ضمن عملية طبيعية متجهة شمالاً خلال الربيع للاستفادة من تزايد أعداد الحشرات والنباتات ووفرة مواقع التعشيش، ومع اقتراب فصل الشتاء وتراجع توافر الغذاء في الشمال، وهرباً من البرد، تحلِّق الطيور عائدة إلى الجنوب مرة أخرى.

يبلغ عدد أنواع الطيور المهاجرة نحو أربعة آلاف نوع- iStock

وبناء على أن هجرة الطيور ترتبط بالفصول؛ فالغاية الأساسية من هجرتها هي البحث عن ظروف بيئية وموائل أفضل، لضمان الغذاء والتكاثر وتربية الصغار؛ إذ تترك الطيور المهاجرة التي يبلغ عدد أنواعها نحو أربعة آلاف نوع، كالهدهد وطائر الكركي والسمان والبط البري وغيرها… مواقعها، عندما تصبح الموارد شحيحة، وتتجه نحو مناطق ظروفها  أفضل، ومواردها وفيرة.

وتقطع الطيور المهاجرة مسافة يقدر متوسطها ذهاباً وإياباً نحو 90 ألف كم، ضمن أنواع متعددة من الهجرات تنقسم إلى ثلاثة أنواع، حسب طول المسافة المقطوعة؛ أولها الهجرة لمسافات قصيرة، ويقوم الطيور عبرها بتنقلات محدودة نسبياً؛ إذ ينتقلون من المرتفعات إلى المرتفعات المنخفضة على سفوح الجبال.

اقرأ أيضاً:  ما الذي يجذب الطيور المهاجرة إلى المدن؟

كما تقطع بعض الطيور المهاجرة مسافات متوسطة تعادل بضع مئات من الأميال، ضمن ما يُعرف بالهجرة لمسافات متوسطة، في حين تقطع الطيور ضمن الهجرة لمسافات طويلة، مسافات من كندا والولايات المتحدة إلى أمريكا الوسطى والجنوبية مثلاً، علماً بأن هناك تقسيمات أخرى لأنواع هجرة الطيور تعتمد على معايير أخرى كشكل حركة الطيور المهاجرة، أو توقيتها أو انتظامها من عدمه.

كيف تهاجر الطيور؟

حتى الآن، لم يتأكد علماء الطبيعة تماماً من الكيفية التي تعتمدها الطيور حديثة الهجرة في مساراته؛ إذ إن الطيور المخضرمة تعرفها بفضل خبرتها وموروثها المعرفي، فهي طارت عبر تلك المسارات عاماً بعد عام؛ لكن المدهش أن الطيور الصغيرة التي لم تسافر سابقاً تهاجر في أول مرة لها لوحدها، وهنا يعتقد العلماء أن حواس الطيور المهاجرة وشكل أعضائها كالمنقار مثلاً، تعمل بطريقة تسعفها في تحديد  مسارها.

فمثلاً، يفترض علماء أن عيون الطائر المهاجر تتفاعل مع دماغه ضمن منطقة تُسمى “الكتلة N”، وتساعده على الأغلب في تحديد اتجاه الشمال، كما أن كميات صغيرة من الحديد في الخلايا العصبية للأذن الداخلية للطائر تساعده في تحديد اتجاهه.

حواس الطيور المهاجرة وشكل أعضائها تعمل بطريقة تسعفها في تحديد  مسارها- نقلاً عن hpb

وإضافة إلى حاستي النظر والسمع، يرجح بعض الباحثين أن الطائر المهاجر قادر على تقفي مساره عبر حاسة الشم أيضاً، وتوجد هذه الميزة تحديداً في الحمام الزاجل، الذي يمكنه تحديد المكان الذي أتى منه من خلال تطوير “خريطة شمية” تمتد حتى 200 كيلومتر، كما أن منقار الطائر يُسهم في تحديد موقعه بدقة.

اقرأ أيضاً: الديك الروميطائر فظّ وحاد الطبع.. لماذا ارتبط اسمه بتركيا؟

وتستخدم الطيور المهاجرة أيضاً العوامل الطبيعية للاستدلال على مسارها، فمثلاً تقوم بمسح المجال المغناطيسي للأرض من خلال العصب ثلاثي التوائم، واستخدامها كمسارات إرشادية، كما تعتمد على الشمس والنجوم كبوصلة. وعلى سبيل المثال، يمكنها استخدام غروب الشمس عند معالم معينة كنقطة مرجعية.

كما تتبع بعض الطيور، مثل الطيور المائية والطيور الرافعة (كبيرة الحجم)، نفس المسار كل عام، وتتوقف في أماكن بها مصادر غذائية مهمة، وتعتبر تلك الأماكن نقاط استدلال بالنسبة إليها.

مخاطر الهجرة

وتتعرض الطيور، خلال هجرتها، إلى مخاطر طبيعية، فإلى جانب أن الرحلة مرهقة وشاقة، فإن الطيور قد تواجه نقصاً في الإمدادات الغذائية، وسوء الأحوال الجوية، وهجمات من قِبل الحيوانات المفترسة، وغير ذلك.

يمكن للحمام الزاجل تحديد المكان الذي أتى منه من خلال تطوير “خريطة شمية”- Andreas Trepte

لكن الأمر لا يقتصر على المخاطر الطبيعية التي تعتبر متوقعة بالنسبة إلى الطيور؛ ففي العقود الأخيرة، تعرضت الطيور المهاجرة إلى خطر أبراج الاتصالات والكهرباء والمباني الشاهقة، فالعديد منها ينجذب لأضوائها ويصطدم بها؛ ما أدى إلى موت الملايين منها، ولذلك ينصح العلماء بضرورة أن يأخذ التخطيط الحضري مسألة الطيور بعين الاعتبار.

كما تؤثر التغيرات المناخية على رحلة الطيور المهاجرة؛ فمثلاً تُسهم زيادة قوة الرياح المعاكسة عند العودة في عرقلة رحلة الطيور ومنعها من التنقل خلال أيام محددة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات