الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون عربية

لطيفة الأخضر: الثورة الفكرية ممكنة عربياً

الباحثة التونسية تطالب في حديثٍ مع "كيوبوست" بإعادة النظر في كلِّ مكونات أصول الدين والفقه اعتماداً على مكتسبات العلوم الحديثة

كيوبوست- فاطمة بدري

تؤمن الباحثة التونسية الدكتورة لطيفة الأخضر، وتعتقد جداً بأهمية تطوير القراءات المتعلقة بالدين الإسلامي ومواءمتها مع الحداثة بشقَّيها الفكري والعلمي، وأن يتم التجرد من القراءات الدغمائية للدين التي ظلت على حالها على مدار قرون طويلة. ولهذا اختارت أن تكون في صفوف الباحثين المجتهدين؛ من أجل بلورة رؤى فكرية تنويرية وتحديثية على أكثر من صعيد، لا سيما في ما يتعلق بواقع المرأة في العالم الإسلامي. ورغم كل المتغيرات والتقلبات عربياً وخصوصاً تونسياً؛ حيث مجال تحركها وفعلها الفكري والأكاديمي الأكبر، ما زالت الباحثة لطيفة الأخضر، تأمل أن يحدث التغيير الذي تنشده تماماً كما حدث مع الغرب، وكانت له نتائجه على الأرض في كل المجالات. ومن أجل هذا الهدف تنشط الأخضر أكاديمياً باعتبارها أستاذة التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية، كما درست في جامعة الزيتونة في بداية التسعينيات قبل أن تنتقل إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، وهي حاصلة على الدكتوراه بأطروحة حول “الإسلام الطرقي والتحولات السياسية والاجتماعية في تونس في العهد الاستعماري بين سنة 1881 و1934”.

وصدر لها عدد من الكتب بالعربية والفرنسية؛ أبرزها “الإسلام الطرقي.. كيف ولماذا وقفت الطرق الصوفية إلى جانب فرنسا؟” (1994)، والكتاب المثير للجدل “امرأة الإجماع” (سنة 2002)، وتُرجم إلى الفرنسية تحت عنوان Les femmes au miroir de l’orthodoxie islamique)). وفي سنة 2013 صدر لها بالفرنسية كتاب (De quoi demain sera-t-il fait?). وهي أيضاً من مؤسسات جمعية النساء الديمقراطيات بتونس، وشغلت منصب وزيرة الثقافة والمحافظة على التراث في تونس (2015).

اقرأ أيضاً: يوسف الصديق: لم نستطع رفع النص القرآني إلى مجال الفكر والفلسفة

التقينا الباحثة لطيفة الأخضر، وكان معها هذا الحوار..

    1- تركز الباحثة لطيفة الأخضر، في بحوثها وكتاباتها على مسألة تغيير النظرة النقدية للتاريخ الديني الثقافي في الفضاء العربي الإسلامي، بعد هذا المسار كيف يمكن برأيك تحقيق ثورة نقدية داخل الفكر الديني؟

ما أقصده ليس تغييراً؛ بل إحداث ثورة نقدية داخل الفكر الديني؛ لأنه ما عدا القرون الثلاثة الأولى (من نهاية القرن الأول حتى بداية القرن الرابع)، مع ما شهدته هذه الحقبة من نقاش واختلاف وجدل وسجال بين الفرق الدينية؛ الثقافية المختلفة، مثلاً ما حدث بين المعتزلة باعتبارها نخبة حضرية متأثرة فكرياً بالفلسفة اليونانية مقابل بقية الفرق الأخرى المجادلة لها، والتي تمثل في أغلبها النخب التي بقيت في ارتباط بالثقافة الحجازية البدوية. ما عدا هذا القوس المهم في تاريخ الحراك الفكري الإسلامي، تواصلت الأمور منذ الردة السُّنية الأشعرية، التي ابتدأت مع الخليفة العباسي المتوكل، بتغليب التحجر وانتصار الخط الأرثوذكسي في تفسير وترتيب أمور الدين وأصوله؛ سواء أكانت العقدية منها أم الفقهية، بصفة لا تترك مجالاً كبيراً للنقاش وللحوار والانفتاح وتوسيع المعاني.

هذه الثورة الفكرية هي ممكنة جداً اليوم، وذلك بالخروج من المسبقات الأصولية التي رتبها علماء الدين خلال فترة التحجر وإعادة النظر في كل مكونات أصول الدين وأصول الفقه اعتماداً على مكتسبات العلوم الحديثة؛ بمعنى العلوم اللغوية والألسنة والسيميائية، وأيضاً العلوم الإنسانية من تاريخ وسوسيولوجيا وأنتروبولوجيا وفلسفة؛ لفتح آفاق المعنى الديني ووضعه في محك قيم الحداثة، التي من بينها حرية النقد وحقوق الإنسان وحقوق المرأة. وهذا ممكن وقد حصل مع الديانة المسيحية مثلاً عندما قرر مجمع الفاتيكان الثاني في ستينيات القرن العشرين إعادة النظر في عدة مبادئ دينية على أساس فهم حداثي. مثل هذا الفكر النقدي له اليوم في تونس والمغرب ومصر وفي كل البلدان العربية والإسلامية وحتى في الشتات الإسلامي، حاضنة نخبوية؛ لكنه ما زال ينتظر الحاضنة الاجتماعية أو الطبقة الاجتماعية التي لها من القوة ما يجعلها تُسهم بنجاعة في نشر هذا الفكر، كما حصل مثلاً في فرنسا عندما تحملت البرجوازية كطبقة اجتماعية واقتصادية وسياسية قوية ومهيمنة من احتضان الفكر التنويري وإعطائه وسائل سياسية لينتشر داخل المجتمع.

الفكر الديني يحتاج إلى ثورة فكرية- (صورة من غوغل)

    2-لماذا نجح الغرب في الخروج من محوره الديني في التعامل مع الأسئلة الكونية مثل الحرية وغيرها من القيم الكبرى، في حين فشل العالم الإسلامي في ذلك؟

الغرب خرج من محوره الديني؛ وهنا لا أقصد أنه خرج من الإيمان، بل كان خروجاً عن الديني باعتبار أن هذا الأخير كان قوة تنظم حياة المجتمع وتتدخل في صغائره وكبائره وتكبِّل كل حرياته، وكان أبشع ما حدث تدخل الكنيسة في حميمية الناس بإرسائها محاكم الاستكشاف في نهاية القرون الوسطى. وقد دفع الغرب ثمناً باهظاً للتمكن من الخروج من تلك الحروب الدينية التي كانت غاية في الدموية، والتي أربكت وهزت كل أركان هذا الغرب. كما أن الثمن كان باهظاً من حيث الاجتهاد والمثابرة الفكرية التي أدت إلى تراكم سمح بحدوث المنعرج العلماني انطلاقاً من القرنَين الـ18 والـ19. فكانت الحركة الإنسية ثم حركة الإصلاح الديني، وقد مثلت أول شرخ في مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية، ثم حركة النهضة بأبعادها الجمالية والعلمية والأدبية وإعادة الاعتبار لمفهوم الإبداع الإنساني، ثم الفكر التنويري للقرنَين الـ18 والـ19. فنجاح الغرب يفسر أن كل هذا الحراك الفكري كان مدعوماً من طرف طبقات اجتماعية قوية كالنبلاء بالنسبة إلى حركة النهضة والبرجوازية في احتضانها فلاسفة التنوير مثلاً؛ فاستقلالية الفكر، وشجاعة التمشي النقدي ثم وجود حاضنة اجتماعية قوية اقتصادياً وسياسياً مثَّلت الشروط الثلاثة لنجاح عملية خروج الغرب من المحور الديني إلى المحور المدني.

اقرأ أيضًا:  الله والإنسان والطبيعة.. بين العقل العربي والعقل الغربي

نحن في تاريخنا الاجتماعي نختلف طبعاً؛ لكن هذا لا يمنع أننا نكتسب بعض هذه المكونات وليس كلها. ومعركتنا في العالم الإسلامي مع الفكر الديني الدغمائي، وقد انطلقت منذ القرن التاسع عشر؛ خصوصاً وهي متواصلة، لم تتخذ شكل حروب مفتوحة؛ لكنها موجودة. وهذا بذاته ما يفسر -في جانب ما- الفشل الحالي للإسلام السياسي رغم كل الدعم الذي وجده من بعض القوى العربية في إطار رؤية جيواستراتيجية هضمت حقوق مجتمعاتنا في التحرر من الاستلاب وسعت لأن يبقى الشرق شرقاً كما تراه وتصنعه وتريده هي لا كما نريده نحن أن يكون.

    3- أيضاً تحدثت عن استفادة الغرب من فكر ابن رشد في وقت أحرق فيه العرب والمسلمون كتبه، لماذا هذه المفارقة؟ ما الذي توفر لدى الغرب حتى يهيئ الأرضية لفكر ابن رشد وغاب عند العرب والمسلمين؟

ابن رشد بترجمته كتب أشهر فلاسفة الإغريق، مكَّن الغرب من العثور على حلقة كانت مفقودة في ثقافته؛ نظراً للقطيعة العميقة التي حدثت له مع تراثه الثقافي القديم، وقد كان لسيطرة الدغمائية الدينية المسيحية على الفضاء الفكري والاجتماعي ثم للجهل والأمية المنتشرين داخل المجتمعات الإقطاعية الغربية في بداياتها، دور أساسي في حدوث هذه القطيعة. ابن رشد مكَّن الغرب من أن يتدارك أمره وأن ينهض فكرياً، وفكره أسهم في ما يُسمى بالحركة الإنسية وحركة النهضة التي فتحت المجال لارتقاء الغرب إلى الحداثة. وهنا أريد أن ألح على أمر مهم؛ أولاً أن ابن رشد هو نتاج ثقافة عربية إسلامية أندلسية منفتحة -مهما تنكرت له هذه الثقافة نفسها- وللأسف ما زال الأمر متواصلاً إلى اليوم؛ حيث لا نراه يدرس في أقسام الفلسفة مثلاً. ثانياً، وألح على هذا القول أيضاً، أنه عبر ابن رشد وابن باجة وابن طفيل وغيرهم ممن كانوا في طليعة العلم آنذاك، أسهمت الثقافة العربية الإسلامية تاريخياً وفكرياً في بروز الحداثة التي يريد الغرب احتكارها وتملك حدوثها تماماً كما يريد الدغمائيون والمتزمتون والجهلة عندنا إنكارها واعتبارها إنتاجاً غربياً بحتاً غريباً عنا وعن هويتنا التاريخية. وإجابة عن سؤال: لماذا استفاد الغرب من ابن رشد في حين قام الموحدون بحرق كتبه؟ أقول إن الغرب، كما سبق وأشرت، بدأ يُعيد النظر ولو بصفة محتشمة ومنحصرة في القرن الـ12 الميلادي، في وضعه الفكري، وحتى داخل الكنيسة نفسها بدأت تظهر بعض النخب تسعى لقراءة النصوص الدينية من منظار الفلسفة. وابن رشد وإن كان مدعوماً من طرف الخليفة الموحدي يوسف بن يعقوب؛ فإنه مع أستاذه ابن طفيل كانا يتعرضان إلى تحامل فقهاء المالكية وغضبهم وعدائهم، وهؤلاء كانوا الفئة المسيطرة على الفضاء الديني والثقافي والاجتماعي، كما كانوا يمثلون مع بعض الحكام والنافذين ومع العامة أو الجماهير الكتلةَ التاريخية المهيمنة، وإحدى أبرز صور عدائهم لابن رشد هي حرق كتبه، علماً بأن حرق كتب ابن رشد عملية رمزية لها خفايا اجتماعية وثقافية ما زالت متواصلة إلى اليوم بالعالم الإسلامي للأسف.

ابن رشد- (صورة وكالات)

    4-ماذا خسر العرب والمسلمون من وراء التنكر أو رفض فكر ابن رشد ماضياً وحاضراً؟

خسروا ارتقاءهم إلى الحداثة الفكرية التي تمثل الباب الأول نحو الارتقاء إلى الحداثة العلمية والتقنية والاجتماعية والأخلاقية.. بقينا طلابَ و”متسولي” حداثة بينما كان في مقدورنا أن نكون المبادرين بها. ففي ما يخص البُعدَين الأول والثاني للحداثة، فنحن مدينون للغرب؛ وهذا يمثل في حد ذاته تخلفاً كبيراً، أما في ما يخص بُعدَيها الثالث والرابع فنحن نكاد نكون متخلفين تماماً؛ نعيش نوعاً من الانفصام والسكيزوفرانيا والعصاب، لأن الحداثة وحدة فلسفية وفكرية وثقافية لا يمكن أن نأخذ من القشور ونرفض اللباب.

    5-لماذا تم رفض الفكر النقدي والفلسفي عربياً وإسلامياً؟

بسبب هيمنة الفكر الدغمائي؛ لأن الدغمائية بطبيعتها تنفي الفكر النقدي والمعتقد المتحجر لا يسمح به، والعالم الإسلامي الحالي تتحكم في ذهنيات أفراده وجماعاته “ثيولوجيا” أو علوم أصولية (أصول الدين وأصول الفقه) رُتبت في سياق إدراكي وثقافي قروسطي لم يكن يعترف كثيراً بالمقاربات النقدية؛ مثلاً يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو “كل حقبة تاريخية تحدد بذاتها ما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن التفكير فيه”. وهذا ما يدعو عقلانياً إلى تنسيب الأمور لا إلى إعطائها صبغة إطلاقية؛ فمثلاً القرآن والفقه والشريعة تتناول العبودية والعقوبات الدينية القاسية وعدم المساواة بين المرأة والرجل باعتبارها ظواهر عادية، لأنها فعلاً من تلك الحقبة من تاريخ الحجاز، بل من تاريخ الإنسانية جمعاء كانت لا تسمح بغير ذلك. ولأن معادلة التماهي مع الموجود والقطيعة معه هي معادلة صعبة حتى على النبوة -مهما اعتقدنا- وقد قال الرسول ذات مرة “أردت شيئاً وأراد الله غيره”؛ وذلك للإدلال على صعوبة مثل هذه المعادلة. فالرسالة المحمدية جاءت لتتوجه إلى الإنسان المعني، آنذاك، أي الإنسان الحجازي، وكان عليها أن تتعامل بدقة مع قدرته على استيعاب المتغيرات؛ لكن في نفس الوقت هذه الرسالة أرادت أن تكون متوجهة إلى الإنسان التاريخي ومن هنا كان لا بد أن تكون معاني الرسالة مفتوحة على “التمعني” أي التسليم المتواصل والمواكب للمعنى وتطوراته، حسب ما يمليه تطور الإنسان المسلم عبر التاريخ.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي يُكِن للدولة الوطنية عداءً غريزياً

    6-قُلت إن تجربتك في جامعة الزيتونة جعلتك تكتشفين أن المناهج المعتمدة فاقدة النجاعة والقدرة على تقديم إجابات للمجتمع في خضم هذا العالم المعاصر، كيف يمكن تطوير هذه المناهج وهذا الموروث حتى يكون مواكباً لقيم الحداثة وقادراً على تقديم الإجابات للمجتمع بما يتماشى مع المتغيرات القائمة والقادمة؟

في العهد الوسيط ونحن نعلم أن الزيتونة تأسست منذ القرن الثامن الميلادي، لعبت دورها حسب ما كانت تمليه المقاييس الثقافية لتلك الحقبة التاريخية. أقصد أنها كانت في ذات الوقت في خدمة العرفان وفي خدمة الإيمان؛ لأنه في تلك الحقبة لا شيء كان يفصل المعرفة وتدريسها عن البُعد الإيماني العقائدي. هكذا كانت الأمور؛ أي تطابق تام بين دور الجامع والجامعة، وهكذا كانت الأمور أيضاً في أوروبا قبل أن تتمكن الجامعات من اكتساب استقلاليتها عن الكنيسة؛ ولكن ونحن نقتحم القرن الـ21 وبعد كل تراكمات الفكر الكوني حول مسألة ما يُسميها محمد أركون “حقوق المعرفة” و”حقوق الإيمان”، كان لا بد على جامعة الزيتونة التي تعتبر نفسها جامعة أو كلية أو فضاء معرفياً أن تتحمل مسؤوليتها تجاه صفتها هذه، وأن تتجه نحو دورها الجديد في الإسهام في إعادة بناء العلوم الدينية على أساس انفتاحها على مكتسبات العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفية وألا تكتفي بالبقاء في مناهج ما يُسميه محمد عابد الجابري، بمناهج “الشروح على الشروح”؛ أي إعادة إنتاج نفس المعرفة القروسطية، وكأن التاريخ قد توقف هناك.

جامعة الزيتونة لم تتحمل مسؤوليتها الفكرية- (صورة خاصة)

    7- هل أثَّر الإسلاميون على مناهج جامع وجامعة الزيتونة بعد 2011؟ وكيف؟

المناهج كما وقعت المحافظة عليها من طرف أغلب المدرسين والمسؤولين بهذه الجامعة، كانت مستجيبة تماماً للفكر الديني المحافظ المتحجر الذي يتخذه الإسلاميون كأصل تجاري داخل مشروعهم السياسي؛ لذلك التأثير الأهم كان سياسياً، وقد ظهر جلياً عندما كان وزير الشؤون الدينية من أنصار ومريدي حركة النهضة. ثم حتى بعد ذلك ظهر بوضوح عند تحرك عميد الجامعة وجزء من أساتذتها، وتجندوا وكتبوا ضد لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أسسها المرحوم الباجي قائد السبسي، وقد جن جنونهم؛ خصوصاً في الفصل المنادي بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة. والأمر من مأتاه لا يستغرب.

    8-تحدثت سابقاً عن وجود مدرسة كاملة تُسهم في علمنة الفكر، وبالتالي علمنة المجتمع في تونس، ويسود اعتقاد عربي على الأقل أن تونس دولة علمانية؛ ولكن رغم ذلك نجد ردود فعل قوية إزاء العديد من القرارات التحديثية؛ على سبيل المثال المساواة في الميراث وغيرها من الحريات الفردية، لماذا برأيك هذا التناقض؟ هل تعيش تونس علمانية منقوصة أو هناك قصور في تجذيرها كما ينبغي داخل المجتمع؟

نعم هناك مدرسة تونسية، وقد تعرضت إلى هذا في كتابي De quoi demai sera-t-il ?، وحتى لا أنسى أحداً لن أذكر قائمة هذه النخبة من الجامعيات والجامعيين التي تشتغل في هذا الميدان الفكري، والتي اتخذت كرهان لها وضع الفكر الديني على محك قيم الفكر الحداثي؛ لكن هذا لا يعني أن المعركة قد انتهت أو حُسمت وأن النجاح قد حصل؛ فهؤلاء المثقفون كانت الدولة الوطنية حليفهم الموضوعي قبل أن يحدث ما حدث وقبل أن يرتقي الإسلاميون للسلطة انطلاقاً من سنة 2011؛ فالدولة الوطنية التونسية قد طرقت باب الحداثة منذ القرن التاسع عشر، وكانت لها اجتهادات في هذا الباب، ووقعت تراكمات سياسية في هذا الإطار كانت من علاماتها القوية كمجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، والتي مثَّلت ثورة حقيقية، وكانت بمثابة الدستور للبلاد التونسية؛ لكن الآن تعقدت الأمور، وسبق وذكرت ردود الفعل إزاء المساواة في الميراث، وهو مبدأ تحالفت ضده السلطة الإسلامية وجزء من المجتمع الذي يخضع للهيمنة الثقافية للإسلاميين محلياً وعالمياً. عالمياً؛ عن طريق الإعلام المعولم، أي الفضائيات ذات الخطاب الإسلامي المحافظ وحتى السلفي، والتي لا تحصى أعدادها وهي ما انفكت تؤطر دينياً وثقافياً المجتمعات العربية والإسلامية منذ ما يفوت ربع القرن بل أكثر. المعركة صعبة؛ ولكن مخزون النضال الديمقراطي والنضال التقدمي والنضال النسوي لا يُستهان به أيضاً في هذا البلد تونس.

    9-كنت على رأس وزارة الثقافة عندما حدثت الهجمات الإرهابية في تونس، أي ثقافة أوصلت الشباب التونسي إلى تبني هذه الثقافة الدموية؟

نحن في الغالب شعب مسالم وليست لنا تقاليد قوية في رفع السيف والاقتتال والفتنة، وأعتقد أن ما وقع منذ 2011 من عمليات إرهابية هو أمر مرتبط مباشرة بالجيوستراتيجيا العالمية وبمشروعات قنواتها المحلية. وأعني إقبال الغرب على تخريب الدول في العالم العربي وإحلال الدمار به وتفكيك مجتمعاته وإحلال الأزمات داخله بالاستعانة بالقوى السياسية التي وصلت إلى السلطة، وأعني قوى الإسلام السياسي. وعندما تفتح جدياً في تونس ملفات الإرهاب والاغتيالات السياسية وتسفير الشباب إلى بؤر الدمار في العالم العربي، سوف تبرز حقيقة علاقة الشباب بالإرهاب؛ لكن لا أعتقد أن ضمائر الغرب وقنواته سوف تهتز، لأن هؤلاء يحملون ضميراً ميتاً. وبتفضيلهم (تقصد الغرب) الإسلام السياسي في بلادنا وفي غيرها، أظهروا استخفافهم واحتقارهم للقوى الديمقراطية بهذه البلدان، في حين أنهم يدَّعون انحيازهم للديمقراطية والدفاع عنها.

الإرهاب أمر مرتبط مباشرة بالجيوستراتيجيا العالمية- (صورة وكالات)

    10- باعتبارك إحدى النسويات المدافعات عن حقوق المرأة ومن المؤسسات لجمعية النساء الديمقراطيات، تحدثت في بحوثك عن أن هناك تغييباً تاريخياً للمرأة المسلمة منذ الوهلات الأولى للإسلام، كيف تم ذلك؟ وما ارتداداته التاريخية والحاضرة على واقع المرأة العربية والإسلامية؟

السلطة الأبوية البطريقية سلطة قوية في العالم العربي والإسلامي، وهذه السلطة التي وجدت في التأويل الدغمائي للنصوص الدينية حليفاً قوياً يضفي عليها كامل الشرعية، شرعية مقدسة طبعاً، غيبت وهمشت النساء وحصرت حياتهن في الفضاء العائلي الإنجابي وهمشتهن بصفة لا يضاهيها ربما إلا ما فعلته الإقطاعية الآسيوية بالمرأة هناك. ففي كتابي “امرأة الإجماع” الصادر سنة 2000، تناولت هذه المسألة وقاربتها عبر التعرض إلى ثلاثة نصوص ينتمي كتابها إلى فضاءات إسلامية مختلفة وأزمنة مختلفة؛ القرن الـ12 ببغداد، والقرن الـ19 بتونس، وبداية القرن العشرين في مصر. وتبين عبر هذه المقاربة أن المناهج والخطاب والحجج حول المرأة في علاقتها بالديني طبعاً، كانت لا تختلف عند جميعهم رغم اختلاف المكان والزمان، وأن هذه العلاقة مثلت في الثقافة الإسلامية النواة الصلبة التي لا تتأثر بتطور الزمان. فما سخره هؤلاء الكتاب للمرأة المسلمة يعتمد على العلوم الشرعية والموروث الديني كتفسير القرآن وتوظيف الحديث وتبيان حجج الفقه، ونحن نعرف أنها عمليات قام بها علماء الدين لترتيب معاني الدين، وأنها وقعت في إطار مجتمعات قروسطية رجولية تغلب الرجل على المرأة؛ أي في إطار موازين قوى ثقافية واجتماعية تهيمن عليها الذكورية. وفي هذا السياق، الذي يسعى فيه حراس المعبد لإعادة إنتاج معانيه إلى اليوم، وقع تغييب وتهميش المرأة المسلمة وتكريس دونيتها.

اقرأ أيضاً: هشام جعيط.. رحيل المؤرخ الجريء للإسلام

    11- رغم أن تونس من الدول الرائدة في تقنين حقوق المرأة منذ عقود؛ فإن النساء ما زلن حتى اليوم يناضلن من أجل الحصول على كامل حقوقهن ولا يستطعن، برأيك لماذا؟ ما المعوقات التي تحول دون تمتع المرأة بحقوقها كاملة رغم هذا المسار الطويل من النضال؟ وأي مسؤولية للدولة؟

وكيف لا يستطعن؟ المعركة حقاً صعبة وقد ازدادت تعقيداً مع صعود الإسلام السياسي وتمكنه من السلطة مع انتشار الفكر المحافظ داخل المجتمع؛ بسبب العوامل السالف ذكرها، لكن للمرأة التونسية رصيد نضالي لم ينقطع تراكمه منذ عشرينيات القرن الماضي. المرأة التونسية تمردت على “امرأة الإجماع” وعلى الحجب الاجتماعي والتهميش بصفة مبكرة، ووجدت في الفكر النير للرجال أمثال الطاهر الحداد والحبيب بورقيبة حليفاً قوياً لتطلعها إلى التحرر، ثم لا ننسى أن قضيتها كانت جزءاً من الحركة الوطنية ثم من رهانات بناء الدولة الوطنية. المرأة التونسية تشبه هذه الصورة القرآنية الجميلة “أصلها ثابت وفرعها في السماء”، وهذا ما لا بد أن يفهمه مَن يريدون التنطع أمام مطالبها أو التراجع عن مكاسبها. فرغم تشعب القضية الحالية؛ فإن هذا الرصيد وهذا المخزون مكناها من افتكاك العديد من المكاسب والحقوق، مثل إمضاء الدولة التونسية سنة 2014 على المعاهدة العالمية ضد كل أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW. وانخراط الدولة في المعادة العالمية ضد كل أنواع العنف المسلط ضد المرأة وإلغاء النص الإداري الذي يمنع زواجها بغير المسلم، وفي ذلك احترام لحرية اختياراتها، إلى جانب حقها في إعطاء الجنسية لأبنائها.. هي مكاسب عديدة وإن ما زالت الطريق طويلة.

الحبيب بورقيبة حليف قوي لتطلع المرأة إلى التحرر- (صورة من غوغل)

    12- كيف تقيمين العمل النسوي في تونس والعالم العربي اليوم؟  

العمل النسوي في تونس عمل مناضل ونفسه طويل؛ فإلى جانب الجمعيات النسوية العديدة التي ظهرت بعد الثورة وإلى جانب منظمة اتحاد المرأة التونسية، أظن أن النواة الصلبة للعمل النسوي تمثله اليوم “الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات”؛ فهي جمعية لها مفهوم مركب للنضال النسوي، فيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني، وفيه التزام قوي فكرياً بقضايا حقوق النساء وبحريتهن. أما في ما يتعلق بالعمل النسوي على الصعيد العربي، فأظن أننا لا نستطيع تقييمه وكأنه عمل متساوٍ وموحد.. هو متفاوت حسب البلدان وحسب الوضعيات؛ لكن ما يمكن ذكره والتنويه به هو أن النساء في كل هذه البقاع لها أصوات تعبر عن وعي نسوي وعن توق إلى الحرية والمساواة.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة