الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

لحظة البابا فرنسيس في الموصل

ليس هنالك من زيارة بابوية على الإطلاق مثل زيارة الأب المقدس إلى العراق هذا الشهر

كيوبوست- ترجمات

خافيير مارتينيز♦

من على متن الطائرة البابوية

لقد قُمتُ في ما مضى بتغطية أخبار ثلاثة باباوات، وانضممتُ إلى عددٍ لا يحصى من الرحلات البابوية حول العالم. وهذه الرحلات يتم التخطيط المسبق لها بعناية لشهورٍ عدة، وأحياناً لسنوات. وتتضمن مساراتها دائماً نقاط توقف مثالية لالتقاط الصور الملهمة؛ ولكنني لا أستطيع أن أتذكره أية صورة مثل صورة البابا فرنسيس بين أنقاض مدينة كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. عانتِ المدينة كثيراً خلال الغزو الأمريكي للعراق، والحرب الأهلية التي تلته، ولكن لا شيء يمكن أن يقترب من وحشية تنظيم داعش الذي احتل المدينة بين عامَي 2014 و2017، ولم يتم اقتلاعه منها إلا بعد معارك دامية راح ضحيتها آلاف القتلى، وشردت ما لا يقل عن نصف مليون من سكانها؛ من بينهم 120,000 مسيحي.

اقرأ أيضاً: زيارة البابا فرنسيس للعراق.. الرسائل والفرص السياسية والاقتصادية

كانت الذروة العاطفية عندما توقف البابا في “حوش البيعة” أو ساحة الكنائس التي تضم أنقاض أربع كنائس مسيحية دمرها “داعش” وحول إحداها إلى سجن، كما دمرت وحشيته معظم مساجد المدينة. أقام البابا صلاة مقتضبة من أجل الضحايا والإرهابيين أنفسهم، اختتمها بقوله: “اللهم امنحهم التوبة بقوة رحمتك، وامنحهم الراحة الأبدية يا رب، وليشرق عليهم نورك الأبدي”. وأثناء رحلة العودة إلى روما اعترف البابا بصدمته بما شاهده، فقال: “لقد كنت عاجزاً عن الكلام، إن قسوتنا البشرية لا تصدق”.

البابا يقيم صلاة في ساحة الكنائس أثناء زيارته إلى الموصل- وكالات

قال المؤرخ عمر محمد، وهو موصلي وثَّق فظائع “داعش” في مدونته السرية “عين الموصل”: “إنها المرة الأولى منذ تدمير الموصل التي أراها أجمل مدينة في العالم، كان ذلك لأنني رأيتها من خلال عينَي البابا”. إلى جانب تكريم الضحايا كان البابا يتطلع إلى الأمام؛ فقد تحدث في ساحة الكنائس إلى مجموعة من المسيحيين والمسلمين الذين يعملون معاً على ترميم مسجد النوري الذي يرجع بناؤه إلى القرن الثاني عشر، بالإضافة إلى كنيستَين قريبتَين؛ كنيسة الطاهرة وكنيسة الساعة.

اقرأ أيضاً: الأب عمانويل غريب: تمسك البابا بإتمام زيارته إلى العراق يؤكد معاني المحبة والسلام

كان هنالك حِرفي مسلم يعمل مع كاهن على صنع صليبٍ من بقايا المقاعد التي جمعت من الكنائس المدمرة. كان هذا الصليب يرمز إلى محنة المسيحيين؛ ومنهم دوحة، المرأة التي أخبرت البابا أنها تحاول أن تسامح الإرهابيين الذين قتلوا ابنها. في تلك اللحظة قال البابا إنه لا يرى انقساماً أو انعدام ثقة أو حقداً؛ بل “الأمل في أفق من السلام والأخوة”.

البابا يتكلم أمام حشد من المسيحيين والمسلمين وسط أنقاض الموصل- وكالات

وبينما كان البابا يغادر الساحة، رأى ثلاثة أطفال ورجلاً مسناً فطلب من سائقه التوقف ونزل من سيارته وباركهم. وقال “لا يمكن لأحد أن يتخيل أن عائلة يمكن أن تعيش بين هذه الأنقاض”. وبعد أن غادر البابا سألت الأطفال: هل تعرفون مَن هذا؟ فقالوا لا، فقال لهم رجل مسلم كان يرافقني: “إنه رجل الله، رجل الله قد جاء إلى بيتكم”.  

اقرأ أيضاً: كيف يستعد العراق لاستقبال البابا الشهر المقبل؟

بغضِّ النظر عن أهمية هذه الزيارة، فإن البابا لن يتمكن من تغيير تاريخ الحروب الطويلة والعنف في العراق في غضون أيام قليلة؛ ولكنها حملت الكثير من المعاني لهذا البلد ذي الأغلبية المسلمة. قال عمر محمد: “الطريقة الوحيدة للعيش بسلام مع أنفسكم هي في التسامح مع الآخر؛ لقد حان الوقت لأن نفهم أن الآخر لا يشكل تهديداً، وأن الطائفية ستقودنا إلى الدمار والعنف. أنا أرى في الاختلاف صورة جميلة، وليس تهديداً لوجودي”.

♦مدير قناة “روم ريبورتس” الإخبارية المتخصصة في تغطية أخبار الفاتيكان.

المصدر: ذا وول ستريت جورنال

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة