الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

لطيفة الزيات.. جدلية الصمت والكلمة

تمتلك لطيفة الزيات في كتاباتها بلاغة قوية في السرد.. وحوار المونولوج الداخلي طبع الكثير من كتاباتها

كيوبوست -سالي علي

ولدت لطيفة الزيات في مدينة دمياط، كانت مصر حينها في الحقبة الملكية، تلقت تعليمها بالمدارس المصرية، وحصلت على درجة الليسانس في اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، لتصبح روائية وناقدة كرَّست جلّ اهتمامها بشؤون المرأة وقضاياها، ولها العديد من الكتب الأدبية الناقدة والروايات؛ أشهرها رواية “الباب المفتوح”.

سيبدو لنا من القراءة الأولى للطيفة الزيات ومن متابعة حياتها العامة، أن كل شيء عنها معروف؛ عبر ما تشمله أعمالها من عناصر لحياتها الخاصة ومن خلال أقوالها وأقوال الآخرين عنها وعن كتاباتها.

اقرأ أيضاً: رحيل نوال السعداوي.. رائدة الدفاع عن حقوق المرأة

يقول “رولان بارت” إن متعة النص تأتي من كسراته وانقطاعاته؛ فإذن كيف تكون لطيفة الزيات كاتبة مؤثرة إذا صدق كلامه؟ وهي نفسها التي طرحت سؤالاً: مَن هي هذه المرأة وراء الصور المعروفة للمناضلة والأستاذة الجامعية والكاتبة والناقدة؟

إن أهم سمة من سمات كتابات لطيفة الزيات هي الصدق المروع؛ الصدق في محاولة معرفة النفس والصدق في كتابة هذه المعرفة.

إن الصدق معناه عند لطيفة الزيات هو مسؤولية الكلمة، وما وراء الكلمة من حقيقة غامضة أو زيف؛ سواء الزيف الاجتماعي والقهر السياسي وتحايل الذات التي تغمرها الصور المفروضة ونظرة الآخر وتواطؤات المجتمع التقليدي، الصدق هو مسؤولية أمام الشعب وجمهور القراء الذين تدين لطيفة الزيات لهم بالحقيقة؛ والحقيقة ليست أحادية بل مخترقة بالصراع، والصراع هو عنصر أساسي لجماليات أدب الزيات.

غلاف رواية “الباب المفتوح”

في روايتها “الباب المفتوح” تبدو كاتبة متفائلة تربط تجاوز الذات لنفسها بالانتماء إلى الجماعة ومستقبل المجتمع في نضاله التحرري ضد الاستعمار. وفي مجموعتها “الشيخوخة وقصص أخرى” تصرخ لطيفة فيها عن معاناة الفشل في الزمن المتغير.

أما في روايتها “صاحب البيت”، فتحدثت فيها عن كيف يُخلق الزيف وكيف تتفاعل العلاقات الأقوى، وكيف يقاوم الصدق كي يتألق صادقاً.

غلاف رواية “صاحب البيت”

تمتلك لطيفة الزيات في كتاباتها بلاغة قوية في السرد، وقد اعتمدت حوار المونولوج الداخلي بكثرة من كتاباتها، في تقصد الخطاب غير المباشر، والذي يكون حراً يتخيل من خلال الراوي أن لطيفة تجمع في كتاباتها بين الثغرة والكلمة الممتلئة وبين بياض النص وفجواته؛ وهذا سر جمالية الصراع في كتاباتها.

وعند البدء في سيرتها الذاتية “حملة تفتيش.. أوراق شخصية”، سنجد أن لطيفة تقفز من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى آخر؛ لتسترد حكايات قد كُتبت في زمن آخر، ولتبحث وراء المرأة ذات الثمانية والخمسين عاماً، التي دخلت سجن القناطر الخيرية، وعن الشابة التي اعتقلت في سجن الحفرة بالإسكندرية، لتعطينا في جميع الحالات خلاصة رمزية لحياة خصبة ملأتها الإنجازات وهددها الانكسار.

غلاف رواية “أوراق شخصية”

نراها طفلة بين “بيت قديم” مهدد بالانهيار في انتهاء فترة مجد تجار البحر بين الشام وميناء دمياط، وبين الحكايات التي ملأت طفولتها؛ فتحكي الجدة مثل شهرزاد عن أساطير الأجداد وملاحم الشاطر حسن، فتدرك الطفلة لطيفة الزيات خلط الجدة بين هذه وتلك، فتعي منذ تلك الفترة المبكرة الصراع بين الواقع والخيال.

اقرأ أيضًا: “جوجل” يحتفل بـ”هدى شعراوي”.. أن تكون معاناة الأنثى دافعًا لتحررها

 لقد بَنَت السيرة الذاتية على مقاطع منفصلة من الحياة؛ صور ورموز ومشاهد وحوارات تدور جميعاً حول صراع البيئتَين، صراع المطلق والنسبي، والشر بالجمال، ورغبة الحياة بجذب الموت؛ فتبدو لنا هذه الكتابة المتقطعة في أبهى تجلياتها في “الشيخوخة وقصص أخرى”، فهل نحن أمام قصص قصيرة أم رواية؟

وفي تناص داخلي واضح في أعمال لطيفة، يأتي الجواب في فقرات من كتاباتها؛ فمسؤولية ما تُسميه بالفشل لا تنسبه إلى مجرد ثغرات في الذات، بل يكون المجتمع كله مسؤولاً عنه؛ فالكاتبة تنتمي إلى جيل تشعر فيه النفس الصادقة أن الكلمات تنفصل عن الأفعال.

غلاف رواية “الشيخوخة وقصص أخرى”

فـ”محمود” في “الباب المفتوح” يؤمن نظرياً بحرية المرأة؛ لكنه لا يريد أن تنضم أخته إلى فدائيي معركة القناة، و”عصام” يفصِل بين الحب والجنس؛ عندما قال إنه يحب ليلى ويمارس الجنس مع الخادمة!

كما يصطدم صدق المشاعر بزيف الكلمات عندما تتناول بطلة “في ضوء الشموع” العشاء مع زوجها في مطعم فاخر، بينما انتهى الحب بينهما ولا تُقال في تبادلهما إلا أنصاف الحقائق والأكاذيب.

وعندما نعود إلى “الباب المفتوح”، هذه الرواية التي تفسر كل شيء وتقول كل شيء، يخترق الصمت السرد والحوار بين الطفولة والبلوغ، والشابة التي وصلت إلى سبعة عشر من عمرها، تعيش الصراع بين الروتين الأُسري وتجربة حب فاشل.

وبالختام عن جدلية الصمت والكلمة عند لطيفة، ومكانتها الجمالية في أعمالها الأدبية، نقول إن جمال النص الأدبي لا يختصر ولا يرد إلى فاعل واحد؛ فلطيفة مدركة كونها امرأة عربية خاضعة للوضع السياسي والاجتماعي القاهر في كل الوطن العربي، وقد أوجعها هذا القهر النفسي والعام في كل مراحل حياتها وتطورها؛ لذلك لا ينطبق على استخدامها المقطع تعريف “رولان بارت” المجرد لمتعة النص.

اقرأ أيضًا: رحلت شويكار.. الكوميديانة الفاتنة صاحبة الأدوار المتنوعة

لقد عاشت ولديها الرغبة الشديدة الجامحة في الحياة وشد الموت إلى الأسفل، حلمت بمستقبل عربي كالباب المفتوح، وأحزنها إغلاق الباب في سنواتها الأخيرة؛ فتركت لنا رسالة حب واعتداد بالنفس، تركت لنا جهدها الدائم والمستمر لمعرفة أعمق وأقل الممكن، مؤمنة حتى النهاية بضرورة التجاوز.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

سالي علي

كاتبة سورية

مقالات ذات صلة